قعدت خمس دقائق
شاهدًا على سر أخطر.
طفل رضيع شاهد إيه؟
قال
مش الطفل.
ثم نظر لأحمد.
والدك كان بيزوّر عقود ملكية وبيحوّل أموال شركات بأسماء ناس ميتة.
أحمد اتراجع.
ياسين أكمل
ولما حاولت أفضحه، اتلفقت لي قضية.
وماما أحمد؟
كانت شريكته.
بصيت لأحمد.
وإنت؟
أحمد غمض عينه.
أنا كنت عارف إن فيه فلوس مشبوهة.
قلت
من إمتى؟
من سنتين.
وعرفت إن ابني حي؟
سكت.
قلت
من إمتى يا أحمد؟
قال بصوت مكسور
من يوم ولادته.
سكتُّ.
ثم قلت
يعني كنت بتبص في عيني كل يوم
دموعي نزلت.
وإنت عارف إن ابني عايش؟
أحمد بدأ يبكي.
كنت جبان.
قلت
لأ.
وقفت.
الجبان بيخاف من الحقيقة.
وبصيت له.
إنت اخترت الكذبة.
وفي اللحظة دي
دخلت الشرطة.
وخلفهم حماتي.
كانت مقيدة اليدين.
لكنها ما كانتش بتبص لأحمد.
كانت بتبص لي.
وقالت
قبل ما تحكمي عليّا
ثم ابتسمت ابتسامة باردة.
اسألي ياسين عن الحقيقة اللي هو نفسه مخبيها عنك.
بصيت لياسين.
وشه اتغير.
قلت
إيه الحقيقة؟
ما ردش.
حماتي ضحكت.
قولي لها يا ياسين
ثم صرخت
قولي لها مين أم الطفل الحقيقية!
سكت الجميع.
ونظرت إلى الطفل الذي كان ما زال متعلقًا بي.
ثم نظرت إلى ياسين.
ولأول مرة
لاحظت أن الطفل لا يشبه أحمد.
ولا يشبهني.
لكن
كان يشبه ياسين بشكل واضح.
وهنا فقط فهمت
أن قصة ابني لم تكن قد بدأت منذ سنتين.
بل بدأت قبل زواجي من أحمد بسنوات.
والسر الحقيقي
كان متعلقًا بي أنا.
الجزء الأخير
فضلت واقفة مكاني.
ببص لياسين
وببص للطفل
وبعدين لحماتي.
قلت بصوت مرتعش
مين أمه الحقيقية؟
حماتي ضحكت.
إنتِ.
اتصدمت.
إيه؟
قالت
الطفل ابنك فعلًا. وابن ياسين فعلًا.
بصيت لياسين.
إزاي؟
هو أخد نفسًا طويلًا.
وقال
قبل ما تتجوزي أحمد بسنين، أنا وأنتِ كنا نعرف بعض.
اتجمدت.
مستحيل أنا ما أعرفكش.
لأن والدكِ أجبرني أختفي من حياتك.
سكتُّ.
وبدأ ياسين يحكي.
قبل زواجي بأحمد، كنت أعرف شابًا اسمه ياسين، وكنا ناويين نتجوز.
لكن عيلته كانت غنية جدًا، وعيلة أحمد كانت داخلة معاهم في شراكة.
حصل خلاف كبير بين العيلتين.
والد أحمد دبّر لياسين قضية سرقة أموال، واتحبس ظلم.
وفي نفس الوقت، أهلي قالوا لي إن ياسين هرب وسابني.
بعدها بشهور
اتجوزت أحمد.
ولما عرفت إني حامل، حماتي اكتشفت بالصدفة إن الطفل مش ابن أحمد.
كانت تقدر تقول الحقيقة.
لكنها اختارت السكوت.
لأنها كانت خايفة إن انكشاف الأمر يفضح جرائم زوجها وابنها.
ولما ولدت توأمًا
واحد من الطفلين مات بعد الولادة.
أما الآخر، فكان حيًا.
حماتي أخذته.
وأقنعت أحمد إن الطفل مات.
لكن أحمد
كان يعرف الحقيقة.
وأخفاه عني.
سألت أحمد
وإنت ليه كملت معايا؟
بكى.
لأن بابا هددني.
هددك بإيه؟
قال لي لو اتكلمت، هيوديني السجن مكانه.
