جوزى رمانى
الخرسانة السائلة بدأت تغطي جزمتها، والبرودة القاتلة للأسمنت اختلطت بحرارة دموعها. الألم كان بيمزق جسمها، لكن غريزة الأمومة كانت أقوى من الموت نفسه. جمعت آخر ذرة طاقة فيها، مدت إيدها جوه جيب الجاكت الداخلي اللي كريم ماحسش بيه وسط الرعب، وطلعت موبايل قديم “توشيبا” صغير زرارين كانت مخبياه للطوارئ — موبايل غير الذكي اللي رماه في قاع الحفرة.
بسرعة الضوء، وبصوابع بترتجف، ضغطت على زرار الاتصال السريع رقم (1)، ودلّت الإصبع التاني على إرسال رسالة نصية قصيرة تحتوي على اللوكيشن المباشر مع جملة واحدة: “الحقني يا سيف، كريم ورانيا بيقتلوني في موقع العاصمة”.
قبل ما الشاشة تطفي والبطارية تموت للأبد، ظهرت كلمة: تم الإرسال.
وقعت إيدها جنب جسمها، والخرسانة بدأت
توصل لركبتها. سمعت صوت ضحكات رانيا وهي بتقول لكريم:
ـ خلاص يا حبيبي، خلصنا.. لم عدتك والشغل بكرة يكشف الباقي.
ركبوا العربية العربية السودا، ودار المحرك وغاب صوتهم تماماً في هدوء الصحراء القاتل.
مريم كانت حاسة بالظلمة بتسحبها، والبرودة بتتحول لتخدير تام في جسمها، وبنتها جوه بطنها بتتحرك بحركات ضعيفة ومتألمة كأنها بتودعها. غمضت عينها وهمست بصوت مسجون:
ـ يارب… احمي بنتي.
على بعد كيلومترات قليلة، وفي استراحة فاخرة بقلب العاصمة الإدارية الجديدة، كان سيف الشاذلي — اللواء مهندس بحري سابق، ورجل الأعمال الأسطوري اللي بيدير أكبر مشاريع الإنشاءات في مصر — قاعد قدام مكتبه بيراجع رسومات هندسية.
فجأة، تليفونه الأساسي اتهز برسايل متتالية. بص في الشاشة، وقلبه انقبض بقبضة حديدية.
اللوكيشن الجغرافي للموقع “ع” الصحراوي، ورسالة أخته: بيقتلوني.
سيف مكنش راجل عادي ينفعل أو يصوت. ساب القلم من إيده، وعينيه اتحولت لنظرة صقر حادة تكفي لإحراق بلد. مسك جهاز اللاسلكي الخاص بالموقع، وبصوت هادئ لكنه مرعب ومجمد للدمار، قال:
ـ رجال العمليات.. فورًا، عربيات الدفع الرباعي تكون تحت الباب في خلال ثواني. وموقع “ع” يتطوق بالكامل، ممنوع ديبابة تفوت ولا عصفور يطير برة حدود المنطقة من غير إذن مني.
في أقل من خمس دقايق، كان سيف جوه عربية جيب سودا، ووراها أربع عربيات حراسة تابعة لشركته الأمنية الخاصة، طائرين على طريق العين السخنة بسرعة جنونية كأنهم في مطاردة حربية.