لقيت حفيدتي بتذاكر في الحمام
نهى اتخضت وطلعت بسرعة من المطبخ، وشها أصفر تمامًا والطبق وقع من إيدها اتكسر لمية حتة. وقفت قدامي وهي بترتجف وعنيها مدمعة: — ارجوكِ يا طنط.. ارجوكِ سيبينا في حالنا، إحنا ما صدقنا لاقينا مكان نستخبى فيه مؤقت!
في اللحظة دي، طلع أحمد من الصالة على صوت الكسر، وبمجرد ما شافني واقفة قصاد نهى وباصة ناحية باب المطبخ، فهم كل حاجة. مسك دماغه بإيديه الاثنين وقال بيأس: — خلاص يا نهى.. ما عادش ينفع نخبي أكتر من كده. أمي لازم تعرف.
ساعتها قلبي اتقبض أكتر. بصيت له واستنيت الكلام اللي هيزلزلني.
قال بصوت مكسور: — فكراني اتجوزت نهى وهي مطلقة وعندها بنت واحدة زي ما قلت لك زمان؟ الحقيقة مش كده خالص يا أمي.. نهى كان عندها توأم. بنتين بنات عمة أو أختين متطابقتين.. سلمى، وبنت تانية اسمها “مريم”.
فتحت عيني على وسعهم
وقلت بصوت بيترعش: — مريم؟! فين مريم دي؟!
نهى انهارت في العياط وقعدت على الأرض وهي بتعيط بحرقة: — مريم مش مجرد طفلة معاقة يا طنط.. مريم بعد الحادثة اللي حصلت لها من سنين، جالها نوع نادر من التوحد الحاد وصدمة عصبية بتخليها تخاف من النور القوي والأصوات العالية، وأي تجمع بشري بيجيلها نوبة تخليه تأذي نفسها. وفي نفس الوقت.. هي متعلقة بيا وبأختها بشكل جنوني، ومابتنامش ولا بتقعد غير في مكان ضيق وهادي يشبه الرحم.. زي الحمام أو الأوض الضيقة المقفولة.
أحمد كمل كلامه، وعنيه لمعت بالدموع: — لما شقتنا حصل فيها ماس كهربائي وحريق صغير دمر جزء كبير منها، ما لقيناش قدامنا غير بيتك عشان نقعد فيه الكام يوم دول لحد ما نظبط الأوضة اللي آخر الطرقة ونعزلها عشان تكون آمنة لمريم. بس كنا خايفين.. خايفين من كلامك القديم، خايفين ترفضي وجودها هنا، وخايفين إنها تزعجك بصراخها بالليل. عشان كده كنا مخبينها.. سلمى كانت بتذاكر جوه الحمام جنب الأوضة المؤقتة اللي قاعدة فيها أختها عشان تطمنها وتقرأ لها القصص وهي جوه، والهدوء اللي في الحمام كان بيساعد مريم تههدى!
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. حسيت إن الزمن بيرجع بيا لورا خمس سنين. تذكرت كلامي القاسي وقسوة قلبي زمان.. وكيف إن ابني
اضطر يكذب ويخبي عني حفيدته الثانية عشان كان خايف من جرحي القديم وقسوة حكمي.
دموعي نزلت غصب عني، بصيت لنهى وهي قاعدة على الأرض مكسورة، وبصيت لأحمد اللي مستني مني نظرة لوم أو رفض.
