يوم السفر
حصري لصفحة روايات رولا
صباح يوم السفر، خطيبتي بعتتلي مسج: “أنا لغيت تذاكر ولادك عشان عيلة أختي. استخدم الكارت الساحلي بتاعك وجيبلهم جناح VIP، أصل الكلب بتاعهم محتاج مساحة.” هي بدلت ولادي بكلب في رحلة متكلفة 9,400 دولار. أنا ابتسمت ببرود وطلبت البنك. ولما عيلتها المغرورة راحت بثقة لشركة السياحة عشان يستلموا التذاكر، وشوشهم الصفرا اتخطفت تماماً لما…
أنا رديت بكلمة واحدة بس: “تمام.” وعلى نص الليل، كنت بدأت أظبط خطة هتفرتك الحياة اللي هي كانت فاكرة إنها أمنت نفسها فيها.
الرسالة جتلتي وأنا بسجل دخول لزوجين من السويس.
اللحظة دي عللمت معايا جداً.
مش عشان الدم اللي غلى في عروقي.
ولا عشان إيدي اللي سقعت فجأة.
لا، عشان الابتسامة اللي قدرت أحافظ عليها على وشي.
كنت شغال في الريسبشن في فندق “البارون” في وسط البلد في القاهرة. اللوبي كان دافي، والإضاءة الصفرا مالي المكان، وريحة القهوة مع المعطرات مغطية على كل حاجة، وصوت شنط السفر وهي بتتجر على البلاط. واحد ضيف كان بيهزر وبيقول إنه بعد مسافة الطريق من السويس مع توأم، عيلته تستاهل معجزة. أنا ضحكت تلقائياً. ما هي دي شغلتك واللي اتعلمته.
تفصل تماماً.
تفضل بشوش.
تفضل هادي ومسيطر.
فجأة تليفوني اتهز جنب الشاشة.
نورهان.
هي تقريباً عمرها ما بتبعثلي في الشغل إلا لو الموضوع فيه فلوس أو تعديلات في آخر لحظة على خطط هي أصلاً كانت مغيرَاها قبل كده.
كنت متوقع حاجة هبلة وتفاهة من بتاعتها. بس لقيتها كاتبة:
“أنا اتكلمت مع أختي وأدينا أماكن يوسف وجنى لعيلتها. بصراحة هما فرفوشين أكتير ومناسبين للرحلة دي هههه.”
وقبل ما ألحق أستوعب الكلام، بعتت مسج تاني:
“أه، ورقي أوضة مريم لجناح الـVIP اللي ببيسين خاص. هما جابوا الكلب التريير بتاعهم ومحتاجين مساحة أكبر. أنا بحجز دا كله بالكارت الساحلي بتاعك.”
قريتها تاني. وبعدين قريتها تالت.
ولادي.
مش كراسي فاضية. ولا حجوزات زيادة. دول ولادي أنا.
يوسف كان عنده حدشر سنة ومبهور بڤيديوهات السفر عشان لما نسافر “يبقى فاهم في الإتيكيت”. وجنى كان عندها سبع سنين وكانت بتجهز شنطتها بتركيز وهي ماسكة ورقة بتلمع وبتقولي بجدية: “أسأل بابا هو الفلامنجو بيعض؟”
هما اتمسحوا من رحلة أنا اللي دافع ثمنها—عشان كلب أختها يتقلب براحته وياخد مساحته.
”يا فندم؟” الضيف سألني. “حضرتك بخير؟”
بصيتله وابتسمت.
“كل حاجة زي الفل،” قلتها.
صوتي كان طالع طبيعي جداً. وده أكتر شيء يخوف في الموضوع.
خلصت تسجيل الدخول وكأن مفيش أي حاجة حصلت. وما قريتش الرسالة تاني غير لما باب الأسانسير اتقفل.
في غضب بيولع ويتحرق. بس الغضب بتاعي اتحول لشيء ساكت.. وبرد زي التلج.
الأول، كان لازم أفهم إيه اللي بيحصل بالظبط. فتحت الجروب اللي نورهان كانت عاملاه للرحلة. ولقيت أخويا كريم رادد.
“أنا قاعد مستمتع بالفيو من دلوقتي. وأحسن قرار عملته إني أخدت البورش بتاعة مازن للأسبوع. جه الوقت بقى إن النص الميت في العيلة يتركن على جنب.”
فضلت باصص للرسالة لحد ما فكي اتشنج من كتر الضغط.
يعني الموضوع مش طلعت هي بس. أخويا ابن أمي وأبوي كمان عارف. بيلف بعربيتي وبيدلع نفسه وبيضحك على ولادي. كريم اللي بقاله شهور قاعد في الملحق بتاع بيتي، بياكل ويشرب ببلاش. ونورهان عايشة في عز وفيلا أنا اللي دافع ثمنها. وكانت بتقول عليها “بيتنا”.
بس هي كانت “بيتنا” طول ما أنا ساكت وما بفتحش بوقي ولا بطلب حاجة.
رديت بكلمة واحدة بس:
“تمام.”
وبعدها قفلت الموبايل وخلصت شيفتي.
على الساعة ستة وخمسة، قفلت باب مكتبي. ملف الرحلة كان لسه مفتوح قدامي على اللاب توب. الجونة. الطيران. الفندق. الانتقالات. حجوزات المطاعم.
أنا ملغيتش الطيران بس. لو كنت عملت كده كنت هديtagهم اتناشر ساعة يترعبوا ويعملوا حوارات ويدوروا على حل. أنا كان في دماغي خطة تانية خالص.. أهدى بكتير، وأبرد بكتير.
هما كانوا فاكرين إنهم طالعين على الجنة الصبح. مكنوش يعرفوا إنهم اصلاً بيقعوا من على الهاوية…
تسجيل الدخول في فندق “البارون” في وسط البلد بالقاهرة كان مثال حي للدفء المصنوع. الإضاءة الصفرا المتدلية كانت بتعكس ضوء خفيف وناعم على الرخام الإيطالي المستورد، ومطعم المكان بريحة القهوة الاسبريسو المحمصة ونظافة المعطرات الغالية. وصوت المزيكا الهادية مع خبط عجل شنط السفر على البلاط كان بالنسبة لي زي نغمة مريحة متعود عليها كل ليلة. أنا قضيت 16 سنة في مجال الفنادق والضيافة، والريسبشن ده كان ملجأي وأماني.
كانت الساعة 4:15 بعد الظهر يوم الخميس. وقت الزحمة والضغط.
”بقولك إيه يا صاحبي،” الراجل الضيف اللي واقف قدامي قالها وهو بيمسح نقطة عرق من على أورته. كان باين عليه التعب والهلاك زي واحد طالع من حرب. “سفرية 11 ساعة في عربية فاميلية مع توأم أطفال! إحنا محتاجين معجزة.. أو على الأقل نخرج متأخر يوم الحد.”
طلعت مني ضحكة سهلة ومتدرب عليها. دي الضحكة اللي الشغلانة بتعلمها لك—ضحكة دافية، فيها تعاطف، وهادية تماماً. “أنا فاهم حضرتك جداً يا فندم. خليني أشوف إيه المعجزة اللي أقدر أطلعها لك من السيستم. هظبط لحضرتك خروج الساعة 2 الضهر يوم الحد، وهبعت للتوأم لبن وبسكويت هدية من الفندق على الأوضة. إيه رأيك؟”
بص لي وكأني لسه مدي له ورقة حظ كسبانة. “أنت حد جميل والله.”
تليفوني، اللي كان محطوط على جنب جنب الشاشة، اتهز بهزة حادة وسريعة.
نورهان.
خطيبتي نادر جداً لما تبعتلي رسالة وأنا في الشيفت، إلا لو فيه مصيبة، أو طالبة تحويل فلوس، أو تعديل في آخر لحظة على خطة هي اصلاً غيرتها مرتين قبل كده. فضلت باصص للشاشة وأنا بطبع كروت الأوضة للضيف، ومستني حاجة تافهة تضايقني.. حجز مطعم اتنسى، أو شكوى من بتوع الأكل في فرحنا اللي قرب.
بس بدل ده، أول ما بصيت تحت، الكلام اللي كان مكتوب على الشاشة المنورة هدم وشقلب كيان حياتي كلها.
”أهلاً يا حبيبي. بص إحنا اتكلمنا وقررنا ندي أماكن يوسف وجنى لعيلة مريم أختي. هما فرفوشين أكتر ومناسبين للسفرية دي هههه. الولاد أصلاً كانوا هيزهقوا.”
أنفاسي اتجمعت. الهواء في صدري تحول لثلج.
قريتها تاني. وبعدين قريتها تالت.
ولادي. يوسف كان عنده حدشر سنة. بقاله 3 شهور بيتفرج بشغف على فيديوهات عن الجونة والغطس عشان بس “يبقى فاهم ومستعد” لما نسافر. وجنى كان عندها سبع سنين. إمبارح بالليل بس كانت بتوريني قائمة الحاجات اللي هتأخدها في شنطتها وهي كاتباه بالجليتر، وبتبصلي بكل براءة وتقولي: “هو الفلامنجو بيعض يا بابا؟”
هما مش بس اتلغى حجزهم من طيارة. هما اتمسحوا من رحلة أنا اللي دافع كل جنيه فيها من جيبي، وببساطة عشان أخت نورهان تاخد مكانهم. عشان ولادي مش “فرفوشين” كفاية بالنسبة لهم.
وقبل ما عقلي يلحق يستوعب كمية القسوة والانعدام في الرسالة الأولى، بعتت مسج تاني:
”أه، وعلى فكرة، ترقيلي أوضة مريم للجناح الـVIP اللي ببيسين خاص. هما قرروا يجيبوا الكلب التريير الصغير بتاعهم ومحتاجين مساحة أكبر. الكارت الساحلي بتاعك معايا، فخلي شركة السياحة أو الفندق يسحبوا منه. بحبك! متحمسة أوي لبكرة!”
كلب. بدلت ولادي وددمي بعيلتها وكلب أختها عشان محتاج مساحة.
”يا فندم؟” صوت الضيف صحاني ورجعني. “حضرتك كويس؟ وشك اصفر فجأة.”
رفعت وشي. التدريب والشغل اشتغلوا فوراً. الابتسامة رجعت لوشي، مظبوطة بالملي، وفاضية تماماً.
”كل حاجة تمام جداً يا فندم،” قلتها وأنا بنديك كروت الأوضة الممغنطة. صوتي كان طالع طبيعي بشكل مرعب. ناعم. متزن. وده كان أكتر شيء يخوف. “الأسانسير بعد البيانو الكبير على شمالك. الفطار من ستة لعشرة. إقامة سعيدة.”
فضلت باصص عليهم وهما ماشيين لحد ما باب الأسانسير اتقفل. اللوبي كان لسه دافي. مزيكا الجاز لسه شغالة. بس جوايا، كان فيه سکوت وتلج مالي المكان بشكل مرعب.
في غضب بيولع ويتحرق. يخليك تزعق وتكسر وتتصرف بطيش. بس الغضب بتاعي ما حرقش. الغضب بتاعي ااتجمد. تحول لشيء ساكت، ومحسوب، وتلج خالص.
ما رديتش على نورهان. مش دلوقتي. فتحت الجروب اللي هي كانت عاملاه للرحلة—اللي أنا كنت عامله ميوت من كتر رغيها هي وأختها. قعدت أقلب في الرسائل بتاعة بعد الضهر. كنت محتاج أشوف المصيبة دي واصلة لحد فين.
ولقيتها. رسالة من كريم، أخويا الصغير.
كريم بقاله 8 شهور قاعد في الملحق بتاع بيتي، ببلاش، على أساس بيحاول يوقف على رجله ويظبط حياته. أنا اللي بدفع الفواتير، وبملى التلاجة، وعمري ما طلبت منه مليم.
الرسالة بتاعته، المبعوتة من ساعة، كانت: “مستمتع بالفيو من دلوقتي. إني أخد العربية البورش بتاعة مازن للأسبوع ده كان أحسن قرار. جه الوقت بقى إن النص الميت في العيلة يتركن على جنب. المشروبات عليا بكره في الاستراحة بتاعة المطار.”
في حاجة اتكسرت جوا صدري.
الموضوع مش مجرد خطيبة طماعة ومعندهاش دم. ده أخويا. كانت ملعوبة ومتفق عليها ونكتة مضحكة بين ناس عايشين تحت سقفي، بياكلوا أكلي، وبيصرفوا من فلوسي. هما قرروا إن ولادي هما “النص الميت في العيلة”.
إشعار طلع على الشاشة. نورهان تاني.
”شفوت الرسائل؟ محتاجة تؤكدلي الترقية بتاعة الأوضة.”
صوابعي وقفت فوق الكيبورد. ما كتبتش كلام غضب وزعيق. ما هددتهمش. أنا إديتهم الحبل اللي هما طلبوه بالضبط عشان يشنقوا بيه نفسهم.
”تمام،” كتبتها.
قفلت التليفون، وحطيته في جيبي، وابتسمت للضيف اللي بعده وهو مأرب على الريسبشن. الرحلة للجونة كان ميعادها بكرة الساعة 9 الصبح. هما فاكرين إنهم طالعين على الجنة.
مكنوش يعرفوا إنهم أصلاً بيقعوا من على الهاوية…
على الساعة 6:07 مساءً بالضبط، سلمت الريسبشن لمدير الشيفت الليلي، ودخلت مكتبي الخاص وقغلت الباب بالمفتاح.
ملف الرحلة كان لسه مفتوح قدامي على اللاب توب. الجونة. تذاكر طيران الفئة الأولى. فندق خمس نجوم الشامل كل حاجة. عربية خاصة للتنقلات من وإلى المطار. حجوزات مطاعم خاصة على البحر. خروجات ورحلات بحرية. جناحين وأوضة بتطل على البحر، اللي نورهان كانت بتقول عنها بكل حماس: “دي الأوضة المثالية عشان نعمل ذكريات لعيلتنا الجديدة.”
اللحظة خاطفة، وش يوسف جه في بالي—الحزن والكسرة الساكتة اللي كان هيحاول يداريها لما أقوله إنه مش جاي معانا. واللخبطة اللي كانت هتبقى في عينين جنى الصغيرة. الفكرة دي كانت هتكسر ثباتي، بس ضغطت على نفسي، وتحول الوجع ده لتركيز وتصميم صلب مفيش فيه أي تردد.
أنا مش هقول لولادي إن حجزهم اتلغى. أنا هقولهم إن خطتنا اتحسنت وبقت أحسن بكتير.
بس الأول، كان لازم الطفيليات دي تتشال وتتمسح من حياتي.
نورهان قضت سنتين بتتسلل وتسيطر على حياتي بالتدريج. كانت بتقول على بيتي “بيتنا”، بس اسمي أنا اللي مكتوب في عقد الفيلا. كانت بتسوق عربية مرسيدس أنا اللي دافع ثمنها. عايشة في عز وبترفه نفسها بكروت سحب متصلة بحساباتي، وفي نفس الوقت بتعامل ولادي كأنهم ضيوف تقال على قلبها مضطرة تتحملهم كل كم أسبوع.
كانت فاكرة إني ضعيف وبسكت. فاكرة إني ببعد عن المشاكل عشان شخصيتي ضعيفة. مكنتش فاهمة إن طولة بالي دي مجرد جزء من هدوئي وانضباطي. والنهاردة، الانضباط ده هينزل عليهم زي السيف.
فتحت موقع شركة السياحة والطيران.
الماوس كان واقف فوق زرار “إلغاء الحجز” الأحمر. بس قبل ما أضغط، وقفت لحظة.
لو لغيت الحجز دلوقتي، هيجيلها إيميل. هيفضل معاه اتناشر ساعة تترعب، وتعمل حوارات، وتحاول تتصرف وتصلح المصيبة، أو الأوسخ من كده إنها تيجي بيتي وتخوف الولاد وتعمل دراما.
لا.. ده كده تساهل وسهلة أوي. العقاب لازم يكون على قد الجرم بالضبط.
طلبت رقم مدير حساباتي الخاص في البنك. رد عليا من تاني رنة.
”أهلاً يا مازن. مساء الخير. أقدر أساعدك بإيه؟”
”أستاذ طارق، محتاج إيقاف فوراً وحظر كامل للكارت الساحلي الأساسي اللي ينتهي بـ 4092، وكمان الحساب البنكي المشترك. علم عليهم كمعاملات مشبوهة واحتيال.”
”احتيال؟ يا مازن أنت متأكد؟ إحنا دخلنا في ليلة الجمعة، الكروت دي هتترفض في أي مكان.”
”متأكد جداً،” قلتها بصوت هادي بشكل يرعب. “سيب الكارت الفيزا الماستر الشخصي بتاعي شغال عادي، بس الغي أي كارت إضافي أو كارت تفرعي لغيري. أنا عايز الكروت دي تتحول لحتة بلاستيك ملهاش أي لازمة قبل ما نص الليل يجي.”
”اعتبره حصل.”
قفلت السكة. الفخ اتنصب خلاص في المطار. جه الوقت بقى عشان أروق البيت.
طلبت رقم شركة نقل وتغليف متخصصة، كنت بتعامل معاها دايماً في الفندق للحالات المستعجلة لنقل كبار الزوار. الموضوع كان هيكلف رقم محترم عشان الخدمة في نفس اليوم وبعدد الساعات المتأخرة دي، بس مكنش يهمني جنيه.
”محتاج فريق من أربع أفراد عندي في الفيلا كمان نص ساعة،” قلت للمشرف. “هاتوا معاكم كراتين مقواة من الثقيلة وشريط لاصق مصانع. هنعبي أوضة النوم الرئيسية بالكامل والملحق الخارجي. كل قطعة هدوم، كل إزازة ميك أب أو برفيوم، كل جز مة.”
بعدها على طول، كلمت مدير الأمن والصيانة بتاع الكومبوند اللي ساكن فيه.
”محتاج تلغي كل صلاحيات الدخول المترتبة على بيتي النهاردة. أكواد البوابة، ريموتات الجراج، بصمات الأبواب، كروت الباركينج. كل حاجة. امسحهم تماماً.”
المدير تردد لحظة: “أستاذ مازن، الموضوع مفاجئ. هل فيه أوراق؟ أنا محتاج تفويض عشان أمنع سكان من الدخول.”
”دول مش سكان. دول كانوا ضيوف. وإقامتهم خلصت رسمياً. هبعتلك التفويض القانوني بصفتي المالك على الإيميل فوراً.”
في خلال ساعة واحدة، كل وجود رقمي لنورهان وكريم في حياتي كان بيمتسح بمنهجية. الباسوردات اتغيرت. واشتراكات منصات التلفزيون اتعمل منها خروج.
على الساعة 7:30 بالليل، دخلت بعربيتي في المدق بتاع الفيلا. البيت كان هادي. مراتي القديمة كانت نزلت الولاد من ساعة، وكانوا قاعدين في الليفينج بيتفرجوا على فيلم. نورهان كانت برة في “ليلة سبا وريلاكس قبل السفر” مع أختها مريم، وبتدفع الفلوس من جيبي ومساج على حسابي. وكريم، زي ما كتب في رسالته بفخر، كان برة بيلف وبيفحط بالعربية البورش بتاعتي.
دخلت صالة الفيلا. يوسف بص لي وعينيه بتلمع: “بابا! طباعت كروت الطيران؟ أنا حطيت النظارة والماسك بتوع البحر في الشنطة!”
وجنى جيت بتجري وهي ماسكة لعبة فلامنجو محشية: “فلامنجو جاهز عشان ينزل البحر!”
وطيت على ركبي وأخدتهم هما الاتنين في حضن جامد. التلج اللي كان جوايا داب لكسر من الثانية، وحل مكانه نار حماية ودفاع عن ولادي.
”الخطط اتغيرت يا أبطال،” قلتها بصوت خفيف وفيه نبرة حماس وكأنها سر.
وش يوسف اتخطف في ثانية. بدأ يبعد لورا ودفاعاته بدأت تظهر: “يعني مش هننسافر؟”
”لا طبعاً هننسافر!” ابتسمت وخبطت على مناخيره بالراحة. “بس الجونة زحمة ودوشة أوي. أنا قررت نعمل حاجة أحسن بكثير. قوموا جهزوا الجواكت الثقيلة والجز مة بتاعت الهايكنج. طالعين على سانت كاترين في الجبل. أجرنا كامب خاص بسقف إزاز. وهنشوف المجرة والنجوم كلها بنفسنا، إحنا التلاتة بس.”
جنى صرخت من الفرحة ورمت اللعبة. عينين يوسف وسعت، والحزن اختفى في ثانية وحل مكانه حماس خالص: “لحظة، بجد؟ إحنا بس؟ طب ونورهان؟”
”نورهان وراها مشوار تاني خالص،” قلتها بنعومة. “دي رحلة للـ VIP بس. يعني لأهم ناس في العالم بس هما اللي معزومين.”
طلعوا يجرو على السلم، وضحكهم كان مسموع ويرن في البيت كله.
وقفت، وظبطت كمام قميصي. خبط قوي يرن على الباب الخارجي. فتحت ولقيت فريق من أربع رجالة بلبس موحد، وماسكين كراتين كرتون متطبقة.
”حضرتك صاحب البيت؟” المشرف سألني.
”أيوة أنا،” قلتها وأنا بوسعلهم الطريق عشان يدخلوا. “يلا بينا نبدأ الشغل. عايز كل حاجتهم متعبية ومحطوطة برة قبل نص الليل.”
إنك تشوف حياة شخص بتتفكك بالكامل وتتلم في كراتين كرتون ده إحساس غريب ومرعب.
على مدار الأربع ساعات اللي بعد كدة، عمال شركة النقل اشتغلوا بقسوة وبسرعة وكفاءة عالية جداً. كنت واقف في أوضة النوم الرئيسية بأوجههم وأقولهم يعملوا إيه. الجز م الماركات بتاعة نورهان، اللي كانت تشتريها بفلوسي عشان “عزومات الشغل” اللي عمري ما شفتها راحت فيها مرة. اتعزلت في كراتين. مجموعتها الكبيرة من البرفيومات والكريمات الغالية. اتعبت في كراتين. الروب الحرير ومجموعة الشنط الشيك اللي كانت طلباها مخصوص عشان السفريات دي. كلها دخلت الكراتين.
أنا ما خليتهمش يرموا ولا يكسروا حاجة. أنا مكنتش طالع أخرب.. أنا كنت طالع حاسم ومظبوط بالملي.
أول ما أوضة النوم الرئيسية اتفضت تماماً ومبقاش فيها أي أثر لوجودها، أخدت العمال وطلعت على الملحق الخارجي للفيلا. مملكة كريم.
المكان كان ريحته مقرفة، سجاير وبارفيوم رخيص. كان متخيل المكان بيت عزاب وهيصة. لمينا جهاز الجيمينج بتاعه، هدومه المرمية والمش نظيفة، ومجموعات المضارب الغالية اللي كنت شاريها له في عيد ميلاده—واللي استخدمها مرتين بالضبط قبل ما يشتكي ويقول إنها ثقيلة.
على الساعة 11:45 بالليل، مدخل الفيلا من برة كان شبه مخزن صغير. جبال من الكراتين المتغلفة بشريط لاصق ومترصوفة جنب بعضها قدام الباب الخشبي الكبير.
دفعت للعمال كاش، وإديتهم بقشيش محترم جداً، وقغلت الباب وراهم بالمفتاح. شغلت الترباس الجديد، وغيرت باسورد إنذار الأمان بباسورد جديد تماماً.
بعدها، قعدت على الرخامة بتاعة المطبخ، فتحت اللاب توب، وصبيت لنفسي كاس كلاسيكي.
الساعة جاب نُص الليل.
دخلت على موقع شركة السياحة والطيران. وفتحت صفحة الحجوزات بتاعة نورهان، وأختها مريم، وجوز مريم، وولادهم الاتنين. أنا ملغيتش الحجز. لو كنت لغيته، السيستم كان هيتبعتله إيميل أو إشعار.
بدل ده.. أنا لغيت عملية الدفع نفسها.
وبما إن التذاكر كانت محجوزة على الفئة المرنة العالية، لما تسحب طريقة الدفع الأساسية قبل تسجيل الوصول على طول، السيستم بيحط التذاكر في حالة “تعليق لحين الدفع”. يعني هيروحوا المطار، يقدموا الباسبورات، ويطلعهم الموظف ويقولهم بكل بساطة: “محتاجين تدفعوا 9,400 دولار (أو ما يعادلهم) كاش أو بكارت شغال حالاً عشان التذاكر تتأكد.”
أخدت بؤ من الكاس. الطعم والحرارة كانوا مريحين جداً للقلب.
بعدها، كتبت ورقة على كارت مقوى بخط واضح. طلعت برة، والهوا البارد يضرب في وشي، ولزقتها على أكبر كرتونة تخص أخويا.
”كريم. عربيتي البورش فيها جي بي إس ومتبعة. لو العربية مش مركونة في مدخل بيتي قبل الساعة 10 الصبح، هبلغ عنها رسمياً إنها مسروقة. إقامتك وبلاشك هنا انتهوا. متجربش تدل الباسورد القديم عشان هيدق إنذار للشرطة فوراً. استرجل وانشف.”
رجعت جوة، اطمنت على الولاد—كانوا نايمين في سابع نومة، وشنطهم مجهزة ومحطوطة جنب الباب—وأخيراً دخلت نمت في سريري. الملايات كان ليها طعم تاني. أخف. التقُل والخنقة اللي كانوا كاتمين على نفسي بقالهم سنتين اختفوا تماماً.
نمت 6 ساعات متواصلة من غير ولا قلق.
صحيت الساعة 6 الصبح، حاسس بطاقة ونشاط مش طبيعيين. النهاردة اليوم اللي كل حاجة بترجع فيه لمكانها الصح.
عملت بان كيك للولاد. حملنا الشنط في عربيتي الجيب الكبيرة—العربية المعتمدة البسيطة اللي نورهان كانت دايماً بتركبها بقرف وترفض تركب فيها. وعلى الساعة 7:30 الصبح، كنا طالعين من الكومبوند، وماشيين في الاتجاه العكسي تماماً لطريق المطار.
تليفوني كان متوصل بشاشة العربية، والشاشة مقفولة.
الساعة 8:12 الصبح بالضبط، وأنا سايق على الصحراوي وطالعين ناحية الجبل، الشاشة نورت.
اتصال وارد: نورهان.
سبته يرن. مرة. اتنين. تلاتة.
فصل. وبعد ثانية واحدة، بدأ يرن تاني. المرة دي الظاهر من تليفون أختها مريم. القلق والربكة بدأوا يشتغلوا.
ابتسمت، ووطيت صوت الراديو شويه. يوسف بصلي من الكرسي اللي جنبي.
”مش هترد يا بابا؟”
”كمان دقيقة يا بطل،” قلتها بنعومة. “سيبهم يرنوا براحتهم.. خلينا نستمتع بالمنظر والطريق.”
استنيت لحد المكالمة الرابعة المتواصلة، وبعدها مديت إيدي وضغطت على الزرار الأخضر، وشغلت السبيكر، بس وطيت الصوت عشان الولاد ورة ما يسمعوش تفاصيل المجزرة اللي دايرة.
”ألو؟” رديت، وصوتي كان قمة في الهدوء والبرود.
“مازن! يا نهار أسود، أخيراً رديت!”
صوت نورهان انفجر في السبيكر، مزيج مرعب من الغل، والصراخ، والهلع. من خلال التليفون، كنت سامع بوضوح الضوضاء والدوشة المتداخلة بتاعة صالة المطار—النداءات الآلية، صوت عجال الشنط، ووشوشة مئات الناس.
”صباح الخير يا نورهان،” قلتها بنعومة وبرود. “خير في حاجة؟ صوتك متوتر أوي.”
”متوتر؟! مازن، أنا واقفة قدام شباك حجز شركة السياحة والموظفة بتقولي التذاكر مش مدفوعة! بتقول إن الفلوس اتقفلت! والكارت الساحلي كل ما تسحبه يترفض! بيكتبلها ‘اتصل بالبنك’!”
”ياه، غريبة أوي دي،” رديت، وعيني باصة على الطريق الجبلي الملتوي قدامي. “جربتوا تسحبوه تاني؟”
”أكيد جربنا نسحبه تاني! جربت تلت مرات! فيه طابور أطول من حياتي ورايا واقفين بيبصوا علينا! وجوز مريم متجنن، والكلب نازل هوهوة، والموظفة بتقول لو مادفعناش حوالي 300 ألف جنيه (أو 9,400 دولار) في خلال عشر دقائق هتدّي أماكننا للانتظار!”
صوتها بدأ يعلى ويرفع أكتر، ومكسور بقمة الفضيحة والإهانة قدام الناس. بالنسبة لواحدة كل حياتها مبنية على المنظرة والاستعراض على إنستجرام، إنها تبان شحاتة ومعهاش تدفع في طابور VIP كانت بالنسبة لها مصيبة ألعن من الموت.
”مازن، أنت لازم تطلع تليفونك وتكلم البنك حالا وتأكد الدفع! أو تحول المبلغ ده على حسابي الكارت العادي! بسرعة!”
”ما أقدرش أعمل كده يا نورهان.”
”يعني إيه ما تقدرش؟! اتصل بيهم! اتصرف!”
”أنا مقلتش مش عايز.. أنا قلت ما أقدرش. الحسابات موقوفة تماماً،” قلتها بنفس النبرة الهادية، وكأننا بتتكلم عن حالة الجو.
السكوت حل في المكالمة فجأة. الدوشة اللي في المطار ظهرت أكتر في لحظة الصمت دي.
”موقوفة؟ وموقوفة ليه يعني؟!”
”عشان أنا اللي بلغت إن فيه عمليات احتيال وسرقة بتحصل عليها.”
”احتيال؟ سرقة؟ مازن أنت بتخرف بتقول إيه؟ دي أنا!”
أخدت نفس عميق. المسرحية خلصت خلاص. جه الوقت عشان الستارة تنزل.
”أنا عارف إنها أنتِ يا نورهان. عشان كده بالذات أنا وقفتهم. عشان لما تستخدمي فلوسي عشان تسفري عيلة أختك بعد ما تلغي حجز ولادي من ورايا وبدون علمي؟ ده بالنسبة لي اسمه احتيال وسرقة رسمية.”
السكوت من ناحيتها كان مطلق. لأول مرة من سنتين، نورهان تتلجم وماتعرفش تنطق بحرف.
”كنتي فاكرة إني مش هعرف؟” كملت كلامي، وصوتي نزل درجة وبدأ البرود الحقيقي يظهر فيه. “كنتي فاكرة إنك تقدر تتريقي أنتِ وأخويا وتسموا ولادي ‘النص الميت’، وتسرقوا رحلة بآلاف الجنيهات أنا اللي طافح الدم فيها، وتطلبي جناح VIP عشان كلب على حسابي؟”
”مازن.. حبيبي، استنى بس، ده كان سوء فهم.. مريم بس كانت—”
”بس،” قطعت كلامها بكل قوة. الكلمة طلعت زي السوط. “مفيش أي سوء فهم. أنتِ أخدتي قرارك. قررتي إن ولادي مالهمش قيمة ويتبدلوا عادي. وقررتي إن فلوسي مال سايب. وعشان كده، أنا كمان أخدت قراري.”
”أنت ما تقدرش تعمل فينا كده!” صرخت في التليفون، ووش خطيبة المستقبل الحنينة اتكسر تماماً وظهر وشها الحقيقي. “إحنا في المطار! معندناش مكان نروح فيه! أنت كده بترميعنا في الشارع!”
”الرحلة بتاعتكم شكلها كان هيبقى فرفوش أوي وممتع،” قلتها بنبرة ميتة وخالية من أي مشاعر. “بس الكروت بتاعتي مش فرفوشة. أنتِ ومريم تقدروا تتصرفوا وتشوفوا هتدفعوا ثمن ذكرياتكم إزاي. أسبوع سعيد عليكم.”
”مازن، لو قفلت السكة في وشي—”
”آه، صحيح يا نورهان؟” قاطعتها. “متتعبيش نفسك وتقولي لسواق الأوبر يرجعك على بيتي. مفاتيحك مش شغال، والأكواد اتغيرت، وحياتك كلها متعبية في كراتين كرتون مرمية قدام باب الفيلا برة. اللي بينا انتهى. وإياك تحاولي تتصلي بيا تاني.”
وقبل ما تطلع منها أي كلمة تانية، دست على زرار إنهاء المكالمة.
فصلت التليفون من بلوتوث العربية ورميته في الدرج اللي في النص. السكوت اللي حل في العربية كان ليه هيبة. كان صوت استئصال ورم خبيث بنجاح.
بصيت في المراية اللي في النص. جنى كانت باصة من الشباك، مبهورة بشجر الجبل والمناظر. ويوسف كان قاعد بيقرا كتاب عن النجوم والمجرات. هما كانوا في أمان. مكنوش حاسين ولا فاهمين القرف والسم اللي أنا لسه حاميهم منه.
بعد ساعتين، دخلنا بالعربية في المدخل الحصى بتاع الكامب في سانت كاترين. الكامب كان تحفة معمارية من الخشب والزجاج، مبني على حافة الجبل وبيطل على وادي واسع ومفتوح. مفيش واي فاي. مفيش شبكة موبايل. بس كان فيه تلسكوب كبير محطوط على التراس الخارجي، وتلاجة مليانة أكل وسحلب وهوت شوكليت.
وأنا بنزل الشنط من شنطة العربية، تليفوني، اللي كان لقط شحطة شبكة ضعيفة جداً، طلع صوت إشعار رسالة.
كانت صورة مبعوتة من رقم مش متسجل عندي، بس عرفت الرقم من رقم مدير أمن الكومبوند.
فتحت الصورة.
كانت لقطة شاشة من كاميرا المراقبة اللي على باب الفيلا برة. كريم كان واقف، لسه بلبس السهر بتاع إمبارح، وباصص بذهول وشهة لجبل الكراتين اللي متكوم قدامه. وفي إيده مفاتيح البورش بتاعتي. ووشه كان لوحة من الصدمة الرعب الخالص وهو بيقرا الورقة اللي كنت لازقها على الكرتونة.
ضحكت بصوت واطي، مسحت الإشعار، وقفلت التليفون خالص.
”بابا!” يوسف صرخ من على التراس، وعينه كانت محطوطة على عدسة التلسكوب الكبير. “تعال بصل! أنت تقدر تشوف كل حاجة من هنا!”
مسكت أخر شنطتين، قفلت شنطة العربية، وطلعت السلالم الخشبية ناحية ولادي. الهوا هنا كان خفيف، ونقي، ونظيف جداً.
”جاي يا بطل،” ابتسمت وقلت له. “وريني كشف إيه هناك.”
أنا قضيت سنين بأبني في حياة كنت فاكر إنها أمان، عشان أكتشف في الآخر إني سلمت المفاتيح للناس الغلط. بس وأنا باصص لولادي وهما بيحددوا مكان النجوم في سما ملكنا إحنا بس، كنت متأكد من حاجة واحدة.
الترابيس اتغيرت. وعمري ما حسيت إني في بيتي ومطمن زي النهاردة.