حكايات ساندى احمد

تخلصت منها. وكل السنين دي، وأنا بشتغل وأكبر وأبني إمبراطورية، كنت فاكر إنها عاشت حياتها ونسيتني، وإن الولد اللي معاها ده ابن راجل تاني. لحد ما النهاردة شفت يوسف.. وشفت في عينيه عيوني بالظبط، في نظراته عصبيتي، في ملامحه ملامحي اللي ما حدش غيري يورثها لولده.
الصبح بدري، ركبت سيارتي وروحت على نفس المكان. منى كانت موجودة، ويوسف معاها بيحمل الصناديق على عربتهم القديمة. لما شافني، وقف مكانه وشد على إيده بقوة
جيت تعتذر؟ ولا جيت تدفع لي فلوس تانية وتقول لي خليك في مكانك؟
صوته كان حاد ومباشر زيي بالظبط. نزلت من السيارة وقلت بهدوء
جيت أعرف الحقيقة كاملة. وأنا مستعد أدفع تمن كل غلط عملته.. لو سمحتوا، خليني أجلس معاكم دقائق بس.
منى شافت التعب في عينيا، وأشارت لي على مقعد خشبي قديم جنب المحل

اتفضل. بس اعرف إن كلامك مش هيغير اللي مرينا بيه 17 سنة.
جلست قدامهم، وبدأت منى تحكي بصوت هادئ لكن كل كلمة فيها ألم عميق
يوم ما طردتني يا كريم، نزلت في الشارع الساعة واحدة بعد منتصف الليل، معايا محفظة صغيرة
فيها هدومي فقط. ركبت أول أتوبيس لرجوع لأهلي في الصعيد، ولما وصلت هنا، اكتشفت إن أبي ماټ وأمي سافرت تعيش مع أخي في الخارج. مفيش حد لي هنا غير بيت قديم مهجور ورثته عن جدي. سكنت فيه، واكتشفت بعد أسبوع إنني حامل. كنت هعرف أروح فين؟ كنت هقول لمين؟ قلت لنفسي ربنا يكفيني، وهربي ابني، وهعلمه إن الكرامة أهم من كل حاجة. اشتغلت خياطة، وبعدين فتحت محل بقالة صغير، وبعدين بقت باعة فاكهة. ما شكتتش لأحد، وما طلبت منك ولا قرش طول السنين دي كلها. كنت خاېفة لو عرفت بوجوده تيجي تاخده مني. هو كل ما أملك في الدنيا.
دموع نزلت من عينيا وأنا بصوت ليوسف اللي كان ماسك دموعه بصعوبة
وأنتِ عملتي كل ده لوحدك؟
بوجود ربنا يا يوسف ردت وهي بتبوس على راسه وأنت كنت القوة اللي خلاني أصمد.
نظرت ليوسف وقلت له بصوت مرتعش
يا ابني.. ما عنديش عذر للي عملته. صدقت كلام غريب عنك وعن أمك، وخنت الأمانة اللي كانت بيني وبينها. أنا آسف.. آسف من كل قلبي.
يوسف بص لي بعمق، عينيه بتدرساني كأنه بيحاول يعرفني
آسف كلمة سهلة يا باشا. السنين
المحل، ومنى مش موجودة
أمك فين يا يوسف؟
راحت تجلب بضاعة من السوق رد ببرود عايز إيه تاني؟
جلست على الأرض جنبه، وبدأت أحكي له كل شيء من الأول لآخر كيف كنت صغير ومصدق كلام أمي، كيف طردت أمه بلا ذنب، كيف اكتشفت الحقيقة، وريته الاعتراف المكتوب بخط جدته. قراه ببطء، وكلما قرأ سطر، تغير لون وجهه درجة أخرى. لما خلص، سكت دقائق طويلة، ثم قال بصوت مكسور

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *