بنت الخادمه
وقالت بحدة:
—ادخلي عند أمك.
البنت استخبت ورا آدم.
كانت حركة صغيرة.
لكن آدم لاحظها.
ياسمين رجعت ابتسمت كأن مفيش حاجة.
وقالت:
—يلا يا حبيبي… الناس مستنياك.
مسكت إيده.
وفي اللحظة دي…
البنت شدت طرف الجاكيت بتاعه.
بص لها.
لقيها بتشاور بسرعة.
“إنت مش بتطرش.”
اتجمد مكانه.
سألها بالإشارة:
—يعني إيه؟
بصت ناحية ياسمين.
وبعدين ناحية الكوباية اللي في إيدها.
وقالت:
“كل يوم… بتحط دوا في أكلك.”
حس إن نفسه وقف.
افتكر إن أول مرة صفارة الودن بدأت…
كانت بعد ما ياسمين أصرت تعمله شاي بالأعشاب كل ليلة.
سألها بسرعة:
—إنتِ شفتي؟
هزت راسها.
وقالت:
—كل يوم.
في المطبخ.
بتفتح علبة صغيرة.
وتحط منها شوية.
وبعدين تضحك.
قبل ما يرد…
سمع صوت ياسمين بتنادي عليه.
رفعت الكوباية ناحيته.
وقالت بابتسامة:
—حضرتلك مشروبك المفضل.
آدم خد الكوباية بإيده.
وبص للبنت.
البنت هزت راسها بقوة…
كأنها بتصرخ من غير صوت:
“لأ… متشربوش!”
لكن الصدمة الأكبر…
ما كانتش في كلام البنت.
كانت في الراجل اللي خرج من باب المطبخ في نفس اللحظة.
مدير أعمال آدم…
“كريم”.
كان ماسك نفس العلبة الصغيرة في إيده.
ولما شاف آدم واقف وهو شايل الكوباية…
اتجمد مكانه.
وقف “آدم المنشاوي” في منتصف حديقة فيلته كأنه تمثال من الجرانيت، يمسك بكأس العصير الزجاجي بإحكام حتى كادت صوابعه تتصلب عليه. كان الهواء الليلي البارد يلفح وجهه، لكن الحرارة التي سرت في جسده كانت حرارة الغضب والذهول.
عيناه تنقلتا ببطء وثبات مرعب بين وجه خطيبته “ياسمين” — التي استحالت ملامحها الرقيقة الناعمة إلى قناع شاحب كالموت — وبين “كريم”، صديق عمره ومدير أعماله الذي يأتمنه على كل صغيرة وكبيرة في إمبراطوريته المالية، والذي يقف الآن عند باب المطبخ الخفي، يده معلقة داخل جيب جاكيته والعلبة الزجاجية الصغيرة تلمع تحت أضواء كشافات الحديقة.
أما الطفلة الصماء “ملك”، فقد اختبأت بالكامل خلف ظهر آدم، تتشبث بطرف معطفه بذراعيها الصغيرتين وتلصق وجهها بظهره، وجسدها الصغير يرتجف خوفاً، بينما الأرنب القماش القديم يتدلى من يدها.
تدارك كريم الموقف في ثوانٍ، محاولاً رسم ابتسامة مرتبكة على شفتيه، وخطا خطوات نحو آدم وهو يقهقه بتصنع:
— “آدم! إيه يا عم أنت واقف في الضلمة كده ليه؟ الحفلة جوة مولعة، وأكابر رجال الأعمال والسياسيين بيسألوا عليك عشان نرفع أنخاب الخطوبة! وبعدين… أنت واقف ليه مع بنت الخدامة دي؟”
قربت ياسمين هي الأخرى بلهفة غير طبيعية، ومدت يدها المرتعشة بمحاولة سريعة لسحب الكأس من يد آدم وهي تقول بصوت متكسر يحاول إخفاء الهلع:
— “هات يا حبيبي العصير ده… شكله برد ومبقاش حلو، تعال نرجع جوة وأنا هخلي المطبخ يعملك كاس طازة حالاً!”
لكن آدم رفع يده بالكأس إلى الأعلى بعيداً عن متناول يدها، ورجع خطوة إلى الخلف. نظر إليها بعينين باردتين كالتلج، وقال بنبرة حادة وصوت هادئ لكنه يحمل تهديداً يزلزل الأرض:
— “لأ يا ياسمين… العصير مش بارد، بالعكس! ده المشروب المفضل اللي بقالك أربع شهور كاملة بتحضريهولي بنفسك كل ليلة بفرط حب واهتمام… عشان (أرتاح)! مش هي دي الكلمة اللي كنتِ دايماً بتقوليهالي وأنا بحس بصفارة أذني وسمعي بيموت بالتدريج؟”
تراجعت ياسمين خطوة، وابتلعت ريقها بصعوبة وقالت وهي تتصنع الذهول:
— “آدم… أنت بتقول إيه؟ أنت اكيد تعبان من الزحمة والصوت العالي! أنا مش فاهمة كلمة من اللي بتقولها دي!”
نزل آدم على ركبتيه ببطء في مواجهة الطفلة الصماء “ملك”، ونظر في عينيها البيضاء النقية. رفع يديه وبدأ يتحدث معها بلغة الإشارة الهادئة التي تعلمها في طفولته من جدته:
— “متخافيش يا ملك… أنتِ كنتِ شجاعة جداً وحمتيني الليلة، ودلوقتي جه دوري عشان أحميكي أنتِ وأمك وما يمسكمش أي أذى.”
ابتسمت ملك ابتسامة صغيرة دافئة، وهزت رأسها الصغير بإيجابية، مستمدة الأمان من هيئته ورزانته.
وقف آدم ببطء، واستدار ليكون في مواجهة ياسمين وكريم معاً. في هذه اللحظة، كان صوته القوي الصارم يتردد في أرجاء الحديقة:
— “العلبة الزجاجية المظلمة اللي في جيبك يا كريم… علبة المادة الكيميائية النادرة التي تؤثر على الأعصاب والسمع بالتدريج! المادة اللي اتفقت أنت وياسمين تحطوهالي قطرة بقطرة في الشاي والمشروبات، عشان لما أفقِد سمعي بالكامل بحجة المرض النفسي أو النادر، تقدموا أوراق الحجر على أملاكي وتستولوا على الشركة التي بنيتها بعرق جبيني ودمي طوال عشر سنوات!”
انفجر كريم بغضب وارتباك، وصرخ وهو يشير بإصبعه نحو الطفلة:
— “أنت اتجننت يا آدم؟! أنت بجد هتدمر علاقتنا وشركتنا وخطة حياتك عشان أوهام بنت صغيرة صماء ومبتفهمش حاجة في الدنيا؟! البنت دي أكيد بتخرف ولا أمها ملقناها كلام!”
في تلك اللحظة بالذات، خرجت أم ملك “سعاد” الخادمة من باب المطبخ وهي تبكي بانهيار، وجثت على ركبتيها أمام آدم وهي تنتحب:
— “والله العظيم يا آدم بيه أنا شفتهم بعيني أكتر من مرة في المطبخ! شفت الأستاذ كريم بيدي ياسمين هانم القطارة الصغار ويقولها (ركزي في الجرعة عشان الدكاترة ما يشكوش)! ولما هددت إني هقول لحضرتك، هددوني بطردي وتشريدي أنا وبنتي الحافية في الشارع وإلباسي قضية سرقة! بس بنتي ملك الذكية شافتهم وعرفت نيتهم!”
ساد صمت مرعب في المكان. ياسمين التفتت ونظرت لكريم بعيون مليئة بالغل والانهيار، وصرخت فيه بصوت هيستيري هز الأرجاء:
— “شفت؟! مش قلتلك البنت وأمها هيودونا في داهية؟! مش قلتلك نطردهم من الأسبوع اللي فات ونخلص منهم؟! أنت السبب في كل المصيبة دي!”