بقالهم اربع سنين الثانى
انفجرت صرخات الرعب في الشارع، والناس بدأت تتراجع لورا وهي بتزق بعضها. المصور بتاع القناة لقط كادر سريع لجوه الصندوق، وقبل ما الكاميرا تتهز من إيده، شفت اللقطة أنا كمان…
جوه الصندوق الحديدي، ما كانش في ج*ثة ولا مخ*درات زي ما الكل اتوقع.
كان في طبنجتين عسكريتين من براند “بيريتا” – ودول نفس النوع اللي بيتصرف للضباط والرقباء في وحدتي برا البلد – وجنبهم تلات أكياس بلاستيك شفافة مليانة رزم دولارات، وفي النص كان في باسبور منتهي الصلاحية باسمي، وعليه أختام خروج ودخول لبلاد تانية أنا عمري ما عتبتها!
الظابط ووكر بص لي وعينه مليانة شكوك حقيقية المرة دي. الحكاية ما بقتش مجرد خلاف عائلي أو أم بتتبلى على بنتها. الأسلحة دي أسلحة ميري، والفلوس دي مش فلوس عادية.
“سيادة الرقيب…” ووكر قالها بصوت واطي ومشدود وهو بيشاور للعساكر يطوقوا المكان. “الأوراق اللي معاكي بتقول إنك كنتِ في الخدمة، بس الصندوق ده بيقول إنك كنتِ بتهربي س*لاح وعملة لحسابك… أو لحساب شبكة كاملة.”
“ده مش بتاعي!” صرخت في وسط الشارع، وصوتي شرخ من القهر. “أنا لسه نازلة من المطار حالا بشنطتي! أنا بقالي أربع سنين في صحرا وعمليات تأمين، الصندوق ده جيه هنا إزاي؟ والأسلحة دي لو ميري، يبقى اتسرقت من مخازن الجيش هنا في البلد، مش برا!”
في اللحظة دي، الستارة بتاعة الصالة في الدور الأرضي اتهزت.
لمحت أبويا واقف ورا الأزاز، باصص عليا وعلى الصندوق، وعلى وشه ابتسامة انتصار مريضة. كان باصص لي كأنه بيقول لي: *جرّبي بقى تطلعي من المصيبة دي.*
عم هولواي قرب من الظابط ووكر بسرعة وقال وهو بيمسح عرقه: “يا فندم اسمعني، الست دي – أمها – طلبت مني الأسبوع اللي فات أساعدها تنقل صندوق حديد تقيل من عربية نص نقل كانت واقفة ورا البيت، وقالت لي إن دي كراكيب قديمة بتاعة جوزها. أنا اللي شيلت الصندوق ده بإيدي! هما اللي دفنوه!”
الظابط ووكر زعق في اللاسلكي: “اطلبوا دعم فوراً، وقوة لتفتيش البيت بالكامل.” وبعدين بص لي وقال: “يا سارة، أنا مضطر أحرز الصندوق ده، وأتحفظ عليكي وعلى عم هولواي لحد ما الشرطة العسكرية والنيابة يحققوا في الموضوع. الأسلحة دي عليها أرقام مسلسلة، وهنعرف حالا خرجت من أنهي عهدة.”
الظابط قرب مني عشان يحط الكلبشات في إيدي، والناس بدأت تتوشوش تاني، وأبلة دونيلي كانت بتبكي وتقول: “يا خسارة تربيتك يا سارة.. لسه زي ما إنتي.”
وقبل ما الكلبش يلمس معصمي، تليفون الظابط ووكر رن.
بص على الشاشة، وشه اتقلب تماماً، ووقف انتباه تلقائياً كأنه بيكلم رتبة كبيرة جداً.
“تمام يا فندم… فندم؟ بس إحنا لقينا الصندوق فعلاً… حاضر يا فندم، حالا.”
ووكر نزل التليفون وهو بيبص لي بنظرة أنا نفسي ما فهمتهاش. ملامحه كانت مزيج من الصدمة والخوف. التفت للعساكر بتوعه وزعق فيهم: “سيبوا الصندوق! وسيبوا البنت! كله يرجع ورا فوراً!”
وفجأة، في آخر الشارع، ظهرت تلات عربيات جيب سودا ضخمة، معتمة بالكامل، وبتتحرك بسرعة جنونية ناحية البيت. العربيات فرملت وعملت صوت صريخ على الأسفلت، ووقفت قفلت الشارع من أوله لآخره.
أبواب العربيات اتفتحت في نفس اللحظة، ونزل منها رجال مسلحة بلبس أسود غريب، مش لبس الشرطة ولا لبس الجيش العادي اللي أنا عارفاها. وف وسطهم نزل راجل لابس بدلة فورمال، ملامحه حادة زي السكينة، وقرب مننا وهو باصص في تليفونه.
الراجل وبص لي وقال بصوت هادي يرعب: “الرقيب أول سارة ميتشل؟”
هزيت راسي وأنا مش فاهمة في إيه.
الراجل لف وشه وبص للبيت المقفول، وبعدين شاور لرجالته وقال ببرود: “اكسروا الباب ده، واقبضوا على اللي جوه.. بتهمة التجسس وسرقة أحراز عسكرية تخص الأمن القومي.”
وفي ثانية، وقبل ما حد يستوعب، اترمى قنبلة صوت في جنينة البيت، وباب بيتنا اتخلع من مكانه بصوت انفجار شديد، ورجالة البدلات السودا دخلوا جوه البيت، وصريخ أمي ملى المكان…
صريخ أمي كان طالع من جوه البيت مع صوت تكسير عنيف. الجيران بدأوا يجروا في كل حته برعب، والمصور بتاع القناة لَف كامتيرة ورا الصدمة الجديدة، والظابط ووكر ورجالته وقفوا في مكانهم عاجزين، مش قادرين يتدخلوا قدام القوة اللي مالينا الشارع.
الراجل اللي لابس بدلة قرب مني، وبص للصندوق الحديدي المفتوح على الأرض، وبعدين بص لي وقال بنبرة هادية بس توزن بلد: “أنا السيادة العميّد عادل، من جهاز الأمن القومي. حمد الله على السلامة يا سارة. مصر فخورة بيكي وباللي عملتيه برا البلد.”
أنا كنت واقفة ومثبتة عيني عليه، مشاعري كانت متلخبطة بين الصدمة والذهول: “أنا مش فاهمة حاجة يا فندم.. الصندوق ده فيه إيه؟ وأبويا وأمي علاقتهم إيه بكل ده؟”
العميد عادل شاور لواحد من رجالتة يشيل الصندوق، وقال لي وهو بيمشي معايا خطوتين بعيد عن الشوشرة: “الأسلحة والفلوس اللي في الصندوق ده، دي أحراز كانت متهربة من مخزن عسكري من ست شهور. إحنا كنا مراقبين الشبكة اللي هربتها، وبقالنا فترة بندور على المكان اللي مخبيين فيه الحاجة.”
بلعت ريقي وبصيت لبيتنا اللي كان بيتقلب راساً على عقب: “يعني.. أبويا وأمي؟”
“أبوكي ما كانش مجرد راجل غضبان عليكي عشان دخلتي الجيش يا سارة،” العميد عادل رد بأسف وهو بيبص للبيت، “أبوكي وجوز أمك القديم كانوا شغالين مع شبكة دولية بتهرب س*لاح وعملة. هما استغلوا وجودك برا البلد لأربع سنين، وقطعوا أخبارك عن الجيران، وفهموا الناس إنك في السجن عشان يمهدوا للي هيعملوه.. كانوا مرتبين أول ما ترجعي بالسلامة، يبلغوا عنك ويقولوا إنك مسجونة هاربة، ويدلوا الشرطة على الصندوق ده، فالتهمة تلبسك إنتي بالكامل بحكم وظيفتك العسكرية، وهما يخرجوا منها زي الشعرة من العجين ومعاهم ملايين.”
حسيت كأن جبل اتهد فوق دماغي. أربع سنين وأنا ب واجه الموت في الخدمة، وبحلم باللحظة اللي هرجع فيها لحضنهم، وهما كانوا بيرتبوا يدمروا مستقبلي وحياتي ويحبسوني عشان الفلوس!
فجأة، الباب الأمامي للبيت اتفتح، ورجالة الأمن القومي خرجوا ومكتفين أبويا وأمي بالكلبشات.
أمي كانت بتصرخ وهي بتجر رجليها، وشها اللي كان كله غل من شوية، دلوقتي بقى مليان رعب ودموع مزيفة: “سارة! الحقيني يا بنتي! أنا أمك! هما فاهمين غلط.. أبوكي هو اللي عمل كل حاجة!”
أبويا كان وشه في الأرض، عينه ما جتش في عيني ولا لحظة، كان منتهي تماماً، والغرور والابتسامة المريضة اللي كانت على وشه من شوية اختفت وبقى مكانها الخزي.
الشارع كله كان واقف مذهول. أبلة دونيلي حطت إيدها على قلبها وهي بتبكي، بس المرة دي من الندم إنها شكت فيا. والشيخ جلين قرب مني وعينه مليانة أسف: “سامحينا يا بنتي.. ظلمناكي.”
العميد عادل بص لي وقال: “أوراقك وجواز سفرك المزور اللي في الصندوق، دول هيفضلوا معانا كأدلة جنائية ضد الشبكة. إنتي بريئة تماماً يا سارة، وبلاغهم اتقلب عليهم.. بس في حاجة أخيرة لازم تشوفيها بنفسك جوه البيت قبل ما نقفله بالشمع الأحمر.”
بصيت لعم هولواي اللي كان واقف بعيد ودموعه في عينه، فهز لي راسه كأنه بيشجعني أدخل وأواجه الماضي لأخر مرة.
خطيت أول خطوة على المشاية المتكسرة، ودخلت من الباب اللي اخلع.. عشان أكتشف السر الأخير اللي أبويا وأمي كانوا مخبينه في الأوضة المقفولة فوق!
طلعت السلم الخشب اللي كان بيزيق تحت رجلي مع كل خطوة. البيت من جوه كان غريب، ريحته مليانة تراب ورطوبة، وكأنه مهجور من سنين مش عايش فيه بني آدمين.
وصلت للدور الفوقاني، والأوضة المقفولة كانت في آخر الممر. الباب بتاعها كان عليه جنزير حديد وقفل كبير، بس رجالة الأمن القومي كانوا كسروا القفل ودخلوا يفتشوا.
وقفت على عتبة الأوضة، ونظرة واحدة جوه خلت الركب عندي تخانقني.
الأوضة ما كانش فيها عفش.. كانت متقسّمة نصين؛ النص الأولاني كان عبارة عن مكتب صغير عليه أجهزة لاسلكي متطورة، شاشات كمبيوتر بتعرض تحركات غريبة، وخرائط للمنطقة العسكرية اللي أنا كنت بخدم فيها برا البلد! أبويا ما كانش بس بيهرب س*لاح، ده كان بيستغل وجودي ومعرفتي بأماكن الخدمة عشان يبيع معلومات للشبكة الدولية.
أما النص التاني من الأوضة… فده اللي وجع قلبي بجد.
كان في صندوق كرتون كبير مفتوح على الأرض ومقلوب. لما قربت وبصيت جواه، لقيت عشرات الجوابات. جواباتي أنا! الجوابات اللي كنت بكتبها بدموعي وفرحتي من وسط الصحرا، الجوابات اللي عم هولواي كان بيجيبها بنفسه.
ما كانوش بيرموها… كانوا بيفتحوها، ويقرأوها، ويعلّموا بالقلم الفسفوري على أسماء زمايلي، ومواعيد الإجازات، وأماكن المأموريات اللي كنت بحكي عنها بحسن نية لأهلي! كنت فاكرة إنهم رافضين يستلموها من قسوتهم، لكن الحقيقة إنهم كانوا بيستغلوها كمعلومات استخباراتية يبيعوها بالدولار.
العميد عادل دخل الأوضة ووقف جنبي، وطبطب على كتفي بهدوء: “الشبكة دي كانت بتخطط لعملية كبيرة مستغلة رجوعك وإجازتك يا سارة. الجوابات دي هي اللي كشفتهم لينا لما اعترضنا مكالماتهم. أبوكي وأمك باعوا كل حاجة… وباعوكي إنتي كمان.”
نزلت على ركبي ولميت الجوابات دي في حضني. الدموع اللي حبستها طول اليوم نزلت أخيراً، بس ما كانتش دموع ضعف.. كانت دموع غسلت من جوايا أي إنماء للناس دي.
لما نزلت الشارع تاني، كانت عربيات الترحيلات بدأت تتحرك بأبويا وأمي. الشارع كله كان واقف في صمت تام. الجيران اللي كانوا بيبصوا لي بشك، دلوقتي كانوا بيطأطأوا رؤوسهم من الخجل والكسوف.
الشيخ جلين وأبلة دونيلي قربوا مني، وأبلة دونيلي مسكت إيدي وهي بتعيط: “سامحينا يا سارة.. إحنا اتخدعنا فيهم.”
بصيت لهم وبصيت للبيت اللي حلمت بيه لأربع سنين.. البيت اللي مابقاش بيتي.
“المهم إن الحقيقة ظهرت،” قلتها وصوتي مابقاش فيه أي رعشة. “الحق ما بيدفنش في التراب.”
اديت التحية العسكرية للعميد عادل وللظابط ووكر، ولفيت ضهري للبيت وللماضي كله. ركبت العربية مع عم هولواي، الراجل الوحيد اللي صان الأمانة. وهو بيشغل العربية وبيتحرك بيا بعيد عن الشارع ده لأخر مرة، بصيت من الشباك وشفت نسر القوات المسلحة على شارتي العسكرية بيلمع تحت نور الشمس.
خسرت أهلي… بس كسبت شرفي، وكسبت نفسي، ورفعت راسي قدام الدنيا كلها.