حكايات منال عباس

حكايات منال عباس

أنا اسمي حاتم، وعندي خمسة وأربعين سنة من عمري، عشتهم طول وعرض بشقي وتعب عشان أربي بنتي الوحيدة حبيبة قلبي سارة، اللي عندها حداشر سنة، سارة دي مش بس حتة مني، دي روحي اللي ماشية على الأرض، ومنتج جوازة أولى ما كتبلهاش القعدة والدوام وحصل الانفصال باحترام متبادل عشان خاطر البنت ما تطلعش ضحية لخناق الأبوين، وعيشنا سنين طويلة بنظام مقسوم بالنص، أسبوع عندي وأسبوع عند مامتها، لا أنا قادر أستغنى عنها ولا مامتها تقبل تبعد عنها ثانية واحدة، وفي وسط لفة الحياة وشغلها، ظهرت في حياتي واحدة اسمها مريم، والحق ينقال، مريم دي دخلت قلبي بضحكتها وطريقتها اللي كلها حنية، وقعدنا مع بعض خمس سنين كاملين، السنين دي مكنتش مجرد وقت بيعدي، دي كانت عشرة عمق، وخلال الخمس سنين دول، مريم كانت بتتعامل مع سارة كأنها خالتها أو أختها الكبيرة، كانت بتجيب لها هدايا، وتخرج معاها، والبنت كانت بتحبها وبتثق فيها ثقة عمياء، وأنا عمري في حياتي ما حسيت إن فيه قطة سودة بين الاتنين، وكنت كل ما أشوفهم بيضحكوا مع بعض، قلبي يرفرف وأقول أخيرًا لقيت الست اللي هتصون بيتي وتحضن بنتي، ولما حسيت إن الأمور بقت توب التوب وكل حاجة واضحة وناشفة على مية بيضاء، قررت أخطبها رسمي
يوم ما فاتحتها في الموضوع، عيونها دمعت من الفرحة، وطارت من السعادة، ومن أول دقيقة انطلقت تجهز وتخطط لكل تفصيلة في الفرح كأنها قاعدة في استوديو تصميم، اختارت القاعة في مكان شيك على الكورنيش، وقعدت ترغي بالساعات عن مين من صحباتها اللي هيبقوا وصيفات العروسة، وبعدها بشوية قالت لي بكل حماس إنها اتفقت مع بنت أختها الصغيرة عشان تكون هي اللي ماشية قدامها حاملة الورد في الدخلة، بصيت لها وأنا ببتسم وبقول جوايا هي دي الأم الحنونة اللي هتحضن بنتي، وقلت لها بكل بساطة وبراءة: حلو قوي، وأنا كمان عايز سارة بنتي تكون هي كمان حاملة الورد مع بنت أختك، عشان اليوم ده يكون لينا إحنا التلاتة ونفرح ببعض، الكلمة نزلت عليها كأن حد رش عليها مية مقلية، بصلت لي ببرود واستغراب وقالت لي بصوت جاف: بصراحة يا حاتم… سارة مش مناسبة خالص للدور ده، أنا افتكرتها بتهزر وبتطجني، ضحكت وقلت لها: مش مناسبة إزاي مش فاهم؟ دي بنتي يا مريم، قالت لي بكل جفاف وولا كأنها بتتكلم عن بنت قاعد معاها خمس سنين: أنا مش عايزاها تكون موجودة أصلًا ضمن البنات اللي في الفرح، سكت ثواني والدنيا لفت بيا، حسيت إن فيه خنجر دخل في صدري، وقمت واقف وعروقي بتلعب من الغيظ، وقلت لها بصوت حاد: بنتي دي جزء مني، ولو سارة مش هتكون موجودة في فرحي ولا ليها مكان جنبي، يبقى غالبًا مفيش فرح من أصله، وسبت البيت وطلعت وقفلت الباب ورايا برزعته.
نزلت وأنا دمي محروق، ومش عارف أروح فين، دخلت محل آيس كريم واخدت سارة معايا عشان أهدي نفسي وما أبانش قدامها زعلان، وهي قاعدة قدامي بكل براءة الدنيا، بتاكل الآيس كريم وبتضحك وتقول لي: يا بابا أنا متحمسة أوي وشايلة هم الفستان، وتفتكر شارون… أقصد مريم هتختار لي فستان لونه إيه؟ أكيد هيبقى جميل أوي زيك يا بابا، الكلام ده نزل على قلبي زي السكينة التلمة، حسيت بدموعي محبوسة في عيني وببلع ريقي بصعوبة، بعت لمريم رسالة ناشفة قلت لها فيها إني هبات عند صاحبي الليلة عشان أعرف أفكر بدماغي وما أعملش مشكلة تكبر، وبعدها بدقائق، لقيت حماتي باعت لي رسالة طويلة عريضة بتقول لي إني مكبر الموضوع زيادة عن اللزوم، وإن بنتي مش فرض عليها تكون في الفرح، وإن تهديدي بإلغاء الجواز ده تصرف طفولي وما يطلعش من راجل عاقل، وهنا بدأت أفرك دماغي وأسأل نفسي في عتمة الليل، هو أنا بجد راجل أهبل ومكبر الحكاية ولا دي أصول تربية المفروض ما أتنازلش عنها؟
تاني يوم رجعت البيت عشان أتكلم مع مريم بهدوء وأفهم إيه الدماغ اللي بتفكر بيها دي، وأول ما قربت من الشارع، لقيت عربية حماتي واقفة قدام الباب كأنها قاعدة في نقطة تمركز، دخلت وتجاهلتها كأنها مش موجودة، ولقيت مريم قاعدة على ترابيزة المطبخ وساكتة وسرحانة، سحبت كرسي وقعدت قدامها وبصيت في عيونها مباشرة وقلت لها: تعالي هنا بقى وفهميني، ليه سارة مش مناسبة؟ وإيه السبب الحقيقي والعدل اللي يخليكي مش عايزاها تكون في فرح أبوها؟ فضلت ساكتة ومنزلة راسها في الأرض كأن على راسها ريشة، وبعدين رفعت عينها وقالت جملة حسيت بعدها إن الحيطان اتقفلت عليا، قالت بالحرف الواحد: كنت متوقعة إنه بعد الجواز، بنتك دي هتبقى مجرد طفلة بتشوفها في الإجازات والأعياد وبس، وسكتت لحظة وكملت ببرود يجمدم الدم: علشان كده مكنتش عايزاها تظهر في صور الفرح اللي هنعلقها في صالة البيت، لأنها أصلًا مش هتكون عايشة معانا بشكل دائم ومش هتكون جزء من حياتنا الجديدة، أنا هنا حسيت إن عقلي وقف عن الإدراك، حسيت إني كنت نايم خمس سنين في عسل متبل بالسم، وبكل هدوء من غير شتم ولا زعيق، مديت إيدي على صباعي وشلت دبلة الخطوبة وحطيتها على الترابيزة قدامها، وقلت لها بصوت هادئ يخوف: خلاص يا مريم، اللعبة خلصت، والعرض اتوقف، بدأت تعيط وتصوت وتقول إنها ممكن تتغير، وإننا مينفعش نهد خمس سنين عشان شوية صور وفرح، بس بالنسبة لي، الموضوع مبقاش صور وفرح، الموضوع إن الست دي كانت بتخطط من قبل ما ندخل القفص إني أرمي سارة ورا ضهري وأتخلى عنها، بصيت لها وقلت لها بحسم: تلمي هدومك وتسيبي البيت ده خلال أسبوع، وتيجي تاخد حاجتك في يوم تكون سارة مسافرة أو عند مامتها، والبيت ده بتاعي وبفلوسي ومش هتقعدي فيه دقيقة زيادة، خرجت من قدامها وهي بتلطم وتزعق، وبعدها بشوية لقيت أمها بتخبط على الباب بعنف وتقول إني ظالم بنتها وقاسي، بس كنت قافل الباب وشايف إن مفيش ست في الوجود تستحق إن أب يبيع ضناه عشان عيونها.

بدل ما أحجز شهر عسل في مكان رومانسي مع واحدة طلعت بوشين، أخدت فلوس الحجز وسافرت أنا وبولي… قصدي سارة أجمل رحلة في حياتنا لجزيرة هاواي، هناك عشنا أحلى أيام، بحر وشمس ولعب وضحك، سارة نسيت كل هم وصارت تضحك من قلبها، وفي الناحية التانية، مريم ما استسلمتش، فضلت ترن عليا وتعمل رسايل واتساب، ولما عملت لها بلوك من كل حتة، اتصلت بشغلي وبقت تسأل عليا لحد ما الناس في الإدارة استغربوا، ولما اتكلمت مع أخوها، عرفت السر الحقيقي، أمها هي اللي كانت حاطة السم في دماغها ومخلتهاش تتقبل إن بنت من جوازة سابقة تكون جزء من العيلة الجديدة، بس حتى لو ده العذر، فده أسوأ من الذنب نفسه، لأنها لو كانت بتحبني بجد وبتحب بنتي، كانت داست على كلام أمها بالحزمة مش داست على قلب بنتي، وعدت الشهور وبولي لحد النهاردة بتفتكر هاواي وتقولي يا بابا متى نرجع تاني، أما أنا، فخدت قراري النهائي وقدمت على أمر منع اقتراب رسمي ضد مريم وأمها عشان يرتاحوا ويبعدوا عن طريقنا، والحياة رجعت لطبيعتها الهادية الجميلة، وأنا وسارة بقينا سند بعض في كل خطوة، وعرفت متأخر إن الدم عمره ما يبقى مية، وإن الضنا هو السند الحقيقي اللي بيفضل فاقع في ضهرك لو الدنيا كلها ماليت عليك.
ومرت الشهور والسنين، والدنيا بتضحك لنا من جديد، جرح بنتي سارة التئم وبقى عبارة عن ذكرى بعيدة بتفكرنا إحنا قد ايه كنا أقوياء وإحنا واقفين في ضهر بعض، البيت رجع يملى بالضحكة الصافية وريحة الأكل الحلو والكلام اللي ملوش آخر، وسارة بقت شطورة في مدرستها وبتجيب أحلى المجموعات، وكل ما تبص لي بعينها اللامعة وتقولي يا أحلى بابا في الدنيا، بحس إن ربنا عوضني بمليون ملكة جمال قصاد الست اللي باعت عشان كبريتها وريتها، وفضلنا أنا وهي سايبين الهم ورا ظهرنا، وبانيين عالم خاص بينا، عالم محدش يقدر يدخله غير اللي يصون قلوبنا ويحافظ على ضحكتنا، وعرفت وقتها إن الحياة ممكن تبدأ من جديد وبشكل أحسن بكتير، طول ما معاك البنت اللي بتنور لك الدنيا بكلمة، والقلب اللي بينبض عشانك بجد، ومن يومها عشنا أنا وسارة في سعادة وراحة بال مفيهاش شائبة، والدنيا فتحت لنا أبواب الفرح والستر على أوسعها. حكايات منال عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *