ذاكرتى حكايات منال عباس الاول
كان المطر ينهمر بغزارة فوق زجاج السيارة، بينما كانت “ليان” تضم معطفها حول جسدها المرتجف، وعيناها معلقتان بالطريق المظلم أمامها.
سليم كان يقود بصمت غريب… صمت لم تعتده منه أبدًا.
التفتت إليه بخفوت: — مالك يا سليم؟ من ساعة ما خرجنا من الحفلة وانت متغير.
قبض على المقود بقوة وهو يرد ببرود: — مفيش حاجة… بس تعبان شوية.
راقبته طويلًا… قلبها أخبرها أن هناك شيئًا خطأ.
لكنها لم تتخيل أبدًا أن حياتها كلها كانت على وشك الانهيار.
رن هاتفه فجأة.
ظهر اسم “رنا”.
ارتبكت ملامحه بسرعة قبل أن يغلق الهاتف فورًا.
ابتسمت ليان بخفة محاولة إخفاء غيرتها: — هى رنا لسه بتكلمك كتير؟
زفر بضيق: — دى زميلة شغل يا ليان… بلاش تحقيق.
شعرت بوخزة مؤلمة داخل قلبها، لكنها صمتت.
بعد دقائق قليلة… أضاءت شاشة هاتفه برسالة جديدة.
دون قصد، وقعت عيناها عليها.
“وحشتنى… امتى هتقولها الحقيقة؟”
تجمد الدم بعروقها.
نظرت لسليم بصدمة، لكنه لم ينتبه.
همست بصوت مرتجف: — الحقيقة إيه يا سليم؟
التفت لها فجأة، وعندما رأى الرسالة تغيّرت ملامحه بالكامل.
خطف الهاتف بسرعة: — متدخليش فى حاجات متخصكيش!
اتسعت عيناها بجرح: — أنا مراتك!
صرختها الأخيرة اختلطت بصوت فرامل حادة…
ثم…
اصطدام عنيف.
—
فتحت ليان عينيها بصعوبة شديدة.
رائحة المعقمات ملأت أنفها.
أجهزة كثيرة تحيط بها.
حاولت التحرك لكنها تألمت بقوة.
اقتربت منها ممرضة بسرعة: — الحمد لله إنك فوقتى.
همست ليان بتعب: — أنا… أنا فين؟
دخل الطبيب فى تلك اللحظة وهو يبتسم: — إنتى فى المستشفى… حصلك حادثة كبيرة.
نظرت حولها بتيه: — حادثة؟
ثم سكتت فجأة…
ملامحها شاحبة.
— أنا… أنا مين؟
تبادل الطبيب والممرضة النظرات بقلق.
بعد ساعات…
وقف سليم أمام باب الغرفة، وجهه شاحب وعيناه ممتلئتان بالتوتر.
دخل ببطء.
عندما رأته ليان… لم تشعر بأى شىء.
لا حب. لا دفء. لا حتى معرفة.
سألته بهدوء غريب: — حضرتك… تعرفنى؟
انكسر شيء ما داخل عينيه.
اقترب بسرعة: — ليان… أنا سليم… جوزك.
نظرت له طويلًا وكأنها تحاول تذكره، لكنها فشلت.
أخفض الطبيب صوته: — للأسف… واضح إن عندها فقدان ذاكرة مؤقت نتيجة الصدمة.
تراجع سليم للخلف وكأن الخبر ضربه بقوة.
أما ليان… فكانت تراقب ملامحه المرتبكة دون أن تفهم لماذا شعرت بالخوف منه رغم أنها لا تتذكره.
— حكايات منال عباس
مرت أسابيع.
عادا إلى المنزل.
كان سليم يعاملها بحنان مبالغ فيه، يحاول طوال الوقت أن يجعلها تتذكره.
يريها الصور… يحكى لها عن زواجهما… عن رحلاتهما… عن حبه لها.
لكن شيئًا بداخلها ظل يرفضه.
وفى إحدى الليالى…
استيقظت ليان عطشى.
خرجت من غرفتها بهدوء، لكنها توقفت عندما سمعت صوت سليم فى غرفة المكتب.
كان يتحدث بصوت منخفض: — لازم تفضلى بعيدة دلوقتى… هى فاكرة إنها فقدت كل حاجة.
تجمدت مكانها.
صوت امرأة جاء عبر الهاتف: — وأنا تعبت من الاستخبا يا سليم… امتى هتطلقها؟
شحب وجه ليان فجأة.
ذلك الصوت…
رنا.
وضعت يدها فوق رأسها بألم حاد.
وفجأة…
ومضات سريعة ضربت عقلها.
الرسالة. الحادث. الخيانة.
ثم…
كل شيء عاد.
ذاكرتها بالكامل.
شهقت بقوة وكادت تسقط، لكنها تماسكت فى آخر لحظة.
أما سليم… فلم يكن يعلم أن زوجته التى ظنها فاقدة للذاكرة…
تذكرت كل شيء.
وقفت ليان خلف الباب، أنفاسها تتسارع بعنف بينما يدها ترتجف فوق رأسها.
كل الذكريات عادت دفعة واحدة…
ضحكاته معها. وعوده الكاذبة. خيانته.
شعرت وكأن قلبها يُسحق ببطء.
لكن الصدمة الأكبر… أن سليم لم يكن حزينًا لفقدان ذاكرتها كما ادّعى، بل كان سعيدًا لأنها نسيت الحقيقة.
أغمضت عينيها بقوة تحاول منع دموعها.
لا… لن يراها ضعيفة.
فى الداخل أنهى سليم مكالمته وهو يقول بحدة: — قولتلك اصبرى شوية يا رنا… كل حاجة تحت السيطرة.
ابتسمت ليان بمرارة.
“تحت السيطرة؟”
عادت إلى غرفتها بسرعة قبل أن يخرج.
قفزت إلى الفراش وأغلقت عينيها متظاهرة بالنوم.
بعد ثوانٍ دخل سليم.
اقترب منها بهدوء، وجلس بجوارها.
شعرت بأصابعه تزيح خصلات شعرها عن وجهها بحنان مزيف.
همس بصوت منخفض: — ياريتك تفضلى كده… ناسية كل حاجة.
كادت تبكى من شدة القهر.
لكنه أكمل: — لو افتكرتى… كل حاجة هتبوظ.
انقبض قلبها بعنف.
ظل يراقبها قليلًا ثم غادر الغرفة.
وفور خروجه فتحت عينيها ببطء، نظراتها تحولت لبرود مخيف.
أمسكت هاتفها بسرعة.
كانت كلمة السر نفسها القديمة.
فتحت الرسائل…
وما رأته جعل الدم يتجمد بعروقها.
مئات الرسائل بينه وبين رنا.
صور. وعود. مواعيد سرية.
لكن هناك رسالة أخيرة جعلتها تشهق بصدمة:
“متقلقش… الحادثة خلتها تنسى زى ما كنا عايزين.”
وضعت يدها فوق فمها.
“زى ما كنا عايزين؟!”
هل كان الحادث مدبرًا؟
شعرت بدوار شديد.
بدأت تفتح باقى الرسائل بسرعة، حتى توقفت عند تسجيل صوتى.
ضغطت عليه بأصابع مرتجفة.
صوت رنا خرج واضحًا: — أنا خايفة مراتك تشك فينا.
ثم صوت سليم البارد: — قريب هخلص من كل ده… وهتبقى ليا لوحدى.
تسارعت أنفاس ليان بعنف.
لم تعرف أيهما يؤلم أكثر… الخيانة؟ أم أنه خطط للتخلص منها؟
فجأة سمعت خطواته تقترب من الغرفة.
أغلقت الهاتف بسرعة وعادت للنوم.
دخل سليم مرة أخرى.حكايات منال عباس
اقترب منها مترددًا، ثم حمل هاتفها من فوق الكومود.
تجمد جسدها تحت الغطاء.
ظل يتفحص الهاتف لثوانٍ طويلة قبل أن يهمس: — الحمد لله… لسه زى ما هى.
ثم خرج.
فتحت عينيها ببطء بعد دقائق، وعقلها يدور بخوف.
سليم أصبح أخطر مما تخيلت.
وفى الصباح…
كانت تجلس على السفرة بصمت بينما سليم يحتسى قهوته.
رفع عينيه إليها مبتسمًا: — عاملة إيه النهارده؟
نظرت له بهدوء قاتل: — أحسن.
ابتسم براحة: — فاكرة أى حاجة جديدة؟
رفعت عينيها نحوه مباشرة.
للحظة شعر سليم بشيء غريب داخل نظراتها.
لكنها سرعان ما هزت رأسها ببراءة: — لا… لسه.
تنفس براحة واضحة.
فى تلك اللحظة دخلت الخادمة وهى تقول: — مدام رنا وصلت يا فندم.
تجمدت يد ليان فوق الكوب.
بينما ارتبك سليم فجأة: — مين سمحلها تيجى هنا؟
لكن الوقت كان قد فات…
لأن رنا دخلت بالفعل.
أنثى جميلة ترتدى فستانًا أحمر ضيقًا، وعلى شفتيها ابتسامة واثقة.
تقدمت نحو ليان وهى تنظر لها بشفقة مستفزة: — عاملة إيه دلوقتى يا حبيبتى؟
أما ليان…
فكانت تنظر للمرأة التى سرقت زوجها… وتحاول بكل قوتها ألا تفضح أنها تذكرت كل شيء.

