اقعدى جنبي
اقعدي جمبي لحد الصبح وح ادفع لك أي تمن تطلبيه!.. الجملة دي م قالهاش راجل عادي، دي طلعت من بوق سليم الونش أكبر جمرك ونفوذ في البلد، ل ممرضة غلبانة ب ټموت من البرد في الشارع بعد ما ا طردت من المستشفى ب الظلم، وم كانش يتخيل إن القعدة دي ح تكون بداية ل قصة تقلب موازين حياته كلها، وإن الراجل اللي ب يهز ب اسمه حيتان السوق ب ېخاف من الضلمة ومن سر أسود مخبيه عن الدنيا كلها، والمواجهة اللي جاية ح تحبس الأنفاس!
المطر كان ب ينزل على شوارع الإسكندرية ليلتها كأن السما ب تفرغ ڠضب سنين طويلة، وفي وسط المية الشديدة والضلمة، كانت دينا ب تمشي ب الصدمة وهي ب تجر وراها اللي باقي من رصيد حياتها؛ إيد ماسكة شنطة العلاج القديمة بتاعة أمها الله يرحمها، والإيد الثانية مكلبشة في شنطة هدوم صغيرة ب تتزحلق في البرك، شنطة م لِهاش قيمة عند الناس بس فيها كل دنيتها؛ كام حتة هدوم، وساعة إيقاف أمها كانت ب تقيس بيها نبض العيانين، وجواب الفصل من الشغل اللي حبره لسه م جفش! عندها 27 سنة وعرفت حقيقة م ب ترحمش؛ إن البلد دي م لِهاش مكان ل الغلبان اللي ب يقع، المستشفى رمتها في الشارع لمجرد إنها وقفت ب حق الله وقالت إن الدكتور الكبير كتب دواء غلط ل عيان وماټ ب سببه، الناس صدقوا الشهادة الكبيرة والبدلة الشيك، وسابوا دينا اللي م لِهاش غير إيدها الشقيانة في المطر، قعدت تحت تندة محل مقفول وهي ب تضم شنطة أمها ل صدرها ب دموع وقهر! وفجأة من الممر اللي قصاد الشارع، سمعت خبط حديد مكتوم وآهة ۏجع، وجسم ب يقع على الأرض، ولما تجرأت وبصت من وسط المطر، شافت تلات رجالة، اتنين واقفين وواحد على ركبه، وفي ثواني الآية ا قلبت؛ الراجل اللي كان ب يقع قام ب طوله ب حركات جامدة وثابتة تخوف، والاتنين الثانيين جريوا ب جنون كأنهم ب يهربوا من عزرائيل نفسه! الراجل اللي فضل واقف خطى تحت نور اللمبة؛ طويل، عريض، وبالطوه الأسود غرقان مية على جسمه القوي، كان ب يمشي ب زكّة خفيفة في رجله الشمال ب سبب إصابة قديمة، وعلى طرف بوقه علامة ډم، ودينا ب نظرة شغلها عرفت إنه مش دمه! وقف وبص ب الراحة ل المكان اللي هي مستخبية فيه كأنه عارف إنها هناك من الأول، وصوته طلع خشن وتخين كأن حديد ب يحك في حجر م ح تحتاجياش اللي في جيبك ده!، عينه راحت ل مقص الشغل اللي هي مكلبشة عليه في جيبها، وبعدها ل الشنطة اللي على صدرها، وعينه م كانتش عين مچرم،
موقع أيام نيوز
دي كانت غرقانة ډم وتعب كأنه بقاله سنين م داقش طعم النوم والراحة، وقال ب جمود أنتي ممرضة، وم كانش ب يسأل، كان ب يقرر، وفجأة قال الجملة اللي عمرها م ح تنساها ح أدفع لك أي تمن تطلبيه.. اعملي حاجة واحدة بس، اقعدي جمبي هنا لحد ما الشمس تطلع!، والعرض فضّل معلق بينهم أتقل من المطر، وكل عصب في جسم دينا كان ب ېصرخ اجري واختفي في الضلمة قبل ما الوقت يفوت، راجل طير اتنين ب إيده م ينفعش بنت عاقلة تمشي وراه، بس السؤال اللي كان ب يلف في دماغها؛ راجل ب الجبروت ده، إيه اللي ممكن يخوفه من الضلمة ويخليه يترجى سكرتيرة غريبة تقعد جمبه ل الفجر؟
يا ترى إيه السر المرعب اللي مخبيه سليم الونش في بيته وب يخليه ېموت من الړعب أول ما الليل يليل، وإزاي دينا ح تقلب الطاولة على الدكاترة اللي ظلموها ب نفوذ الراجل ده، وإيه الحكاية الشيطانية اللي ح تجمع الممرضة الغلبانة ب حوت السوق في مواجهة ح تزلزل القلوب؟ اللي جاي ضړب ڼار وتشويق يحبس الأنفاس!
دينا فضلت واقفة مكانها، عقلها بيقول لها اهربي، لكن قلبها كممرضة سبقها.
قالت بحذر
لو هساعدك، هساعدك كمريضة… مش لأي سبب تاني.
هز سليم راسه في هدوء، وفتح باب عربيته.
وصلوا إلى فيلته على البحر.
المكان كان ضخم، وحراسته مشددة، لكن أول ما دخل، طلب من كل الحراس يسيبوا الدور العلوي وينزلوا.
استغربت.
قال لها وهو بيحاول يخفي ارتجاف إيده
بعد الساعة اتناشر… مبحبش حد يبقى حواليا.
بصت له وهي بتقيس ضغطه.
النبض كان سريع، لكن جسمه سليم.
قالت
إنت مش تعبان جسدياً… إنت مړعوپ.
ابتسم لأول مرة، ابتسامة كلها ۏجع.
وقال
بقالي سبع سنين ما نمتش ليلة كاملة.
وسكت.
بعد دقائق، الكهرباء فصلت بسبب العاصفة.
أول ما البيت غرق في الضلمة، اتغير وش سليم تمامًا.
بدأ نفسه يعلى.
وإيده بقت بتترعش.
وقعد على الأرض وهو بيغمض عينيه.
دينا فهمت إنها نوبة هلع عڼيفة.
فضلت تتكلم معاه بهدوء، وتخليه يركز في صوتها ويتنفس ببطء.
بعد نص ساعة، النوبة انتهت.
فتح عينه وقال
أنا مدين لك بحياتي.
ردت
أنا عملت شغلي.
في الصباح، سليم حكى الحقيقة لأول مرة.
قبل سبع سنين، كان راجع بعربيته ليلًا، وشاف حاډث كبير.
أنقذ طفلًا صغيرًا، لكنه فشل في إنقاذ والده.
ومن يومها، بقى يحمل ذنبًا لا يفارقه، وكل ليلة كان يرى الحاډث في كوابيس متكررة، حتى تحولت إلى خوف مرضي من الليل والظلام.
كان يخفي ألمه حتى عن أقرب الناس إليه.
دينا قالت له بهدوء
إنت محتاج علاج نفسي، مش إنك تفضل تحارب لوحدك.
ولأول مرة، وافق.
بدأ رحلة علاج حقيقية مع طبيب متخصص.
وفي المقابل، سألها عن سبب طردها من المستشفى.
حكت كل شيء.
حكت عن المړيض الذي ماټ بسبب وصفة خاطئة.
وعن الدكتور الكبير الذي زور التقرير، وحمّلها المسؤولية لأنها رفضت تزوير الملف الطبي.
سليم ما اتكلمش.
طلب منها كل الأوراق اللي
معاها.
كانت محتفظة بصورة من التقرير الأصلي، ورسائل بينها وبين زميلة كانت شاهدة على اللي حصل.
استعان بفريق قانوني مستقل.
وخلال أسابيع، جمعوا شهادات ممرضين، وصيادلة، وأطباء شباب كانوا خايفين يتكلموا.
واكتشفوا إن الدكتور نفسه تسبب في أخطاء طبية كتير، وكانت الإدارة بتغطي عليه بسبب نفوذه.
اتقدم بلاغ رسمي.
وفتحت النيابة تحقيقًا.
ومع مراجعة الملفات، ظهرت الحقيقة كاملة.
الدكتور أُدين بتزوير السجلات الطبية والإهمال الجسيم.
وصدرت أحكام بحقه، وتم منعه من مزاولة المهنة.
أما إدارة المستشفى، فتمت محاسبة المسؤولين عن إخفاء الأدلة.
ودينا صدر قرار رسمي بإلغاء فصلها، مع رد اعتبارها وتعويضها.
لكنها رفضت ترجع لنفس المكان.
قالت
المكان اللي ظلمني، مش هو المكان اللي أبدأ فيه من جديد.
ابتسم سليم.
وكان عنده اقتراح.
اشترى مبنى قديمًا، وحوله إلى مركز طبي خيري، هدفه علاج غير القادرين، مع نظام واضح يمنع أي تزوير أو مجاملة.
وعرض على دينا تكون مديرة التمريض.
في البداية رفضت.
قالت
أنا مبحبش أكون مدينة لحد.
ابتسم وقال
ولا أنا بشتري ولاء الناس… أنا بدور على حد يستحق.
وافقت بعد تفكير.
وبمرور الشهور، أصبح المركز من أنجح المراكز الطبية في المدينة.
المرضى وجدوا مكانًا يعاملهم باحترام.
والعاملون وجدوا بيئة لا ېخافون فيها من قول الحقيقة.
أما سليم، فكان ملتزمًا بجلساته العلاجية.
لم يختفِ خوفه في يوم وليلة، لكنه بدأ يستعيد حياته تدريجيًا.
وفي إحدى الليالي، جلس في شرفة الفيلا ينظر إلى البحر.
كانت أول ليلة منذ سبع سنوات يقضيها دون أن يطلب من أحد أن يبقى بجواره حتى الصباح.
ابتسم وهو يتذكر تلك الليلة الممطرة.
وقال لدينا
فاكرة أول جملة قلتها لك؟
ضحكت وقالت
اقعدي جمبي لحد الصبح.
رد بابتسامة هادئة
دلوقتي بقيت أعرف أقعد مع نفسي.
وبعد عامين، تحولت علاقة الاحترام بينهما إلى حب ناضج، قائم على الثقة والدعم، لا على الحاجة أو الخۏف.
تقدم سليم لخطبتها رسميًا.
وافقت، لكن بشرط واحد.
قالت
لو في يوم حسيت إنك محتاجني عشان تهرب من خۏفك، مش هتجوزك. أنا عاوزاك تختارني لأنك بتحبني، مش لأنك خاېف.
ابتسم وقال
أنا اتعالجت من خۏفي… لكن عمري ما هتعالج من حبي ليكي.
تم الزواج في حفل بسيط حضره العاملون في المركز والمرضى الذين تعافوا فيه.
وفي نهاية اليوم، وقفت دينا أمام المبنى الجديد، تقرأ اللافتة المعلقة على بابه
مركز الأمل للرعاية الطبية… لا مكان فيه للكذب، ولا للخوف، ولا للظلم.
ابتسمت وهي تتذكر ليلة المطر، والشنطة القديمة التي كانت تحمل فيها كل ما تملك.
أدركت أن الحياة قد تسلب الإنسان عمله وراحته في لحظة، لكنها لا تستطيع أن تسلبه كرامته ما دام متمسكًا بالحق، وأن الشجاعة في قول الحقيقة قد تكون مؤلمة في البداية، لكنها في النهاية تفتح بابًا لحياة أفضل، وعدالةٍ لا تضيع مع الزمن.
