حكايات زهرة الربيع الاول

ردت عليا ببرود يستفز الصخر: «أصل يا حبيبي وديته المغسلة ورجع برده حاسة فيه غبار، وأنا في شهور الحمل دي مش مستحملة أي تراب خالص عشان نَفَسي!».

​في اللحظة دي، حسيت بحد سكاكين بتمزق في قلبي. أمي الكبيرة المريضة واقفة توطي وتدعك سجاد تقيل، والهانم قاعدة حاطة رجل على رجل وبتاكل فاكهه ومش بتساعد بحجة الغبار! هنا أنا أخدت قرار حاسم.. المهزلة دي لازم تقف، والمهانة دي لازم يتاخد فيها موقف اللي يرّجع لكل واحد حجمه الطبيعي.

​بلعت غيظي، وتمالكت نفسي بالعافية، وبصيت لغادة وابتسمت ابتسامة مفيهاش أي معالم للغضب وقلتلها: «تمام يا حبيبتي.. إنتي عندك حق، صحتك وصحة اللي في بطنك أهم حاجة».

​بعد نص ساعة بالظبط، طلعت من جيبي المبلغ اللي كانت بتموت وتأخده عشان تشتري حاجات البيبي اللي بقالها شهر تتحايل عليا عشانه. أديتهولها وقلتلها بصوت هادي: «امسكي يا غادة.. انزلي دلوقتي هاتي كل لبس البيبي والحاجات اللي نفسك فيها، ومتستخسريش في نفسك حاجة».

​عينيها لمعت من الفرحة، ونسيت التعب والمرض والحمل في ثانية. قامت جرت غيرت هدومها، ونزلت وهي طايرة من الفرحة، مش مصدقة إن محمود نفذ لها طلبها بالسهولة دي.

​​بعد حوالي تلات ساعات، رجعت غادة البيت. كانت شايلة أكياس وشنط كتير ومبتسمة . حطت المفتاح في الباب، وفتحته وهي بتنادي بضحكة عالية: «محمود! أنا جيت يا حبيبي واشتريت حاجات تجنن للـ…».

​الكلمة اتجمدت في حلقها!

​أول ما خطت جوة البيت، وعينها وقعت على الشقة.. الشنط والأكياس كلها وقعت من إيدها وجسمها كله اتجمد في مكانه من الصدمة!

 

الشنط والأكياس كلها وقعت من إيدها، والابتسامة اللي كانت مالية وشها اختفت في لحظة، وحلت مكانها ملامح ذهول ورعب صافي. كانت واقفة عند العتبة مش قادرة تحرك رجلها خطوة واحدة لقدام، عينيها عمالة تروح وتيجي في أركان الشقة وهي مش مصدقة اللي شايفاه.

الشقة اللي سابتها من تلات ساعات بس، كانت متكركبة والسجاد مغسول ومستني يتنشر، اتحولت تماماً. الشقة كانت بتبرق، كل حاجة مترتبة بالمسطرة، الريحة عبارة عن معطر لافندر وبخور هادي، الأرضيات بتلمع، والسجاد اللي كانت أمي بتدعكه في الحمام اتنشر في البلكونة بطريقة محترفة. بس مش ده خالص اللي جمد الدم في عروق غادة وخلاها تقف زي صنم الرخام..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *