طليقي عزمني علي حفلة حكايات انجى الخطيب الثاني والاخير
لاح، وعينيها لمعت في الضلمة بثقة وإصرار:
— “انزلوا بالحيود الحبلية فوراً.. مش عايزة ولا طلقة تضيع. اللي يرفع س\لاحه ينزل في المية.. والكبير عايزه حي عشان يتربى.”
في لحظات، اتفتحت أبواب الهليكوبتر، ونزلت الحبال، ونزلت القوات الخاصة زي الصقور على سطح اليخت في ظلام الليل وسط صدمة الحراس الأجانب اللي مالحقوش حتي يرفعوا أسلحتهم!
الرصاص أشتغل في كل مكان، وأصوات الانفجارات وقنابل الصوت كانت بتهز المية حوالين اليخت. سلمى نزلت أول واحدة على السطح، وتفادت ضربة آلي من حارس أجنبي، وضربته بدقة في رجله، ودخلت تقتحم الصالون الرئيسي لليخت بفرقعة الباب بالرجل.
جوة الصالون الفخم، كان قاعد رجل أعمال أجنبي ستيني، ملامحه باردة، وجنبه السمسار المصري اللي كان ماسك شنطة دولارات ضخمة ولابسة زيه الأنيق.
أول ما شافوا سلمى والقوات العسكرية داخلة بالأسلحة والموجهة لصدورهم، السمسار الشنطة وقعت من إيده والدولارات اترمت على الأرض، وجسمه بدأ يترعش.
أما الملياردير الأجنبي، فابتسم ببرود رفيع، وقال بالإنجليزية بنبرة متكبرة وهو بيعدل جرافاته:
— “أنتِ مش فاهمة أنتِ بتتعاملي مع مين يا سيادة الضابطة.. أنا عندي حصانة ونفوذ يخلي حكومات كاملة تقف على رجل. ورقة واحدة مني وهكون برة مصر خلال ساعات.”
سلمى قربت منه بخطوات هادية، وسحبت س\لاحها، وحطت فوهة المس\دس في نص جبهته بالظبط، وقالت باللغة الإنجليزية بصوت واطي ومسموم يطير العقل:
— “حصانتك ونفوذك تحطهم في جيبك وأنت داخل السجن الحربي.. أنت مش بتتعامل مع حكومة أو أوراق.. أنت بتتعامل مع أم كانت هتموت ابنها عشان طمعك القذر.”
مسكت سلمى إيده وضغطت عليها بقوة ولفتها ورا ظهره، وحطت الكلبش الصديد في إيده بكل قسوة، وبصت للسمسار المصري اللي كان هيغمى عليه من الخوف وقالت للقوة:
— “افحصوا الشنط وفتشوا اليخت بالكامل.. وحاتولى السمسار ده على الإدارة فوراً.”
في اللحظة دي، تليفون الملياردير الأجنبي رن على الترابيزة. سلمى بصت للشاشة، ولقيت الاسم اللي ظهر عليها مفاجأة صدمت حتى سلمى نفسها!
الاسم اللي ظهر على الشاشة كان “الدكتور رمزي.. رئيس المنظمة”. السمسار المصري لما شاف الاسم اتنفض من الخوف وكأن الروح بتتسحب منه.
سلمى فتحت الخط، وحطت الموبايل على المكبر، وصوت راجل عجوز بلهجة أجنبية صارمة خرج من السماعة:
— “هل العملية تمت؟ الطفل عمر على ظهر اليخت؟ الطائرة جاهزة للإقلاع من مطار الملاحة.”
سلمى ابتسمت ابتسامة ثلجية، وقربت الموبايل من شفايفها وقالت بإنقليزي واضح ونبرة تهز جبال:
— “الطفل عمر في حضن أمه يا دكتور رمزي.. والرجال بتوعك بالكلبشات على ظهر اليخت، والطيارة الهليكوبتر الهجومية فوق دماغك أنت شخصياً في مقرك خلال دقايق.”
الراجل سكت ثواني من الصدمة، وقبل ما ينطق كلمة، سلمى قفلت السكة في وشه، وبصت للعميد وقالت:
— “تتبع فوراً مصدر المكالمة دي.. هاتوا الباقيين كلهم، مش عايزة جحر في الشبكة دي يفضل مقفول.”
وبالفعل، في أقل من 24 ساعة، كانت أكبر شبكة دولية لتهريب الأعضاء والتزوير والتجارة بالبصمات الوراثية بتتفكك حجر حجر. القوات الخاصة داهمت مقر المنظمة بره وجوه مصر، والقبض طال كل الاسم الكبيرة اللي كانت فاكرة نفسها فوق القانون.
بعد أسبوعين.. قدام المحكمة العسكرية العليا بالقاهرة.
الساحة الخارجية كانت مليانة صحافة وإعلام وضباط من كل الأجهزة. قفص الاتهام جوه القاعة كان فيه العقيد المجهد محمود عبدالرحمن، وأخته الدكتورة نهى، واللواء المتقاعد رضا الغندور، والسمسار والمليارضير الأجنبي. كلهم بلبس السجن الأزرق، وكسرة النفس والندم باينة على وشوشهم.
محمود كان قاعد في زاوية القفص، دقنه طالت، وعينيه دبلانة، مبيسيبش باب القاعة ببنظراته.. كان مستني معجزة، أو مستني يلمح أطفاله الأربعة للمرة الأخيرة.
وفجأة.. اتفتح الباب الرئيسي للقاعة.
دخلت المقدم سلمى عبدالرحمن، طالة بهيبتها في الزي العسكري الرسمي الكامل، والدبوس الذهبي بيلع على صدرها. وعلى يمينها وشمالها كانوا الأربعة.. آدم، وعمر، ومريم، وليان. الأربعة لابسين بدلات صغيرة شيك، وبيمشوا بثبات وثقة جنبي أمهم، وعيونهم الرمادية بتلمع بالفخر.
القاعة كلها سكتت، والصحفيين بدأوا يصوروا المشهد التاريخي ده.
محمود جرى على قضبان القفص الحديدية، ومسك فيها بكل قوته، والدموع نزلوا من عينيه زي المطر، وصصرخ بصوت مكسور يقطع القلب:
— “سلمى! الولاد! آدم.. عمر.. مريم.. ليان! بصوا لبايا يا حبيبي.. أنا بابا يا ولاد!”
الأطفال الأربعة وقفوا جنب سلمى. مريم مسكت إيد أمها جامد، وعمر وآدم بصوا لمحمود بنظرة هادية جداً خالية من أي خوف أو كره.. نظرة غريب بيشوف حد ما يعرفوش.
آدم قرب خطوة صغيرة من القفص، وبص لمحمود وقال بوضوح وصوت مسموع للقاعة كلها:
— “حضرتك مش بابا.. أنت الراجل اللي سابنا قبل ما نتولد، وحاول يهد حياتنا.. ماما هي بابا، وهي سندنا، وهي كل حاجة في دنيتنا.”
الكلمات دي نزلت على محمود زي السكين، صرخ وغطى وشه بـإيديه المقفولة بالكلبش وقعد على أرضية القفص ينتحب بانهيار، في الوقت اللي كانت أخته نهى بتعيط بجنون، والحاجة نوال قاعدة في الصفوف الخلفية للمحكمة بتشهق وتبكي بحرقة وهي بتشوف ابنتها وابنها بيضيعوا قدام عينيها، ومحرومة من لمس أحفادها الأربعة اللي انحرمت منهم بظلمها.
القاضي ضرب بالمطرقة على الخشب، وصوت الحكم هز القاعة:
— “حكمت المحكمة العسكرية حضورياً: أولاً، تجريد الملازم/ العقيد محمود عبدالرحمن من رتبته العسكرية وطرده من الخدمة، والسجن المشدد لمدة 25 سنة. ثانياً، السجن المشدد 25 سنة للدكتورة نهى عبدالرحمن واللواء رضا الغندور والمتهمين الأجانب في قضايا الخيانة العظمى والتزوير ومحاولة الخطف والاتجار بالبشر.”
مع ضربة المطرقة الأخيرة، سلمى أدت التحية العسكرية للرئيس القضاة بكل احترام، وتلتفت بجسمها بثقة.
خرجت سلمى من باب المحكمة، والنور كان طالع والشمس بتدفي المكان. الهوا كان نقياً، والأطفال الأربعة حوطوها من كل جانب، ماسكين إيديها وبيضحكوا.
آدم بص لسلمى وابتسم بالغمازة اللي في خده وقال:
— “ماما.. هنروح فين دلوقتي؟”
سلمى نزلت لمستواهم، وابتسمت أجمل ابتسامة في حياتها، ونظرتهم بنظرة أم حمت أولادها من العالم كله وانتصرت:
— “هنرجع بيتنا يا حبيبي.. هنرجع عشان نبدأ حياتنا بجد، من غير كدب، ومن غير خوف.. وأنتم مرفوعين الراس للأبد.”
ومشيت سلمى عبد الرحمن مع توأمها الرباعي في خطوة واثقة نحو المستقبل، وراها اسم محفور بالذهب في تاريخ التحريات، وقدامها أربع أبطال صغار هيكونوا سندها وحمايتها طول العمر.
تمت
حكايات انجى الخطيب