فى يوم عيد الام

​”أكيد يعني.”
​لما نزلت، أمي كانت واقفة على الباب ومكسورة ومقشرة، وماسكة شنطة ورقية.
​لثانية واحدة، حسيت إني رجعت طفلة عندها 11 سنة تاني.
​افتكرتها وهي قاعدة مستنياني على ترابيزة المطبخ بعد ما جبت جيد جداً بدل ممتاز.
افتكرت نظرة الخيبة على وشها لما اخترت الكلية بعيد عن بيتها.
افتكرت وأنا عندي 23 سنة وهي بتقول لقرايبنا إن أحمد “محتاج مساعدة وظروفه صعبة” بينما أنا “مستقلة وتعرف تدبر حالها.”
​ومع الوقت، فهمت يعني إيه كلمة “مستقلة” في عيلتنا.
دي الكلمة اللي بيستخدموها لما يعوزوا يدوني أقل حاجة، ويطلبوا مني أكتر حاجة!
​فتحت الباب من غير ما أقولها ادخلي.
​”أهلاً يا أمي.”
​كان باين عليها التعب.
شعرها الملموم لورا، ولابسة الجاكيت البيج اللي بابا كان جايبهولها من سنين.
​”أنا جيبالك علبة الأكل بتاعتك.”
​بصيت للشنطة.
​”أنتِ مسافرة ساعتين عشان ترجعي علبة فاضية؟”
​”قلت نتكلم.”
​”نتكلم هنا.”
​شفافها اتشدت: “على الباب؟”
​”أيوة.”
​بصت ورايا: “طارق جوة؟”
​”أيوة.”
​”أنا مش عايزة جماهير تسمعنا.”
​”مفيش جماهير.”
​بصتلي وقالت، وبعدين حطت الشنطة على الأرض: “أنا قلت إني أسفة.”
​”لا. أنتِ قلتي ما كانش المفروض تقولي كده.”
​”يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! يادي العقد!”
​أهي دي أمي الحقيقية.
مش النسخة الناعمة بتاعة التسجيل الصوتي.
النسخة الأصلية.
​كنت هبتسم.
هي لاحظت.
​”إيه؟”
​”ولا حاجة.”
​”لا، قولي!”
​”أنتِ زعلانة ومتغاظة عشان الاعتذار ما رجعلكيش السيطرة عليا والفلوس فوراً.”
​وشها احمر: “ده كلام عيب ويتقال!”
​”واللي اتقال يوم الأم لما تمنيتي ما أكونش بنتك كان إيه؟”
​”قلتلك ما كانش قصدي!”
​”جد؟ ما كانش قصدك؟”
​بصت بعيد.
​والحركة دي وجعتني أكتر ما توقعت.
مش عشان كنت محتاجة إجابة.
عشان اكتشفت إني خلاص عرفت الإجابة.
​أمي بتحبني.. بطريقتها.
بس هي برضه كانت شايلة مني وناقمة عليا من سنين.
​كانت ناقمة إني سبت البيت وركبت دماغي وكملت علامي وشغلي بشروطي.
كانت ناقمة إني بكسب أكتر من أحمد.
كانت ناقمة إني باخد قرارات حياتي من غير ما أستأذن.
وأكتر حاجة كانت خنقاهًا، إن بابا في أيامه الأخيرة كان بيثق فيا أنا في أمور الفلوس والمصاريف.
​بعد ما بابا مات، بقيت أنا الشخص اللي هي معتمدة عليه كلياً وفي نفس الوقت الشخص اللي بتلومه على كل حاجة.
​”أمي،” قلتلها، “هو أنتِ ليه شايفه إنني مديونة لكِ؟”
​عينيها جت عليا بسرعة: “أنا عمر ما قلت إنك مديونالي!”
​”أنتِ طول الوقت بتفكريني بتضحياتك عشاننا.”
​”عشان أنا ضحيت فعلاً!”
​”أنتِ اللي اخترتي تخلفي وتجيبي عيال.”
​”ده مش معناه إن الموضوع كان سهل!”
​”أنا عمر ما قلت إنه كان سهل.”
​”أنتِ ما تعرفيش أنا تنازلت عن إيه وعشت إزاي!”
​”وأهو ظهر تاني.”
​”إيه هو؟”
​”الوصل.”
​كشرت: “وصل إيه؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *