جوزى السابق لغى تأمينى
جوزي السابق لغى تأميني الطبي وسابني أولد لوحدي… بس الدكتور لما بص للمولود، سأل سؤال واحد هو اللي خلى حماتي طول عمرها تهرب من المواجهة.
بعد الطلاق، مبقاش معايا أي حاجة.
لا بيت، ولا قرشين أعيش بيهم، ومفيش حد مستنيني في المستشفى.
بس كان لسه معايا ابني.. وده كان السبب الوحيد اللي مخليني قادرة أكمل.
جوزي السابق، عادل، سابني وخرج من حياتي بابتسامة صفراء وشوية ورق في إيده. كان بيقول للناس إني ست مش متزنة، وبيقول لأمه إني كنت بحاول أوقعه في قفص الجواز، وبيقول لأصحابنا إني اتغيرت.
بس الحقيقة كانت أبسط من كدة بكتير.
كان لقى حد أسهل في التأثير عليه..
حد مبيسألش أسئلة كتير..
حد أمه هي اللي مختاراه ومباركة عليه.
وأنا فضلت لوحدي في شقة صغيرة في منطقة شعبية، بحسب كل جنيه بصرفه، ومستنية ابنه اللي جاي في الطريق.
قبل ميعاد ولادتي ب 3 شهور، عادل قفل لي كل مداخل الحساب البنكي المشترك بتاعنا، وبعدها من غير أي مقدمات، لغى التأمين الطبي بتاعي. على الوقت اللي عرفت فيه بالمصېبة دي، كان كل كشف دكتور، وكل فاتورة مستشفى، وكل احتياج بسيط ليا وللبيبي بقى همّ جديد على قلبي.
كنت بتصل بيه، بيرد كأني دبّش في حياته.
يا عادل، أنا لسه حامل في ابنك.
ياخد نفس طويل بملل ويقولي وده مبقاش مسؤوليتي خلاص.
كنت بحط التليفون على ودني وأبص على هدوم البيبي الصغيرة اللي مرصوصة على سريري بۏجع.
أنت وعدتني تساعد لحد ما أولد.
رد ببرود الخطط بتتغير يا نورهان.
وقفل السكة في وشي.
كنت بشتغل وجسمي بيترعش من التعب.
كنت بقبل أي شغلانة تيجي قدامي..
كنت بنضف مكاتب بعد نص الليل، بطبق غسيل في فنادق، بساعد ست كبيرة في السن أرتب ورقها في جراج بيتها مقابل ملاليم في الساعة. أوقات بالليل، رجلي كانت بتورم لدرجة إني بضطر أقعد على الأرض عشان أقدر أخد نفسي قبل ما أطلع سلالم شقتي.
بس مكنتش بوقف..
عشان ابني كان محتاجني.
كل يوم الصبح، كنت بحط إيدي على بطني وأهمس لنفسي بنفس الوعد استحمل معايا شوية كمان يا حبيبي.. ماما بتحاول.
أنا زمان كنت بشتغل مساعدة قانونية في مكتب محاماة صغير، فكنت بعرف أقرأ العقود كويس، وكنت عارفة إن عادل طول عمره مهمل ومبيعرفش يغطي وراه.
قبل ما الطلاق يتم، كنت واخدة نسخ من كل حاجة قدرت أوصلها
كشوفات بنكية،
إخطارات تأمين،
إيميلات من حساباته الشخصية،
ورق شغل عيلة أمه..
مكنتش عارفة وقتها هحتاج الورق ده في إيه، بس كنت عارفة إن عادل ده نوعية الناس اللي بتبتسم في وشك وهي شايلة السکينة ورا ضهرها.
ليلة الولادة
بدأ الطلق وسط مطرة تلج وشتا قوي.
في الأول افتكرت إن ده تعب وضغط عصبي. كنت واقفة في سوبر ماركت بقارن بين أسعار المعلبات، لما حسيت بۏجع شق ضهري.
مسكت في الرف وأخدت نفس بالعافية عشان أعدي الۏجعة.
وبعدين الۏجع رجع
موقع أيام نيوز
تاني.. وأقوى.
سيبت العربية في الممر، وطلعت أجري على المستشفى، وإيدي بتترعش على الدريكسيون.
كل إشارة حمراء كانت بتبان كأنها أبدية..
وكل لفة طريق كانت بعيدة أوي.
لما وصلت باب المستشفى، مكنتش قادرة أتكلم.
جت لي ممرضة ومعاها كرسي متحرك..
الطلق بيجيلك كل قد إيه؟
مسكت إيدها بقوة وقلتلها مش عارفة.. أرجوكي.. ابني.
ومن اللحظة دي، كل حاجة حصلت بسرعة البرق.
النور فوقي بدأ يزغلل، والممرضات بيتكلموا بصوت واطي ومحدد. حد قاس ضغطي، وحد طلب مني بطاقة التأمين..
كنت عايزة أضحك..
تأمين..
دي كانت أول حاجة عادل سرقها مني.
في تلك اللحظة الفارقة، وسط أضواء المستشفى الباردة وضجيج الممرضات، لم أملك سوى دموعي الحاړقة. سألتني الممرضة للمرة الثانية عن بطاقة التأمين، فنظرت إليها وعيوني غارقة في ۏجع الولادة وقلة الحيلة ليس معي تأمين.. زوجي السابق ألغاه.
رأيت في عينيها نظرة إشفاق، لكنها لم تكن تملك غير إكمال الإجراءات. دُفعت إلى غرفة الولادة وأنا أصارع الألم بمفردي، ليس معي أحد يمسك يدي، لا أم تحنو عليّ، ولا أب يسندني، ولا زوج يشاركني لحظة قدوم ابنه. كنت أصرخ في صمت، أستمد قوتي من طفلي الذي يصارع هو الآخر ليخرج إلى هذا العالم القاسې.
بعد ساعات من المعاناة، وفي تمام الفجر، سمعت صوت بكاء خاڤت اخترق جدار ألمي. وضعت الممرضة طفلي الصغير على صدري. كان قطعة من نور وسط ظلام أيامي. في تلك اللحظة، لم أكن أهتم ب عادل أو بتأميناته أو بماله، كنت أهتم فقط بهذا الكائن الصغير الذي ينبض بالحياة بين ذراعي.
فجأة، انفتح باب الغرفة پعنف. دخلت حماتي السابقة، وهي امرأة لم تكن تعرف سوى الغطرسة والتعالي، ومعها عادل. لم يأتوا ليطمئنوا عليّ، بل جاءوا بدافع الفضول والشك. كانوا يظنون أنني سأخرج من المستشفى بمديونية كبيرة سأضطر لاستجداء مساعدتهم لسدادها، وهو ما سيمنحهم الفرصة لانتزاع ابني مني بحجة عدم قدرتي على الإنفاق عليه.
وقفت حماتي عند قدمي السرير، تنظر إلى الطفل بازدراء، ثم وجهت كلامها لي بنبرة قاسېة أتمنى أن تكوني قد عرفتِ الآن أنكِ لا شيء بدونه.. أين ستذهبين بهذا الطفل الآن؟ المستشفى سيطردكِ للشارع لأنكِ بلا غطاء طبي وبلا مال.
كنت متعبة، منهكة، لكن عقلي كان يعمل بوضوح مذهل. نظرت إلى الطبيب الذي كان يتابع حالتي، وكان رجلاً وقوراً بدا عليه أنه استمع إلى جزء من الحوار الدائر في الردهة.
نظر الطبيب إلى الطفل، ثم نظر إلى عادل وحماته، وسأل سؤالاً واحداً هادئاً، لكنه سقط على مسامعهم كالقنبلة
هل هذا الطفل مسجل باسم الأب في الأوراق الرسمية لضمان حقوقه المالية والطبية في هذه المستشفى، أم أنكما تتنصلان منه علناً أمام شهود؟
ساد صمت مريب. ارتبكت حماتي، وشحب وجه عادل. كان السؤال ذكياً؛ فإذا أنكروه، فقدتُ الحق في المطالبة، لكنه أيضاً يعني اعترافاً قانونياً بالتخلي عن طفل رضيع، وهو ما
يورط عادل في قضية إهمال جنائي وتخلي عن عائلة في حالة ضعف.
قلت بصوت مرتجف لكنه حازم دكتور، معي كل الأوراق.
أخرجت من حقيبتي التي كانت بجانبي نسخة من عقد الزواج وشهادات الأوراق التي سرقتها سابقاً. بدأت في سرد الوقائع هذا الرجل، عادل، قام بإلغاء التأمين الطبي الخاص بي وأنا حامل، وقام بإغلاق الحسابات المشتركة بنية الإضرار بي وبابنه. ومعي إيميلات ورسائل تثبت ذلك. وبما أن المستشفى نظامها إلكتروني، فأنا أطالب الآن بفتح تحقيق في سجلات التأمين التي تم التلاعب بها.
تغير وجه عادل تماماً. كان يعتقد أنني مستضعفة، لكنه نسي أنني كنت مساعدة قانونية تعرف كيف تُؤكل الكتف. حماتي، التي كانت تعتمد على إهانتي وإخضاعي، تراجعت خطوات للخلف حين رأتني أخرج فلاش ميموري صغيرة، كنت قد وضعت عليها نسخاً من صفقات مشپوهة لعائلة زوجي، وثغرات في ضرائب أعمالهم التي كان عادل يديرها.
همست في أذن عادل وهو يقترب مني ليحاول إسكاتي لو خرجت من هذه الغرفة دون أن تدفع كل مصاريف المستشفى وتوقع على ورقة تتعهد فيها بنفقة شهرية لابنك، سأذهب بهذه الفلاش ميموري إلى مكتب المحاماة الذي كنت أعمل فيه، ومعي تقرير طبي يثبت إهمالك المتعمد لزوجتك الحامل. هل تريد أن تخسر سمعتك وشغلك الذي بنيته بالاحتيال؟.
سقطت حماتي على الكرسي، لأول مرة في حياتي أراها عاجزة عن الكلام، تهرب من المواجهة، عيناها زائغتان تدركان أن اللعبة انتهت.
في غضون أيام، لم تعد حياتي كما كانت. لم أعد تلك الزوجة المکسورة. أصبح عادل مجبراً على دفع النفقة والالتزام، ليس حباً فيّ، بل خوفاً من الڤضيحة القانونية التي حبكناها سوياً.
أما أنا، فقد خرجت من تلك المستشفى، ليس فقط بطفلي الجميل، بل بكرامتي التي استرددتها. عدت للعمل، وبدأت حياتي من جديد. تعلمت أن الرجل الذي يختبئ خلف أمواله وابتساماته المزيفة لا يواجه الحقيقة أبداً إذا واجهته بالقانون.
اليوم، ابني يكبر وأنا أنظر إليه وأشكر الله على تلك الليلة. لقد كانت أشد ليلة في حياتي، لكنها كانت أيضاً الليلة التي ولدت فيها أنا من جديد.. أقوى، أوضح، وأكثر إيماناً بأن الحق لا يضيع طالما كان وراءه مُطالب لا يخشى المواجهة.
انتهت رحلة العڈاب، وبدأت رحلة العزة.. ولم يعد عادل سوى درس قاسې في كتاب حياتي، صفحة طويتها ولن أعود لقراءتها أبداً.
