أنقذت رجل غريب
أنقذت رجلًا غريبًا يحتضر داخل المصعد… وفي صباح اليوم التالي اكتشفت أنه صاحب الشركة التي أعمل بها
يا أستاذ… سامعني؟
لم يتحرك الرجل.
همست سارة عبد الرحمن وهي تهبط على ركبتيها داخل المصعد
أرجوك… ما تموتش.
كانت الساعة تشير إلى 1147 مساءً في ليلة شتوية قاسېة، داخل برج إداري شاهق في قلب القاهرة، ولم يكن يفصل بين ذلك الغريب والمۏت سوى عاملة نظافة خجولة اعتاد الجميع في المبنى أن يمروا بجانبها وكأنها غير موجودة.
كان الرجل ممددًا أسفل الدرابزين المعدني للمصعد، وإحدى يديه تضغط بقوة على صدره. بدلته السوداء الفاخرة كان ثمنها على الأرجح يفوق راتب سارة لعدة أشهر، لكنها الآن أصبحت مجعدة ومبعثرة تحت جسده. وجهه شحب تمامًا، وشفاهه بدأت تميل إلى الزرقة.
وضعت سارة إصبعين على عنقه.
لا يوجد نبض.
تجمدت لثانية واحدة.
قبل ثلاث سنوات، كانت طالبة في السنة الثانية بكلية التمريض. كانت تعرف تمامًا ماذا تفعل عندما يتوقف شخص عن التنفس. كانت دائمًا الأولى في تدريبات الإسعافات الأولية، وكان أساتذتها يمدحون هدوءها وسرعة تصرفها.
لكن بعدها أصيبت والدتها بسړطان البنكرياس.
تركت الدراسة لتعتني بها.
وبعد ۏفاة أمها، وجدت نفسها غارقة في الديون، ومھددة بالطرد من المنزل، لتكتشف أن الأحلام لا تنتظر أحدًا مهما كان قلبه مكسورًا.
اضطرت لقبول أول وظيفة وجدتها.
عاملة نظافة ليلية في برج ميريديان.
ثلاث سنوات وهي تفرغ سلال القمامة الخاصة بالمديرين، وتمسح الواجهات الزجاجية، وتنظف غرف الاجتماعات التي تُتخذ فيها قرارات بملايين الجنيهات.
أصبحت بارعة في شيء واحد…
أن تكون غير مرئية.
لكن الرجل الملقى أمامها لم يكن بحاجة إلى شخص غير مرئي.
كان بحاجة إلى أن تتذكر سارة من كانت يومًا.
أرجعت رأسه للخلف، فتحت مجرى التنفس، ثم وضعت كفها في منتصف صدره.
يلا… قوم.
وبدأت الإنعاش القلبي.
واحد… اتنين… تلاتة… أربعة…
كان صوتها يرتجف، لكن يديها لم ترتجفا.
بدأ باب المصعد يغلق، فسارعت بدفع عربة أدوات التنظيف في الباب ليظل مفتوحًا، بينما تدحرجت زجاجة منظف الأرضية في الممر الرخامي.
سبعة وعشرين… تمانية وعشرين… تسعة وعشرين… تلاتين.
انحنت لتعطيه نفسين.
لا شيء.
فعادت تضغط على صدره من جديد.
بدأت ذراعاها تؤلمانها بسرعة.
الإنعاش الحقيقي لم يكن أبدًا مثل التدريب على الدمية البلاستيكية.
وفجأة…
سمعت صوت كسر خاڤت تحت يديها.
ضلع.
ارتعشت للحظة…
ثم تذكرت كلمات أستاذها.
الضلوع المکسورة بتخف… لكن القلب اللي وقف لو ما رجعش، خلاص.
واصلت العد.
واحد… اتنين… تلاتة…
أخرجت هاتفها لتطلب الإسعاف، لكنه انزلق من يدها وسقط أسفل لوحة أزرار المصعد.
صړخت بكل قوتها
حد يلحقني! اتصلوا بالإسعاف!
سارة لم تكن ترفع صوتها أبدًا.
كانت تعتذر إذا اصطدم بها أحد.
وكانت دائمًا تخفض عينيها أمام المديرين لأن معظمهم كان يتصرف وكأن وجود عاملة النظافة في الممر إزعاج.
لكن هذه المرة…
صړخت حتى احترق حلقها.
الحقونا!
في نهاية الممر، انفتح أحد الأبواب.
خرج عم حسن، رجل الأمن الليلي، وهو في الثانية والستين من عمره، يعرج بسبب ركبته، لكنه كان يركض أسرع مما رأته سارة طوال سنوات عملها.
قال وهو يقترب
موقع أيام نيوز
مذهولًا
يا ساتر… إيه اللي حصل؟
قالت بسرعة
مفيش نبض… اتصل بالإسعاف وهات جهاز الصدمات.
مد يده نحو جهاز اللاسلكي وسأل
إنتِ عرفتي منين
قاطعته بحزم
دلوقتي يا عم حسن!
تجمد للحظة من نبرة صوتها…
ثم انطلق يجري.
أما هي…
فواصلت الضغط على صدر الرجل.
العرق غطى جبينها.
ورسغاها يكادان ينكسران.
وساعته الثمينة كانت ترتطم بأرضية المصعد مع كل ضغطة.
همست
استحمل… معرفش إنت مين… بس أكيد في حد مستنيك ترجع.
ثلاثون ضغطة.
نفسان.
ثم ثلاثون أخرى.
وأثناء عملها…
تذكرت الأسبوع الأخير بجوار سرير أمها في المستشفى.
كانت والدتها، أمينة عبد الرحمن، هزيلة ومنهكة، لكنها أمسكت بيدي سارة وقالت وهي تتأملهما
إيديك دي ربنا خلقها عشان تعالج الناس.
قالت سارة يومها باكية
أنا سبت كلية التمريض.
ابتسمت أمها بصعوبة.
إنتِ وقفتيها… ما سبتيهاش.
أنا بقيت بنضف مكاتب.
دي شغلتك… مش هويتك.
وقتها أرادت سارة أن تصدقها.
لكن بعد ۏفاة أمها…
توقفت عن الإيمان بأي شيء.
عاد عم حسن وهو يحمل جهاز الصدمات.
قال وهو يلهث
الإسعاف في الطريق.
قالت بسرعة
افتح الجهاز.
مزقا قميص الرجل.
وتناثرت الأزرار على أرضية المصعد.
توقف عم حسن فجأة، وحدق في وجهه.
ثم قال بصوت مرتعش
يا سارة…
قالت وهي تثبت اللاصقة الأولى
هات التانية.
همس
إنتِ عارفة ده مين؟
لأ.
قال
ده كريم المنشاوي.
لم يعني لها الاسم شيئًا في تلك اللحظة.
قال وهو ينظر إليها بذهول
ده صاحب البرج… وصاحب الشركة كلها.
رفعت سارة عينيها للحظة.
إذن فهذا هو كريم المنشاوي…
رجل الأعمال الذي تحمل الشركة اسمه.
توقيعه كان يظهر أسفل الرسائل التي تصل للموظفين، وصورته معلقة في بهو المبنى، لكنها لم تنظر إليها يومًا باهتمام.
ولم تتخيل أبدًا أن الرجل الذي يخشاه الجميع قد يسقط يومًا وحيدًا داخل مصعد.
أصدر جهاز الصدمات صوته.
يوصى بإعطاء صدمة.
قالت
ابعد.
اهتز جسده مع الصدمة الكهربائية.
تحسست نبضه.
لا شيء.
فعادت تضغط بكل قوتها.
لم يعد العالم بالنسبة لها سوى حركة يديها.
اضغطي…
ارفعي…
اضغطي…
ارفعي…
كانت تبكي دون أن تشعر.
وسقطت دمعة على وجنته.
همست بعناد
مش هسمح لك ټموت… طول ما أنا هنا.
بدأ صوت سيارات الإسعاف يقترب.
ركع عم حسن بجوارها وقال
إنتِ شاطرة جدًا يا بنتي.
قالت وهي تلهث
مش لاقية نبض.
كملي.
إيدي خلاص مش قادرة.
ابتسم وقال
يبقى استخدمي إيديا.
تبادلا الأماكن.
بدأ عم حسن يضغط على صدر كريم، بينما تولت سارة التنفس الصناعي.
وبعد دورة أخرى…
أوصى الجهاز پصدمة ثانية.
ضړب التيار جسده بقوة.
ساد الصمت.
ثانية…
ثم ثانية أخرى…
وفجأة…
سعل كريم.
كانت سعلته ضعيفة ومتقطعة…
لكن بالنسبة لسارة، كانت أجمل صوت سمعته في حياتها.
ارتفع صدره أخيرًا وهو يتنفس.
هتف عم حسن بفرحة
يا أستاذ كريم؟
سعل كريم المنشاوي مرة أخرى، سعلة قوية هذه المرة أتبعتها أنفاس متسارعة، ثم فتح عينيه ببطء شديد. كانتا غائمتين، تائهتين، لا تدركان بعد أين هو أو ماذا حدث له.
سارة، التي كانت لا تزال راكعة على الأرض، شعرت برعشة لا إرادية تسري في جسدها، ليست رعشة خوف، بل رعشة تحرر. سحبت نفسها للخلف بضعة سنتيمترات، وتركت مساحة لعم حسن الذي كان يمسح العرق عن جبينه بيده المرتجفة.
يا أستاذ كريم؟ هل تسمعني؟ نادى عم حسن بصوت مشروخ.
حاول كريم تحريك رأسه، وتثبيت نظره. استغرقت بضع ثوانٍ قبل أن يركز بصره على وجه
سارة المغطى بالعرق، وشعرها المبعثر الذي خرج من تحت غطاء الرأس. نظر إليها وكأنه يحاول استجماع شظايا ذاكرته المحطمة.
في تلك اللحظة، اقتحم المسعفون المكان، وبدأت الفوضى المنظمة التي تتبع الطوارئ؛ أصوات الأجهزة، تعليمات سريعة، نقل كريم إلى النقالة. وسط كل هذا، ظلت سارة ثابتة في مكانها، تراقب بصمت. كانت ترى الرجل الذي يقود الآلاف من الموظفين، الذي تخشاه إدارات كاملة، يُنقل الآن كجسد هش على قطعة من القماش والمعدن.
عندما وصل المسعفون إلى الباب، توقف كريم فجأة عن الحركة، وأمسك بيد المسعف بقوة، ثم أشار بطرفه إلى سارة.
أنتِ… همس بصوت مبحوح بالكاد يُسمع. أنقذتِني؟
لم تستطع سارة الرد. كانت الكلمات عالقة في حلقها، فما كان منها إلا أن أومأت برأسها مرة واحدة، بتواضعٍ ممزوج پصدمة الموقف.
أغلق المسعفون باب النقالة، وانطلقوا إلى المشفى. بقي عم حسن وسارة أمام المصعد المفتوح، حيث تناثرت أزرار قميص كريم الفاخر، وزجاجة المنظف التي دحرجتها سارة، وهاتفها المحمول المحطم أسفل لوحة الأزرار.
ساد صمت طويل، لم يقطعه سوى صوت المصعد الذي أصدر إنذارًا بسبب بقائه مفتوحًا لفترة طويلة.
في صباح اليوم التالي، عادت سارة إلى البرج. لم تكن تنوي العودة، كانت قدمها تقودها من تلقاء نفسها. شعرت بالرهبة وهي تدخل من الباب الرئيسي؛ فهي المرة الأولى التي تدخل فيها من الباب المخصص للموظفين في وقت الصباح الباكر، بدلاً من التسلل من الباب الخلفي ليلاً.
كانت الأجواء في الشركة غير طبيعية. حالة من التوتر والقلق تسيطر على الجميع. الموظفون يتجمعون في مجموعات صغيرة يتحدثون بصوت خاڤت.
عندما وصلت إلى مكتب الإدارة، وجدت سكرتيرة المدير العام تنتظرها. كانت ملامحها تشير إلى أنها في انتظارها منذ فترة.
سارة؟ قالت السكرتيرة بلهجة غريبة، ليست آمرة كما اعتادت، بل تحمل نبرة من الفضول والتقدير. السيد كريم يطلب رؤيتك في مكتبه فورًا.
تجمدت سارة في مكانها. أنا؟ ولكنني…
لا وقت للمناقشة. تفضلي.
دخلت سارة المكتب الفاخر. كان مكتبًا يطل على القاهرة بكاملها، جدرانه زجاجية، وأثاثه يوحي بالقوة والسيطرة. كان كريم يجلس خلف مكتبه، شاحبًا، يرتدي قميصًا طبيًا، لكن عينيه كانتا حادتين كما عهدتهما في الصور.
عندما دخلت، وقف كريم ببطء. لم يكن رجل الأعمال المتجهم الذي يخشاه الجميع، بل كان رجلًا يواجه حقيقة حياته.
اجلسي يا سارة. قال بصوت هادئ.
جلست سارة على طرف الكرسي، وكأنها لا تزال تخشى أن تُطرد من المكان.
بدأ كريم حديثه لقد أخبرني الأطباء أنني كنت ميتًا سريريًا لمدة أربع دقائق. وقالوا لي أيضًا إن الإسعافات التي تلقيتها في الدقائق الأولى هي السبب الوحيد في أنني أجلس هنا الآن لأتحدث معكِ.
توقفت أنفاس سارة.
تابع كريم لم يخبروني فقط بما فعلتِ، بل أخبروني عن إصرارك، عن صراخك لعم حسن، عن رفضك للاستسلام حتى عندما كادت قواكِ تنفد.
نظر إليها بعمق سارة، أعرف أنكِ كنتِ
تدرسين التمريض. لماذا أنتِ هنا؟ لماذا تنظفين أرضيات مكتبي بدلاً من أن تكوني في غرفة العمليات تنقذين الأرواح؟
اغرورقت عيناها بالدموع. وبدأت تحكي. حكت عن والدتها، عن الدين، عن الانكسار الذي تلا الۏفاة، عن فقدان الشغف، وكيف أن هذه الوظيفة كانت وسيلتها الوحيدة للبقاء على قيد الحياة. حكت له عن شعور الخفاء الذي عاشته لثلاث سنوات.
صمت كريم طويلاً بعد أن أنهت حديثها.
سارة، لقد أنقذتِ حياتي، ليس فقط بالمساج القلبي، ولكن لأنكِ ذكّرتِني بأن هناك أشخاصًا خلف هذه الجدران لديهم حكايات، كفاح، وكرامة.
أخرج كريم ملفًا من درج مكتبه ووضعه أمامها.
هذا عرض عمل. لستِ في حاجة لأن تكوني عاملة نظافة بعد الآن. لديّ مؤسسة خيرية تدعم المستشفيات الحكومية، أحتاج إلى مديرة عمليات تعرف الإنسانية قبل أن تعرف الأرقام. وأريد أن أمول تكملة دراستك في التمريض، إذا أردتِ العودة.
نظرت سارة إلى الملف، ثم إلى كريم. لم تصدق أن ليلة واحدة من الچحيم داخل مصعد قد قلبت حياتها رأسًا على عقب.
لم تقبل سارة الوظيفة على الفور. طلبت مهلة.
عادت سارة إلى حياتها، لكن شيئًا ما قد تغير. لم تعد تسير مطأطأة الرأس، لم تعد تعتذر لمجرد أن وجودها يزعج أحدهم.
في المساء، عادت إلى البرج، ولكن هذه المرة، نظرت إلى صورة كريم المنشاوي المعلقة في البهو. لم تعد صورة لرجل يخشاه الجميع، بل أصبحت ذكرى لإنسانين التقيا في اللحظة الأكثر عريًا وصدقًا في حياتهما لحظة الحياة والمۏت.
لم تختر سارة مهنة التمريض للعودة إليها فورًا، بل اختارت طريقًا وسطًا. قبلت إدارة المؤسسة الخيرية التي عرضها كريم، وبدأت في إصلاح ما يمكن إصلاحه في المنظومة الصحية، ليس من الكتب، بل من واقع تجربتها كعاملة نظافة رأت كل شيء من الأسفل.
أما كريم، فقد تغير هو الآخر. أصبح يمر بمكاتب الموظفين، يسأل عن أسمائهم، يتوقف ليسمعهم. وفي كل مرة كان يلتقي فيها بسارة في أروقة الشركة، كان يبتسم لها بامتنان صامت.
بعد عام، تخرجت سارة كأخصائية رعاية صحية، وأقامت حفلًا صغيرًا، وكان كريم أول الحضور، ليس بصفته رئيسها، بل بصفته الصديق الذي أهدته الحياة فرصة ثانية بفضل يدين، ظن الجميع أنهما لا تفعلان شيئًا سوى التنظيف، لكنهما كانتا تخبئان بداخلها قدرة على إعادة نبض الحياة.
وعندما سُئلت سارة في إحدى المقابلات عن سر نجاحها، قالت جملة واحدة لم تنسها أبدًا أمي كانت محقة.. التمريض لم يكن وظيفتي، كان هويتي، مهما حاولت الحياة أن تدفنه تحت القمامة والديون، سيظل دائمًا ينبض في يدي.
تمت.
