فى غرفه الانعاش محمد نور
الجزء الثالث
لم يمر سوى شريط من الثواني حتى ساد صمت مطبق..
ثم سعلت “سارة”.
صوت سعلة ضئيل، لكنه كان بمثابة قبلة الحياة. شهقت بقوة، ثم فتحت فمها وأطلقت بكاءً مدوياً ملأ أرجاء الغرفة.
انثنت “مريم” على زوجها “طارق” وهي تبكي بحرقة، ولم يحاول أي منهما إخفاء دموعه. واصلت الممرضات الرعاية، وفحصن الرئتين، وضخن الأكسجين. لقد زال الخطر المفاجئ.. “سارة” على قيد الحياة!
على الصينية، كانت الخرزة الحمراء تلمع تحت الأضواء.. شيء متناهي الصغر، لكنه كان كافياً لتدمير عائلة بأكملها.
اقترب الطبيب من “حمزة” وقال له بامتنان:
— «لولاك لواصلنا علاجها على أنها حساسية.»
— «جدتي علمتني أن أنظر جيداً قبل أن أتكلم،» أجاب الفتى ببراءة.
التفت “طارق” إلى أمه:
— «”هند” حذرتكِ من ذلك.»
لم تجب “أمينة”. وهنا تدخلت إحدى الممرضات قائلة:
— «كنت في المطعم وقتاً مصادفة، وسمعت المربية تحذر من الخرزة، لكن السيدة طلب منها أن تصمت.»
أغلقت “مريم” عينيها، واحتلت المهانة والغضب مكان الخوف:
— «وعندما اختنقت ابنتي، طردتِ المربية لتلصقي بها التهمة!»
— «كنت مذعورة.. لم أقصد..» تلعثمت “أمينة”.
— «بل لم ترغبي في الاعتراف بأن شخصاً ترينه أقل منكِ كان على حق!» قاطعها “طارق”.
حاولت أمه التبرير:
— « أردت فقط أن تظهر العقيقة بشكل راقٍ.. كان هناك ضيوف وصحفيون..»
— «هذه هي المشكلة!» قالت “مريم”، «كنتِ تهتمين بمن يمتدحكِ، ولم تصغي لمن كان يحمي ابنتنا فعلاً.»
التفتت “أمينة” إلى “حمزة” وقالت بصوت منكسر:
— «أنا أسفة يا بني..»
رد الفتى بثبات:
— «لستِ مدينة لي بالاعتذار وحدي.. بل للمرأة التي طردتها أيضاً.»
نظر إليها “طارق” بذهول؛ ففي سن الثانية عشرة، أعطاه “حمزة” درساً في الأخلاق لم تتعلمه أي من مجالس إداراته. جثا “طارق” على ركبتيه أمام الفتى وقال:
— «وأنا أعتذر منك أيضاً.. عندما دخلت، نظرت إلى ثيابك أولاً وظننتك قادماً للتسول. ابنتي حية لأنك بَقيت رغم قسوة كلامنا.»
هز “حمزة” كتفيه ببساطة:
— «أردت فقط إعادة محفظتك، ثم رأيت الطفل.»
سحب “طارق” هاتفه وقال:
— «أخبرني ماذا تحتاج.. مالاً، مكافأة، أي شيء.»
— «لا أريد مالاً لقاء مساعدة أحد.»
— «إذن دعني أرد لك الجميل بطريقة أخرى.»