بصيت له طويلًا.
ثم قلت
كان ممكن تحميني.
عارف.
كان ممكن تقول الحقيقة.
عارف.
كان ممكن تبقى راجل.
خفض رأسه.
عارف.
وقتها حسيت إن كل الغضب اللي جوايا انتهى.
ما بقيتش حتى عايزة أصرخ.
قلت بهدوء
أنا مش هسامحك.
رفع عينه.
عارف.
ومش هرجع لك.
دموعه نزلت.
عارف.
ثم التفتُّ لياسين.
والطفل؟
قال
هيكون معاكي.
بصيت للطفل.
كان ماسك إيدي.
فجأة قال
ماما هنروح بيتنا؟
نزلت لمستواه وحضنته.
أيوه يا حبيبي.
ثم وقفت.
ومشيت ناحية الباب.
لكن قبل ما أخرج، سمعت صوت حماتي.
استني.
بصيت لها.
قالت
أنا عارفة إنك بتكرهيني.
قلت
بعد كل اللي عملتيه؟ أيوه.
قالت
بس فيه حاجة لازم تعرفيها.
إيه؟
أنا اللي طلبت من أحمد يسيبك يوم ما حصلت مشكلة الحمل.
سكت.
ليه؟
لأن والد الطفل كان رجع من السجن، وكنت عارفة إنه هيدور عليكِ.
نظرت إلى ياسين.
ثم قالت
لكني ما توقعتش إنه هيرجع ويكشف كل حاجة.
الشرطة أخذتها.
وأخذوا أحمد معها للتحقيق في قضايا التزوير وإخفاء الطفل والتلاعب بالأوراق.
أما أنا
فخرجت من الباب وأنا ماسكة إيد ابني.
لأول مرة منذ أربع سنوات
خرجت من بيتهم من غير ما ألتفت خلفي.
بعد شهور
صدر الحكم.
حماتي دخلت السجن بسبب التزوير وإخفاء الطفل والتلاعب في المستندات.
وأحمد اعترف بكل شيء.
أما ياسين
فثبتت براءته من القضية القديمة، واستعاد جزءًا كبيرًا من حقوقه.
لكن الأهم بالنسبة لي
إن ابني رجع لي.
بدأت حياة جديدة.
استأجرت شقة صغيرة.
ورجعت لشغلي.
وكنت كل ليلة أحكي لابني حكاية قبل النوم.
وفي إحدى الليالي، وهو نايم على رجلي، سألني
ماما إنتي زعلانة مني؟
حضنته.
لأ يا حبيبي.
طب ليه كنتي بتعيطي؟
ابتسمت وأنا بمسح دموعي.
عشان كنت بدور عليك.
قال بمنتهى البراءة
بس أنا هنا أهو.
ضحكت.
أيوه وأهو ده أهم شيء.
بعدها بأسبوع، كنت خارجة من المستشفى بعد متابعة الحمل.
وقفت عند الباب لحظة.
افتكرت اليوم اللي خرجت فيه منها لأول مرة
مبلولة.
مكسورة.
ومصدومة.
افتكرت الجردل.
وهدومى.
وأحمد وهو بيقفل الباب في وشي.
لكن المرة دي
كنت خارجة وأنا ماسكة إيد ابني.
وورايا حياة كاملة انتهت.
وقدامي حياة جديدة بدأت.
وقتها فهمت حاجة واحدة
أحيانًا أكبر نعمة في حياتك بتبدأ من أسوأ لحظة كنت فاكر إنها نهايتك.
أنا يومها ما خسرتش زوجي.
ولا خسرت بيت حماتي.
ولا حتى خسرت أربع سنين من عمري.
أنا يومها
أنقذت نفسي.
والأهم
إني رجعت لابني اللي سرقوه مني سنتين كاملين.
أما أحمد؟
فبعد شهور، وصلتني منه ورقة واحدة من السجن.
كان مكتوب فيها
كنت فاكر إن سكوتي هيحميني لكن سكوتي خسّرني كل حاجة.
قريتها مرة واحدة.
وطويتها.
وحطيتها في سلة المهملات.
لأن بعض الرسائل
ما تستحقش رد.
وبعض الأبواب
لما تتقفل خلفك، ما ينفعش تفتحها تاني.
النهاية.