باعوا امهم حكايات صافى هانى الاول
مرات ابني قالتلي يا تسلمينا شقى عمرك وتحويشتك يا تفضيها وتمشي، كأن مفيش قدامي حل تاني.. قلتلها لأ، واشتريت شقتي الخاصة، ومشيت وقفت الباب ورايا ومن غير ما أبص ورايا حتى. بعد تلات أسابيع بس، نفس الناس اللي طردوني كانوا بيموتوا ويتحايلوا عليا عشان أرجع…
مرات ابني قالتلي: “أنتِ قاعدة هنا بتاكلي وتشربي بلاش.. هاتي الفلوس اللي معاكي يا إما تشوفي مكان تاني تقعدي فيه.”
قالت الكلام ده وهي واقفة في مطبخ شقتهم، وابني محمود واقف جمب كاتل الشاي وعامل نفسه مش سامع حاجة. أنا ست عندي 67 سنة، وأرملة، وكنت قاعدة معاهم في الأوضة الفاضية بعد ما بعت بيتي القديم عشان محمود قالي إنهم محتاجينني جمبهم “كام شهر كدة لله وللوطن”.
كلمة “بلاش” دي كانت بتفرسني..
أنا اللي كنت بشتري طلبات البيت والخضار كل أسبوع، ودفعت فاتورة الكهرباء لما جت عالية في عز حر الصيف، وكنت باخد بالي من حاجتهم، وبطبخ ليهم اللقمة خمس أيام في الأسبوع، ده غير إنني كنت بدفع قسط عربية محمود من سكات عشان كان “مستني عمولة ومزنوق”.
بس بالنسبة لـولاء مرات ابني، أنا كنت مجرد ضيفة ملقحة ومضيقة عليهم المكان.
ربعت إيديها وبصتلي وكأنني مستأجر مأخر الإيجار وقالت: “إحنا عارفين إن معاكي قرشين حلوين من بيع بيتك.. أنا ومحمود محتاجينهم عشان نسدد قسط الشقة قبل ما البنك يرفع علينا قض..ية.”
بصيت لابني وقلتله: “الكلام ده صحيح يا محمود؟”
حط إيده على وشه وهو محرج وقال: “يا أمي، إحنا بس بنطلب مساعدتك.”
ولاء قطعت كلامه وقالت بنشوز: “لأ، إحنا بنطلب حق ربنا، هي قاعدة هنا بتاكل بلاش، يا تدفع وتساهم يا تتفضل تمشي.”
تحويشة عمري دي مكنتش جمعية عائلية للهزار، ده شقى عمري أنا والمرحوم جوزي على مدار أربعين سنة طفحنا فيهم الدم، وحرمنا نفسنا من الفسح وعشنا على القد عشان نأمن آخرتنا. الفلوس دي كانت أماني، ومصاريف علاجي لما أكبر، وآخر حتة كرامة واستقلال بملكها في الدنيا.
قلتلها بكلمة واحدة: “لأ”.
بوق ولاء اتفتح من الصدمة، وبعدين ضحكت بسخرية وقالت: “يبقى اتفضلي لِمي هدومك بقى.”
وده اللي حصل فعلاً.
اللي مكنوش يعرفوه إنني كنت بظبط دنيتي وكنت بتفرج على شقة صغيرة على قدّي في منطقة هادية، وكنت مضيت العقد قبلها بيومين. وعلى يوم الجمعة كنت مخلصة كل حاجة كاش، ويوم السبت كانوا بتوع نقل العفش بيشيلوا حاجتي وولاء واقفة في الطرقة وشها جايب ألوان ومنهارة من الغل.
محمود همس في ودني وقال: “يا أمي، أنتِ بجد اشتريتي شقة ثانية؟”
#حكايات_صافي_هاني
قلتله: “آه يا حبيبي، لإن مراتك وضحتلي حاجة مهمة قوي.. إن البيت ده عمره ما كان بيتي.”
بعد تلات أسابيع، تليفوني مبيطلش رن.. مكالمات فايتة منهم هما الاتنين.
وبعدين محمود بعتلي رسالة صوتية وصوته كان بيرعش وبيعيط: “أمي، أرجوكي ردي عليا.. قسط الشقة اتأخر والمرافق هتقطع، وولاء بتقول إن لازم تلحقينا وتدفعيلنا.”
قعدت في مطبخي الجديد، في ملكي، وبشرب شايي في هدوء، وسبت التليفون يرن ويرن ومردتش.. وفجأه حصل الي ماكنتش متوقعاه
ووو
#حكايات_صافي_هاني
يتبع في التعليقات ♥♥❤❤♥♥♥♥♥♥
مرت الأيام، ورن التليفون مكنش بيقف.. محمود مكنش بيبطل يبعت رسائل استعطاف، وولاء بدأت تبعت فويسات نبرتها اتقطعت فيها عينها القوية وبقت تعيط وتقول: “يا طنط إحنا بنطرد من بيتنا، يرضيكي ابنك يترمي في الشارع؟!”
في يوم جمعة، بعد الصلاة، كنت قاعدة في الصالون عندي، وفجأة الباب خبط خبطات ورا بعضها بهستيريا.. قمت فتحت، لقيت محمود واقف قدامي، دبلان، وشه أصفر، وهدومه مبهدلة، أول ما شافني اترمي على رجلي وباس إيدي وهو بيعيط بحرقة: “سامحيني يا أمي.. ولاء سابت البيت ومشت لما لقت الحجز اتنفذ، والبنك هيمشينا بكره.. أنا ضعت يا أمي، مليش غيرك!”
بصيت لدموعه اللي مغرقة إيدي، وقلبي بدأ يتهز.. ده حتة مني برضه، مهما كان.. لسه هفتح بوقي وأقوله “قوم يا بني”، لقيت تليفونه اللي في جيبه رن، والخط اتفتح ومحمود مأخدش باله.. ومن السبيكر طلع صوت ولاء وهي بتقول بجفاء وبأعلى صوتها:
”ها يا محمود؟ خلصت المسرحية وبست رجلها؟ وافقت تدفع ولا لسه هتعيش دور الأمومة؟ اخلص واعرف منها معاها كام في البنك بالظبط عشان نلحق نشتري الشقة الجديدة باسمنا!”
محمود اتسمر مكانه وشه بقى زي الجث..ة، وأنا سحبت إيدي من تحت إيده بالراحة، ووقفت وبصيتله ببرود تام…
التليفون مكنش بيبطل رن، وكل فويس يتبعت كان بيبين أد إيه هما غرقانين. محمود باعت بيعيط وصوته مخنوق بالدموع، وولاء اللي كانت بتتنطط في المطبخ وراحت نبرة عينها القوية، بقت تبعت وتقول: “يا طنط إحنا بنطرد، يرضيكي ابن وحيدك يترمي في الشارع وتشمتي فينا الناس؟”
أنا مكنتش بشمت، أنا كنت برجع لنفسي كرامتها اللي اتهانت في بيتهم. كنت قاعدة في شقتي الجديدة، ريحة الدهان الجديد ونظافة المكان بترد الروح، والشمس داخلة من البلكونة بتنور دنيتي اللي ضلمت بعد وفاة المرحوم جوزي. كنت بعمل كوباية الشاي بنعناع ورايقة، لحد ما جه يوم الجمعة..
بعد الصلاة، كنت لسه قالعة إسدالي وبظبط الغدا، وفجأة الباب اتنفض! خبط بهستيريا ورزع ورا بعضه كأن البيت بيقع. جريت وأنا قلبي مقبوض، فتحت الباب ولقيت محمود واقف قدامي.. بس مكنش محمود ابني اللي أعرفه.
كان وشه أصفر زي الليمونة، دقنه طويلة ومبهدلة، وهدومه كأنه نايم بيها بقاله أسبوع. أول ما عينه جت في عيني، انهار.. اترمي على الأرض تحت رجلي، مسك جلابيتي وباس إيدي وهو بيشهق بالبكاء زي العيل الصغير:
“سامحيني يا أمي.. اقطعي رقبتي بس متسبنيش.. أنا اتمسخرت بره، ولاء لمت هدومها وسابتني لما لقت الحجز اتنفذ والبنك هيطردنا بكره الصبح.. بيتي اتخرب يا أمي وضعت، ومليش في الدنيا دي كلها غيرك، لو قفلتي بابك في وشي هموت نفسي!”
المنظر كسرني.. الأم مهما عملت بتفضل أم، ودموع ابنها بتكوي قلبها. نزلت على ركبي ولميت دماغه في حضني وأنا بدمع وبقوله: “قوم يا محمود.. قوم يا ضنايا متعملش في نفسك كدة، ربك غفور رحيم.”
وهو بيمسح دموعه وبيسند عليا عشان يقوم، تليفونه اللي في جيب بنطلونه رن.. من لغبطته وخضته وهو بيطلعه، صباعه داس على زرار الفتح وفتح السبيكر من غير ما يقصد، وقبل ما ينطق بكلمة، طلع صوت ولاء من السماعة.. مكنش صوت واحدة بتعيط ولا مكسورة، كان صوتها الحقيقي.. حاد، وقوي، وناشف:
”ها يا محمود؟ خلصت المسرحية وبست رجلها وعيطت الكلمتين اللي اتفقنا عليهم؟ وافقت الحرباية تدفع وتفك الزنقة ولا لسه عايشة دور الأمومة؟ اخلص واعرف منها معاها كام في البنك بالظبط عشان نلحق نكتب الشقة الجديدة باسمنا ومناخدش منها مليم واحد زيادة بعد كدة!”
المكان كله سكت.. حتى الهوا في الشقة وقف. محمود اتسمر في مكانه وشه بقى زي الأموات، عينه كانت في الأرض ومش قادر يرفعها في عيني.. وأنا حسيت كأن حد ضربني بسك..ينة في ظهري، الدموع نشفت في عيني وقلبي اتقلب حجر.
سحبت إيدي من تحت باطه بالراحة، ووقفت، وبصيتله من فوق لتحت ببرود يرعب، وقلتله… 👇
