حماتى صحتنى يوم عيد ميلادى

بيها من الوحدة.
ردت دنيا بهدوء
كان ممكن تقولي.
ضحكت أمينة ضحكة قصيرة وجافة.
وقالت
أنا ما بعرفش أطلب مساعدة.
طول عمري بعرف آمر وبس.
كان أسهل عليا إني أنتقدك وأتحكم فيكي، بدل ما أعترف إني خايفة.
في اللحظة دي، فهمت دنيا الفرق بين إن الإنسان يشرح تصرفه…
وإنه يعتذر عنه.
خوف أمينة ممكن يفسر ليه أصرت تعيش معاهم…
لكنه ما يبررش إنها ترمي حلة ناحية سريرها…
ولا إنها تسخر منها قدام الجيران…
ولا إنها تسكت على خيانة ابنها وتعتبر دنيا هي السبب.
قالت دنيا بثبات
خوفك ما كانش يديكي الحق تدمري راحتي وحياتي.
أنزلت أمينة عينيها وقالت
أنا عارفة.
ودي كانت أول مرة في حياتها تعترف إنها غلطانة من غير ما تدخل في خناقة.
كملت
بكرة هرجع شقتي.
ابن واحدة صاحبتي هيساعدني أنقل الكراتين.
وسكتت شوية، وبعدها قالت
وإنتِ كنتِ مرات ابن كويسة.
أنا اللي قررت ما أشوفش ده.
وجعت الكلمات دي قلب دنيا.
لأنها كانت بالظبط الكلام اللي استنته منها طول السنتين اللي فاتوا.
الكلام جه متأخر…
لكنه ما كانش بلا قيمة.
قالت دنيا
لو احتجتي أي مساعدة أو استشارة طبية، ممكن تكلميني.
لكن إحنا مش هنعيش في بيت واحد تاني.
ردت أمينة
فاهمة.
قامت من مكانها، وشالت شنطتها.
وقبل ما تخرج، وقفت لحظة وقالت بصوت خافت
كل سنة وإنتِ طيبة.
أنا ما قلتهاش لكِ امبارح.
وبعدين خرجت وقفلت الباب وراها.
أول ما الباب اتقفل…
دنيا فتحت كل شبابيك الشقة.
دخل هوا دافي، ومعاه صوت العربيات من الشارع وريحة شجرة مزهرة قريبة.
ما حستش إنها انتصرت.
ما حستش إنها هزمت حد.
حست بحاجة واحدة بس…
المكان بقى أوسع.
كأنها أخيرًا عرفت تاخد نفسها.
رجع كريم بالليل.
قعدوا ياكلوا في صمت.
كل واحد غسل طبقه بنفسه.
وبعدين كريم قال اعتراف كان بيهرب منه بقاله سنين
أنا كنت عارف إن أمي بتظلمك.
كنت شايف إنها بتتجاوز معاكي.
لكن كنت بقول إن دي اختلافات في الطباع، علشان مواجهتها كانت بتتعبني.
بصت له دنيا وقالت
اختلاف الطباع إن اتنين يختلفوا يحطوا الفوط فين.
لكن اللي حصل هنا كان إساءة.
وإنت سمحت بيها.
كريم ما جادلهاش.
لأنه لأول مرة ما كانش عنده حجة.
خلال الأسبوعين اللي بعدهم…
دنيا فضلت تروح شغلها، تجمع أوراقها، وتدور على مكان جديد تعيش فيه.
شافت أربع شقق.
آخر شقة كانت صغيرة، لكنها مليانة نور.
تبعد عن الوحدة الصحية اللي بتشتغل فيها حوالي ربع ساعة.
المطبخ كان ضيق…
والبلكونة صغيرة جدًا…
لكن الشبابيك كانت بتدخل شمس طول النهار.
الإيجار ما كانش قليل…
لكنها كانت تقدر تدفعه.
وافقت على الشقة.
يوم النقل…
دنيا خدت الحاجات اللي تخصها هي بس.
هدومها…
كتبها…
ماكينة القهوة…
ملاياتها…
الكوباية الخضرا اللي بتحبها…
وكمان سجادة صغيرة كانت أمينة رمتها في الزبالة قبل كده، وقالت إنها شكلها رخيص.
ساعتها دنيا كانت طلعتها من الزبالة قبل عربية الجمع ما تيجي، ونضفتها وخبتها سنة كاملة.
دلوقتي…
فرشتها قدام باب شقتها الجديدة.
كريم ساعد في حمل الكراتين.
ما حاولش يمنعها.
وما طلبش منها تفضل.
ولما عربية النقل مشيت…
فضلت دنيا واقفة لوحدها وسط الصالة الفاضية.
ما كانش فيه موسيقى درامية…
ولا خطابات طويلة…
ولا حد واقف يسقف لها.
قعدت على الأرض، وعملت لنفسها كوباية قهوة.
وبصت لنور العصر وهو داخل من الشباك.
لأول مرة من وقت طويل…
الصمت ما كانش شبه الوحدة.
كان شبه الحرية.
بعد كام يوم، كريم اتصل بيها.
قال
البنك وافق على القرض.
أول ما التقييم يخلص، هحول لك المبلغ اللي اتفقنا عليه.
ردت
تمام.
سكت لحظة وبعدين قال
أنا وفرح…
قاطعته بهدوء
أنا مش محتاجة أعرف.
دي حياتك.
ما بقتش جزء من حكايتي.
قدموا طلب الطلاق بالاتفاق.
وبما إن ما كانش عندهم أولاد، وكانوا خلاص وقعوا اتفاق تقسيم الممتلكات، الإجراءات كانت بسيطة.
بعد ما خرجوا من مكتب التوثيق…
كريم ولع سيجارة.
وقال
كان لازم أوقف أمي من البداية.
وما كانش ينفع أخونك.
أنا افتكرت إن كل حاجة هتتحل لوحدها.
قالت دنيا
الحاجات ما بتتحلش لوحدها.
رفع عينيه لها وقال
سامحيني.
بصت له دنيا.
ما بقتش شايفة الراجل اللي كانت بتحبه…
ولا شايفة شرير نفسها تكرهه.
كانت شايفة شخص ضعيف، خد قرارات جبانة…
ودلوقتي لازم يعيش بنتايجها.
قالت
أنا مسامحاك.
مش لأن اللي عملته صح…
لكن لأني مش عايزة أفضل شايلة أذاه جوايا.
لكن المسامحة ما كانش معناها إنها ترجع له.
وقعت أوراقها…
ومشيت.
في شهر يونيو، وصل لها المبلغ كامل.
كريم نفذ الاتفاق لآخر جنيه.
وبعدها بأسبوع…
استلموا قسائم الطلاق.
اتمنوا لبعض التوفيق…
وكل واحد مشي في اتجاه مختلف.
دنيا حطت ورقة الطلاق في الدوسيه الأخضر، جنب عقد الشقة القديمة، وكشوف الحسابات، وعقد بيتها الجديد.
الدوسيه ده ما بقاش يمثل الخوف.
بقى دليل على إن الإنسان لما يحمي حقوقه ويستعد…
ده كمان نوع من أنواع الاهتمام بنفسه.
بعد شهر…
ظهر كريم فجأة قدام الوحدة الصحية اللي بتشتغل فيها دنيا.
كان خاسس…
وتحت عينه هالات…
وقميصه متكرمش.
خرجت له وقفت معاه على الرصيف.
قال من غير مقدمات
فرح سابتني.
لما عرفت موضوع القرض، وإن أمي مش هتعيش معايا، قالت إنها مش عايزة تدخل في مشاكل.
دنيا ما حستش بسعادة.
ولا حتى شفقة.
قالت
متأسفة.
رد بسرعة
أنا ما جيتش علشان تشمتي فيا.
أنا جيت لأني دلوقتي فهمت إن هي ما كانتش المشكلة الأساسية.
أنا كنت عايز حياة ما اضطرش فيها أخد أي قرار.
سبت أمي تهاجمك…
وسبتك تشيلي البيت…
وروحت لواحدة ما كانتش تعرف غير روايتي أنا.
ولما الدنيا اتعقدت…
لقيت نفسي لوحدي.
قالت دنيا
إنت مش لوحدك يا كريم.
عندك أمك…
وعندك شغلك…
وعندك فرصة تتحمل مسؤولية حياتك.
لكن أنا خلاص ما بقتش عندك.
هز رأسه وعينه لمعت بالدموع.
وسأل
عمرك فكرتي ترجعي؟
ردت بكل هدوء
لأ.
كانت إجابة بسيطة…
لكن وجعته أكتر من أي صريخ.
كملت دنيا
أنا ما مشيتش علشان فرح ظهرت.
أنا مشيت لأني اختفيت جوا بيتنا.
الخيانة بس هي اللي نورت النور وخلتني أشوف الحقيقة.
نزل كريم عينه للأرض.
وقبل ما يمشي، بص لباب الوحدة الصحية

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *