وحمة تكشف الحقيقه ندى الجمل الثالث والاخير

حسيت إن رجلي اتثبتت في الأرض.
الراجل اللي وقفت حياتي كلها بسببه… كان واقف قدامي بكل هدوء، وكأنه داخل يسلم على أصحاب قدام.
كريم وقف قدامي يحميني وقال بغضب:
“متقربش منها.”
ابتسم سليم الجبالي وقال:
“لسه بتدافع عنها؟ بعد كل اللي حصل بينكم؟”
رد كريم من غير تردد:
“أنا ضيعت ثقتها مرة… ومش هسمح لحد يأذيها تاني.”
بصيت لكريم للحظة.
أول مرة أحس إن كلامه طالع من قلبه.
لكن سليم ضحك وقال:
“أنا مش جاي أقتلها.”
استغربت.
“أمال جاي ليه؟”
تنهد وقعد على كرسي قديم في المخزن، وقال:
“عشان أحكيلك الحقيقة اللي أبوك بالتبني، والدكتور عزت، وحتى سلوى… خبوها عنك.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قال:
“فيه حاجة لازم تعرفيها يا ندى…”
“أنا… ما قتلتش عيلة النجار.”
شهقت أنا وكريم في نفس الوقت.
كمل كلامه بهدوء:
“أنا وصلت البيت بعد ما كل حاجة خلصت.”
“ولقيت القتلة سبقوني.”
صرخت فيه:
“بتكدب!”
فتح شنطة جلد كانت معاه، وطلع منها ملف قديم.
رماه قدامي.
“اقري.”
فتحت الملف.
كان فيه محضر تحقيق قديم… وصور من مسرح الجر..يمة.
وفي آخر ورقة…
اسم الشخص اللي أمر بحفظ القض..ية.
أول ما كريم شاف الاسم، وشه اصفر.
همس:
“مستحيل…”
بصيت على الورقة.
الاسم كان:
اللواء فؤاد النجار.
استغربت.
“مين ده؟”
رد سليم:
“عم أبوكي.”
اتجمدت.
“إيه؟!”
هز راسه.
“أيوه… عمك.”
“وهو أول واحد وصل لمكان الجر..يمة.”
“وهو اللي منع التحقيق.”
“وهو اللي أخفى الأدلة.”
“وهو اللي أعلن إن اللي حصل مجرد حادث.”
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
قلت بصوت مكسور:
“يعني… عمي كان عارف مين قتل أهلي؟”
رد سليم:
“لا…”
وسكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي قلبت الدنيا:
“هو اللي قتلهم.”
وقعت الملفات من إيدي.
كريم مسكني قبل ما أقع.
دموعي نزلت وأنا بهز راسي برفض.
“لأ… مستحيل.”
قال سليم:
“أبوك الحقيقي كتب كل ثروته باسمك قبل ما تموت.”
“ولو فضلتي عايشة… كل حاجة كانت هتبقى ملكك.”
“لكن عمك كان غرقان في الديون.”
“فقرر يخلص من أخوه ومراته… وياخد كل حاجة.”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“بس كان فاكر إنك موتي معاهم.”
رفعت عيني له وأنا مرعوبة.
“يبقى لو عرف إني عايشة…”
قال بهدوء:
“هيكمل اللي بدأه من سبعة وعشرين سنة.”
وفجأة…
سمعنا صوت إطلاق نار في المخزن.
الرصاصة خبطت في الرف الحديد اللي جنبنا.
صرخ كريم:
“انبطحوا!”
وفي أقل من ثانية…
انطفت الأنوار كلها.
وبقى المكان غارق في الضلمة.
آخر حاجة سمعناها…
كانت ضحكة راجل جاية من آخر المخزن، وهو بيقول:
“محدش هيخرج من هنا عايش.”

عمّ الضلام المكان كله.
إيلين كانت مش معانا، والحمد لله… لكن أنا وكريم وسليم بقينا محبوسين جوه المخزن.
صوت خطوات تقيلة كان بيقرب.
كريم مسك إيدي وهمس:
“متتحركيش.”
أول مرة من سنين أحس إن إيده بتطمني، مش بتوجعني.
فجأة…
نور كشاف قوي اتسلط علينا.
وصوت راجل قال:
“ارفعوا إيديكم.”
بصينا ناحية الصوت…
وكان واقف قدامنا راجل في أوائل الستينات، شعره أبيض، لكن ملامحه قوية.
أول ما شفته…
سليم الجبالي اتغير لون وشه.
وهمس:
“فؤاد…”
الراجل ابتسم.
“أخيرًا اتقابلنا بعد سبعة وعشرين سنة.”
بصيت لكريم وقلت:
“ده…؟”
قال وهو مذهول:
“اللواء فؤاد النجار.”
يعني…
ده عمي.
الراجل بصلي طويل، وكأنه بيشوف شبح.
وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة وقال:
“كبرتي يا ندى.”
حسيت بالقشعريرة.
قلت وأنا بترعش:
“إنت اللي قتلت أبويا وأمي؟”
هز راسه بالنفي.
“أنا قتلت أخويا بس.”
شهقت.
أما هو فكمل بمنتهى البرود:
“أما أمك… هي اللي اختارت تموت معاه.”
كانت الجملة أبشع من أي رصاصة.
كريم شدني وراه وهو بيقول:
“إوعى تسمعي كلامه.”
لكن فؤاد رفع مسد..سه وقال:
“اسمعوا الحقيقة كاملة.”
“أخوكِ… كان رافض يدخل معانا.”
“كان فيه مشروع كبير بمليارات.”
“ولو وافق… كنا كلنا بقينا من أغنى الناس.”
“لكنه هدد يبلغ عننا.”
“فكان لازم يموت.”
دموعي كانت بتنزل من غير ما أحس.
قال وهو بيبصلي:
“لكن إنتِ…”
“إنتِ كنتِ غلطة.”
“مفروض تموتي معاه.”
سليم صرخ فيه:
“كفاية يا فؤاد!”
رد عليه بابتسامة ساخرة:
“إنت السبب.”
“لولا إنك هربتها، كان كل ده انتهى.”
رفع المسد..س ناحيتي.
وقتها كريم وقف قدامي من غير تفكير.
قلتله وأنا بعيط:
“ابعد يا كريم.”
قال وهو ثابت:
“المرة الأولى سبتك لوحدك.”
“المرة دي… الرصاصة لازم تعدي عليا الأول.”
اتسعت عيني.
وده كان أول مرة يثبت بالفعل إنه مستعد يدفع حياته تمن غلطته.
ضغط فؤاد على الزناد…
لكن قبل ما الرصاصة تخرج…
دوّى صوت رصاصة تانية.
فؤاد وقع المسد..س من إيده.
بصينا ناحية مصدر الطلقة.
لقينا قوة خاصة داخلة المخزن.
وفي مقدمتهم…
المستشار شريف.
صرخ:
“اللواء فؤاد النجار… أنت مقبوض عليك بتهمة القتل وتكوين تنظيم إجرامي.”
فؤاد بص حواليه، وعرف إن مفيش مهرب.
ابتسم ابتسامة باردة.
وقال وهو بيبصلي:
“افتكري كلامي يا ندى…”
“الثروة دي… عمرها ما جابت غير الدم.”
وبمجرد ما الضباط قربوا منه…
طلع كبسولة صغيرة من جيبه، وبلعها بسرعة.
صرخ الضابط:
“امنعوه!”
لكن كان فات الأوان.
بعد أقل من دقيقة…
وقع على الأرض.
ومات قبل ما ينطق بأي كلمة تانية.
ساد الصمت.
وأنا واقفة ببص لجث..ة الراجل اللي ضيع عمري كله.
كنت مستنية أحس بالراحة…
لكن اللي حسيت بيه كان فراغ كبير.
لأن الحقيقة أخيرًا ظهرت…
لكن تمنها كان أكبر من أي حد يتخيله

عدى ست شهور…
كل واحد خد جزاءه.
محمود اتحكم عليه بالمؤبد.
وسلوى ماتت وهي بتندم على كل ظلم عملته.
وفؤاد النجار انتهت حياته قبل ما يهرب من عدالة ربنا.
أما أنا…
فوقفت قدام قبر أبويا اللي رباني، وأنا ماسكة إيد إيلين.
حطيت وردة على قبره وقلت والدموع في عيني:
“سامحني يا بابا… دلوقتي بس فهمت ليه كنت بتحاول تبعدني عن الحقيقة.”
“إنت ما كنتش أبويا بالدم… لكن كنت أعظم أب في الدنيا.”
بكيت لأول مرة من غير خوف…
بكيت وأنا حاسة إن روحه أخيرًا ارتاحت.
بعدها بأيام، المحكمة أعلنت إن كل ممتلكات عيلة النجار رجعت ليا باعتباري الوريثة الشرعية الوحيدة.
لكن أول قرار أخدته…
إني أرفض أعيش في القصر اللي مات فيه أهلي.
بعته كله.
واتبرعت بجزء كبير من فلوسه لبناء مستشفى مجاني يحمل اسم أبويا اللي رباني… الحاج حسن.
أما كريم…
ففضل واقف جنبي في كل خطوة، من غير ما يطلب مني أرجعله.
كان بيزور إيلين كل يوم تقريبًا، ويثبت بأفعاله قبل كلامه إنه بقى أب حقيقي.
وفي يوم، وإحنا قاعدين في جنينة المستشفى الجديدة، قرب مني وقال:
“أنا عارف إني جرحتك جرح عمره ما هيروح.”
“ومش هطلب منك تنسي.”
“لكن لو في يوم قلبك سامحني… هعتبرها أكبر نعمة في حياتي.”
بصيتله، وابتسمت ابتسامة هادية.
وقلت:
“التسامح مش معناه إننا نرجع زي زمان.”
“بس معناه إننا نعيش من غير كراهية.”
مد إيده لإيلين، فمسكت صباعه وضحكت.
بصينا أنا وهو عليها في نفس اللحظة.
يمكن ربنا ما رجعناش لبعض كزوجين…
لكن رجّع لبنتنا حقها إنها تكبر وسط أب وأم بيحترموا بعض.
وأنا اتعلمت أهم درس في حياتي…
إن الحقيقة ممكن تتأخر…
لكن عمرها ما بتموت.
وإن الظلم مهما طال…
لازم ييجي اليوم اللي ينكشف فيه.
قفلت باب الماضي بإيدي…
وبدأت أول صفحة في حياة جديدة.
حياة مفيهاش خوف…
ولا كذب…
ولا انتقام.
حياة عنوانها الوحيد…
النجاة… بعد كل اللي فات.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *