حكايات ساندى احمد
الجزء السادس
مرت ثلاث سنوات، وتغيرت أشياء كثيرة وبقيت أشياء ثابتة. يوسف تخرج من كلية التجارة، ووسع عمله ليشمل تصدير المنتجات المحلية للخارج، وأصبح اسمه معروفاً ومحترماً في الصعيد. لم يعتمد على ثروتي، بل بنى نجاحه بجده واجتهاده الخاص، وهذا كان مصدر فخري الأكبر. منى أصبحت تشرف على جمعية خيرية للنساء في القرية، تساعدهن على إقامة مشاريع صغيرة وتحقيق استقلالهن المادي. وأنا.. كنت أجد سعادتي الحقيقية في الجلوس معهم على العشاء كل خميس، في الحكايات والضحكات، وفي اللحظات البسيطة التي حرمت منها طويلاً.
وذات مساء، جلسنا نحن الثلاثة على سطح المنزل نشاهد النجوم، قال يوسف فجأة
تعرفوا.. كنت أكرهك يا بابا في البداية. كنت شايف إنك السبب في
كل حاجة وحشة حصلت لينا. لكن أمي كانت دايماً تقول لي الكراهية مش بتعمر بيت، والتسامح مش ضعف، هو قوة بتحررك من الماضي. وأنا شفتك بتتعلم وتتغير وتصحح غلطك بكل ما تملك.. فعرفت إن التسامح كان يستاهل المحاولة.
مسكت إيده وإيد منى معايا، وقلت بصوت مليء بالامتنان
ربنا يديم عليكم النعمة. أنا اللي مدين لكم بكل شيء. أنتم اللي رجعتم لي إنسانيتي وعلمتموني معنى الحب الحقيقي والكرم والنبل.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن أعظم صفقة لم أوقعها قط في حياتي لم تكن صفقة ال 50 مليون التي ألغيتها في ذلك اليوم، بل هي الصفقة الصغيرة والغالية جداً التي أبرمتها مع نفسي حين اخترت الحقيقة على الكبرياء، والعدالة على المصلحة، وعائلتي على أي شيء آخر.
الحب قد يتأخر، والحق قد يُخفى سنين طويلة، لكنه في النهاية يشرق كالشمس لا محالة، ويبني حيث كان الدمار، ويجمع حيث كان الفراق، ويجعل من أعمق الچروح دروساً تُعلم الناس كيف يكون النبل والتسامح والبداية الجديدة مهما بدا الطريق مسدوداً ومستحيلاً.
تمت بحمد الله