حكايات زهرة الربيع الثاني
ترجل من السيارة السوداء الفخمة رجل في منتصف الخمسينيات، يرتدي بدلة رسمية أنيقة شديدة السواد، وتكسو وجهه ملامح حادة تعرف العظمة والصرامة. لم يكن هذا الرجل سوى “الحاج إسماعيل النويري”، أكبر وأقدم استشاري قانوني ورجل أعمال في الإسكندرية، وهو في الوقت نفسه العمه الأكبر للعريس “عمر”، والشخصية التي تهابها عائلة النويري بأكملها ولا يقطع أحد في حضورها أمراً.
توقفت خطواتي على عتبة الفندق الخارجية، وزياد ما زال متمسكاً بعنقي، بينما تنفسه البطيء يشي ببدء استسلامه للنوم بعد كل هذا الرعب والجهد. نظر إليّ الحاج إسماعيل بنظرة فاحصة، ثاقبة، خالية من العاطفة السطحية، ولكنها محملة بتقدير يتوارى خلف وقاره.
وقف أمام الباب، ونظر إلى وجه زياد المتعب، ثم إلى ركبته الضمادة الصغيرة التي علقت بها آثار الدماء الخفيفة، وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، قال بصوت جهوري هادئ يحمل نبرة حسم لا تقبل الجدال:
* “ابنك مش لازم يفضل واصل في البرد ده يا مدام سما.. اتفضلي اركبي العربية، الحسابات الكبيرة ما تتقفلش في الشارع، والمهزلة اللي جوة دي أنا جيت مخصوص عشان أحط لها حد.”
ترددتُ للحظة. كيف لرجل بهذه المكانة، وعم العريس الذي أفسدتُ فرح ابن أخيه قبل دقائق، أن يتعامل معي بهذا الهدوء؟ لكنني رأيت في عينيه شيئاً مختلفاً عن نفاق سعاد وضعف ماجد.. رأيت حقاً يطلب صاحبه.
ركبتُ السيارة في المقعد الخلفي، وأغلقتُ الباب. كانت الرائحة داخل السيارة تعبق بالهدوء والأمان الذي حرمتُ منه لسنوات. وضعتُ زياد بجانبي، وعدلتُ وضع رأسه على أحضاني ليستغرق في نوم عميق، بينما فتح الحاج إسماعيل الباب الأمامي وقال لسائقه:
* “انتظر هنا.. لما ينزل حسين وابنه عمر، قولهم الحاج إسماعيل مستنيكم في صالون VIP بالقاعة الداخلية.”
ثم التفت إليّ من المقعد الأمامي وقال بثبات:
* “أنا كنت متابع الفرح من بدايته عن طريق التقرير المالي اللي تبعث لي من إدارة الفندق.. أنا شريك في مجموعة الفنادق دي يا مدام سما، ولما وصلني إن فيه تلاعب في فواتير الحجز باسم عائلة سعاد، وإن فيه مبالغ اتخصمت باسمك أنتِ كمحاسبة الشركة، طرت من الإسكندرية عشان أفهم. بس اللي ابنه قال بالميكروفون جوة، كان أكتر بكتير من مجرد تلاعب في أرقام.. ده تلاعب بأصول ونفوس.”
