يوم الولاده الثانى
يوم الولاده
الثانى
وقف ماجد مذهولاً أمام الورقة التي كشفت له الحقيقة المرة، كيف تجرأت على فعل ذلك؟ كيف تحملت عبء الحمل والوحدة والطلاق بصمت مطبق، بينما كان هو يغرق في كبريائه الزائف ويطلق أحكامه القاسية؟ لم يكد يستوعب الصدمة حتى دخل مساعده الطبي ليقطعه عن أفكاره ويخبره بحدوث مضاعفات في حالة ولاء، ضغطت جرس الطوارئ بقوة في الغرفة، انطلق ماجد كالمجنون تاركاً خلفه كل أوراقه، اندفع نحو غرفتها ليجد الأطباء يحاولون السيطرة على نزيف حاد جديد، صرخ في الجميع ليفسحوا له المجال، لم يكن هناك وقت للتردد، أمسك الأدوات وبدأ التدخل الجراحي السريع وسط ذهول الجميع من حدة انفعاله، كان يرى الموت يحيط بولاء مرة أخرى، تذكر التقرير الذي قرأه للتو وشعر ببركان من الغضب يغلي بداخله، ليس غضباً منها بل من نفسه، كان يوبخ ذاته في كل حركة يقوم بها، يطلب منها أن تصمد، يعدها بأن هذا العذاب سينتهي، أن النزيف سيتوقف، أن الحياة ستعود لمجراها الذي أفسده بيده، كانت الدقائق تمر ثقيلة كأنها دهور، قلبه يضطرب مع كل نبضة يظهرها الجهاز، الممرضات حوله يراقبن الرجل الذي يعرفنه كدكتور صارم وقاسٍ يتحول الآن إلى إنسان منكسر يحارب الموت ليفتدي أغلى ما كان يملك، أخيراً بدأ النزيف يتباطأ، وبدأت المؤشرات تستقر ببطء، تنفس ماجد بعمق لدرجة أن صدره كاد ينفجر، مسح جبينه بيده الملطخة بالدماء، ونظر إلى وجهها الشاحب الذي بدأ يستعيد شيئاً من لونه، جلس على الكرسي بجانبها، كان الجو في الغرفة خانقاً، والهدوء الذي ساد بعد العاصفة لم يزده إلا رهبة، قرر أن يظل بجانبها حتى تفتح عينيها، لم يعد يهمه الوقت ولا المواعيد ولا نظرة المجتمع، كان يريد فقط أن يعتذر، أن يطلب المغفرة، أن يفسر لها لماذا لم يسأل ولماذا لم يبحث، بينما كان يغوص في هذه الأفكار، تحركت يد ولاء ببطء، لم تكن قوة كافية، لكنها كانت كافية ليسمع ماجد صوت أنفاسها وهي تستعيد وعيها، فتحت عينيها، نظرت حولها بتشتت، ثم وقع بصرها عليه، حاولت أن تبعد يده الممسكة بيدها، لكنه قبض عليها بقوة أكبر، قال بصوت مخنوق لا تتركيني يا ولاء، أنا عرفت الحقيقة، عرفت كل شيء، لم تكن مجرد زوجة، كنتِ بطلة في قصتي التي كتبتها بظلمي، نظرت إليه بعيون دامعة وعاتبة، لم تنطق، لكن نظرتها كانت كافية لتجعله يشعر بأن كل كلمات العالم لن تشفي جرحاً غائراً في قلبها، كان يعلم أن الطريق أمامهما طويل وشاق، وأن ندبات الماضي لن تلتئم في ليلة واحدة، لكنه كان مستعداً لبذل حياته كلها مقابل نظرة رضا واحدة منها، ساد الصمت مرة أخرى، ولاء أغمضت عينيها من جديد بسبب التعب، لكن يدها ظلت في يده، وكأنها تعلن له أنها، على الرغم من كل شيء، ما زالت هنا، وما زالت تعيش، وما زالت تنتظر منه أن يثبت لها أنه تغير فعلاً، في تلك اللحظة أدرك ماجد أن الرحلة نحو استعادة قلبها قد بدأت للتو، وأن عليه أن يواجه ليس فقط ماضيه، بل كل الأخطاء التي جعلت هذه اللحظة ممكنة.
ظل ماجد جالساً بجوار فراشها لا يبرح مكانه وكأن حراستها باتت مهمته الوحيدة في الحياة، كان يراقب كل تغير في ملامحها وكل رعشة في أهدابها، عقله لا يتوقف عن استرجاع تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم الذي نطق فيه بكلمة الطلاق، كان يجلد ذاته بذكرى وجهها الذي ذبل في لحظة انكسارها، وبينما كان الغروب يلقي بظلاله الهادئة على الغرفة، بدأت ولاء تسترد وعيها بشكل كامل، أخذت نفساً عميقاً وأخرجت زفيراً جعل صدرها يرتفع ويهبط بانتظام، فتحت عينيها وأخذت تنظر في أرجاء الغرفة بتيه، حتى استقرت عيناها على ماجد الذي كان يراقبها بلهفة المحب المذنب، لم تكن هناك كلمات قادرة على اختصار تلك المسافة الشاسعة بينهما، حاولت أن تشيح بوجهها عنه لكنه منعها برفق شديد، اقترب منها وهمس بصوت متهدج يملؤه الندم الذي كسر كبرياءه، لم يكن يعلم أن جرحها أعمق من مجرد طلاق، ولم يكن يدرك أن صمتها كان صرخة استغاثة لم يسمعها في زحام غروره، ولاء نظرت إليه بعينين لا تزالان تحملان بقايا خوف، وبصوت ضعيف أشبه بالهمس سألته عن الطفل، ماجد أسرع ليطمئنها بأن الصغير في أمان تام تحت رعاية أفضل الأطباء، وأنه يشبهها في كل ملامحها، رأى في عينيها لمعة أمل ممزوجة بوجع، هي لم تكن تنتظر مبررات، كانت تنتظر اعترافاً يداوي كرامتها المهدورة، ماجد لم يتردد، انحنى أمامها وكأنه يطلب صك الغفران، أخبرها أن حياتهما معاً كانت مسرحية عبثية أدارها بظنونه الخائبة، واعترف لها بأنه لم يحب أحداً كما أحبها، وأن رحيلها أطفأ في قلبه كل معاني الفرح، ولاء صمتت طويلاً، كان الصمت في الغرفة يحكي قصصاً لم تُروَ، ثم رفعت يدها المرتجفة ووضعتها على يده، في تلك اللحظة شعر ماجد بأن الجليد الذي غلف علاقتهما لشهور بدأ يذوب، لكن فجأة انفتح باب الغرفة ودخل عمُّه، والد ولاء، بوجه يكسوه القلق والغضب المكتوم، توقف عند الباب ينظر إليهما بذهول، لم يكن يعلم كيف يواجه الرجل الذي طرد ابنته في لحظة ضعفها، ماجد وقف بسرعة، كان يعلم أن العاصفة القادمة هي مواجهة الحقيقة أمام عائلته، نظر إلى ولاء التي أغمضت عينيها خوفاً من حدوث صدام، كان يعلم أن هذا اللقاء لن يمر بسلام، وأن عليه أن يختار بين التمسك بكبريائه وبين التضحية بكل شيء من أجل استرداد كرامة زوجته وابنه، اتخذ خطوة نحو عمّه، كان يعلم أن كل كلمة سيقولها ستكون بداية لرحلة طويلة من الاعتذار، استعد للمواجهة التي ستحسم مصيرهما، بينما ظلت ولاء في مكانها، تترقب ما سيقوله ماجد في أول اختبار حقيقي لرجولته وتوبته أمام من تسبب هو في ألمهم لشهور طويلة.
وقف ماجد في مواجهة عمه الذي كان يرتجف من شدة الغضب والحزن في آن واحد، نظرات الرجل المسن كانت كالسياط تنهال على وجه ماجد، الذي لم يجد مفراً من الانحناء تحت ثقل خطيئته، تقدم عمه بخطوات ثقيلة نحو الفراش ليرى ابنته المنهكة، ثم التفت إلى ماجد بصوت مشحون بمرارة السنين وقال له إن الغفران لا يُشترى بكلمات، وأن ما فعله في حق ولاء لا يمحوه اعتذار ولا توبة عابرة، ماجد لم يدافع عن نفسه، بل خفض رأسه وأقر بكل ذنوبه، معترفاً أمام الجميع وأمام الله بأنه كان أعمى ببصيرته وقاسياً بقلبه، ولاء كانت تتابع هذا المشهد بقلب يمزقه الحنين والانكسار، شعرت بضعف شديد يسري في أوصالها، فتدخلت الممرضة لتطلب منهم الهدوء التام لأن حالتها لا تحتمل هذا الضغط النفسي الحاد، خرج عمه من الغرفة ليترك ماجد في مواجهة جديدة مع نفسه ومع ولاء، اقترب منها ببطء، لم تكن هناك مسافة كافية لكي يبتعد، كان يشعر بأن أنفاسها المتقطعة هي المسؤولة عن حياته كلها، أخبرها بأنه لم يعد يطلب منها العودة لزوجته، بل يطلب منها أن تسمح له بأن يكون خادماً لأجلها ولأجل طفلهما حتى تستعيد عافيتها، ولاء نظرت إلى السقف بدموع صامتة، فكرت في كل تلك الليالي التي نامت فيها وهي تحتضن وسادتها بدموعها، وفي لحظة الولادة التي كانت فيها وحيدة تخشى الموت، سألت ماجد بصوت مبحوح عن سبب بقائه رغم معرفته بكل شيء، وعن السبب الذي جعله يتغير في تلك اللحظات، ماجد لم يجد إجابة سوى صدق شعوره بالخسارة، اعترف لها بأن الموت الذي رآه في عينيها كان هو المرآة التي أظهرت له قبح أفعاله، في تلك الأثناء، ومن خلال نافذة الرعاية المركزة، لمح ماجد حركة غير طبيعية في الممر الخارجي، كان هناك طاقم طبي يهرع نحو حضانة الأطفال، شعر بنبضات قلبه تتسارع، أحس بخطر يهدد صغيره الذي لم يره إلا للحظات، ترك ولاء وخرج مسرعاً نحو الحضانة، كان يرى الفوضى تعم المكان، صرخ في الجميع ليسأل عما حدث، أشار أحدهم بيده نحو الصغير الذي تدهورت حالته التنفسية بشكل مفاجئ، في تلك اللحظة شعر ماجد بأن العالم كله يضيق عليه، الصغير الذي يمثل رابط الحياة الوحيد بينه وبين ولاء يصارع الموت، وماجد يقف أمام خيار مستحيل، هل يعود لولاء ليخبرها بالحقيقة أم يظل هنا ليحاول إنقاذ ابنه الذي قد يرحل في أي ثانية، كانت لحظات من الرعب المطلق، شعر فيها بأن لعنة الماضي تطارده في كل زاوية، وأن القادم أصعب بكثير مما كان يتخيل، استجمع قواه مرة أخرى، لبس القفازات للمرة العاشرة في ذلك اليوم، ودخل غرفة الحضانة ليخوض معركته الكبرى، بينما كانت ولاء في غرفتها تشعر ببرودة غريبة تسري في قلبها، وكأنها تدرك أن شيئاً ما قد حدث لصغيرها، حاولت التحرك بضعف، تمنت لو كانت قادرة على النهوض، كان الصمت في الممر يقطعه صوت الأجهزة، وماجد وسط هذه المعركة كان يناجي ربه ألا يحرمه من هذه الفرصة، ألا يجعل هذا الطفل هو ضريبة قسوته، كان يرى في ملامح الصغير المزرقة انعكاساً لذنبه، وكان يدرك أن حياتهما معاً معلقة بخيط رفيع جداً سيتحدد مصيره في اللحظات القادمة.
بينما كان ماجد يصارع لإنقاذ حياة صغيره داخل الحضانة وسط صرخات أجهزة الإنذار التي تملأ الأرجاء، كانت ولاء في غرفتها تتخبط في دوامة من الهواجس، شعرت ببرودة لا تحتمل تغزو أطرافها وكأن روحاً منها قد انتزعت، حاولت النهوض رغم الإعياء الشديد، جسدها يرتجف كأنها في عاصفة ثلجية، كانت تتشبث بحافة السرير بكل قوتها، تهمس باسم طفلها وتستغيث بالله ألا يذيقها طعم الفقد مرة أخرى، في تلك الأثناء كان ماجد قد نسي تماماً كونه طبيباً جراحاً يتبع البروتوكولات، لقد تحول إلى أبٍ مكلوم يحاول بكل ذرة من طاقته إخراج ابنه من براثن الموت، كانت يداه الماهرتان تتحركان بسرعة فائقة لتعديل أنبوب الأكسجين وتأمين تنفس الطفل، بينما كان عرق جبينه يتساقط كالمطر على وجهه الذي غاب عنه كل ملامح السكي..نة، الممرضات من حوله كن يراقبن بذهول كيف يتحول هذا الرجل إلى وحش كاسر يصارع القدر، وفجأة، وبينما كان ماجد يهمس في أذن الصغير بكلمات الحب والاعتذار الممزوجة بالدموع، توقفت نبضات الجهاز عن الصراخ لتتحول إلى نغمة متصلة خافتة، ساد صمت مرعب في الحضانة جعل أنفاس ماجد تتوقف في صدره، نظر إلى شاشة الجهاز التي أظهرت استقراراً طفيفاً، تنهد بعمق لم يعرف له مثيلاً، لم يصدق أن طفله قد استجاب لندائه وعاد إلى الحياة مرة أخرى، مسح دموعه بسرعة، ثم ألقى نظرة أخيرة على صغيره الذي بدأ صدره يتحرك بهدوء، وخرج من الغرفة مسرعاً، كانت قدماه تكادان لا تحملانه من شدة الإرهاق، اتجه مباشرة نحو غرفة ولاء، كان يعلم أنها استيقظت وشعرت بما حدث، وما إن فتح الباب حتى وجدها جالسة على طرف السرير، وجهها مليء بالترقب والخوف، نظرت إليه بعينين تائهتين تنتظران خبراً لا تجرؤ على السؤال عنه، ماجد اقترب منها ببطء، جلس عند قدميها، أمسك يديها الباردتين ووضعهما على وجهه الذي كان لا يزال يحمل آثار المعركة، همس لها بصوت مرتعش يقطر بالراحة: لقد عاد يا ولاء، عاد إلينا، ابنا الذي أردتُ قتله بجهلي تمسك بالحياة ليمنحنا فرصة لا نستحقها، ولاء لم تتمالك نفسها، انفجرت في بكاء مرير، بكاء غسل كل جراح السبع أشهر الماضية، لم تعد قادرة على الحديث، لكنها ضمت يديه بكل ما أوتيت من قوة، كان هذا التصرف بمثابة إعلان عن بداية صفحة جديدة، صفحة لم تُكتب كلماتها بعد، لكنها بالتأكيد لن تكون مثل سابقاتها، في تلك اللحظة خيم الهدوء على المكان، هدوء لم يكن غياباً للصوت، بل كان شعوراً بأن العاصفة قد هدأت أخيراً، وأن ماجد وولاء قد اجتازا الاختبار الأكثر قسوة في حياتهما، جلسا معاً في ذلك الصمت الطويل، يراقبان أضواء المستشفى الخافتة، وكأن العالم من حولهما توقف ليفسح المجال لهما لترميم ما انكسر، كان ماجد يدرك أن طريقهما لا يزال مليئاً بالأشواك، وأن عائلتها لن تغفر له بسهولة، لكنه كان يعلم أيضاً أن وجود هذا الطفل بينهما هو الرابط الذي لا يمكن قطعه، وهو الأمل الذي سيعيش من أجله، وفي أعماقه كان يقرر أنه من الآن فصاعداً سيعيش ليعوضهما عن كل لحظة ألم تسبب فيها، ولن يسمح لأي قوة في الأرض أن تبعده عنهما مجدداً، مهما كلفه الأمر ومهما كانت التضحيات القادمة في طريقهما المجهول… يتبع