طارق وملك حكايات منال عباس

طارق وملك حكايات منال عباس حصري
جوزي كان مقتنع إن كوني حامل، ومقضياها تربية عيلين، وقاعدة من الشغل، ومركونة عليه مادياً، معناه إني أجبن بكتير من إني أعرف أخد خطوة وأسيب البيت. وفجأة، لقيته داخل عليا بالواحدة بتاعتّه، وبكل برود أعلن إنها هتقعد معانا في أوضة الضيوف. بعد ربع ساعة بالضبط، كنت نازلة على السلم أنا وعيالي، ومعايا تلات شنط سفر، وق\ضية خلع ما كانش يحلم بيها في أوهام كوابيسه!
جوزي دخل عشيقته لغاية أوضة السفرة وأنا في التامن، ومسك إيديها قدام عيالنا، وصرّح بجلالة أطرافه إنها هتعيش معانا تحت سقف واحد.
في اللحظة دي بالذات، فهمت وفصّلت إن المسرحية الهابطة دي متخططلها ومنظملها من زمان قوي، وقبل ما أي حد فيهم يحط رجله جوه البيت.
أنا اسمي ملك، وكنت متجوزة طارق من تسع سنين. ابني زياد عنده ست سنتات، وكان قاعد جنبي على ترابيزة السفرة المصنوعة من الخشب الغالي، وبنتنا حبيبة البنت الصغرى، اللي عندها أربع سنين، كانت قاعدة بتشتكي إن الفراخ اللي في طبقها مقطعة حتت “مربعة زيادة عن اللزوم”.
أم طارق، حماتي صفاء، كانت متعشية معانا، ومعاها أخوه الصغير سامح.
وبعدين سمعت صوت طارق وهو جاي في الصالة.
كان فيه صوت خطوات تانية معاه.
كعب عالي.
طارق دخل الأول، ووشه هادي ومسيطر، نفس الوش اللي بيعمله في اجتماعات الشغل المهمة. وكانت واقفة جنبه نسرين، ولابسة فستان سهرة أخضر، تحسها رايحة سهرية في فندق خمس نجوم مش عزومة عشا يوم أربع في البيت.
أنا كنت شفت صور لنسرين قبل كده.
طارق عمره ما اعترف بوجودها، بس الرجالة اللي بيجيلها إيحاء إن مراتتهم مفيش في إيدهم حيلة ماديًا، بيبطلوا ياخدوا احتياطاتهم في الآخر.
صفاء اتسمرت في مكانها والمعلقة نصها في بقها.
وسامح نزل كباية الشاي باللبن ببطء شديد.
وزياد قرب مني ولزق في جنبي أكتر.
طارق بص لي مباشرة.
“يا ملك، أنا شايف إنه جه الوقت بلاش تمثيل ونعمل عبيطين ونقول إن كل حاجة تمام.”
أنا حطيت س.كينة حبيبة بهدوء جنب طبقها.
طارق مد إيده ومسك إيد نسرين.
“أنا ونسرين مع بعض، وبما إن أوضة الضيوف فاضية، فهي هتقعد معانا الفترة الجاية دي كلها.”
حبيبة كشرت بعنيها الصغيرين.
“هي هتبات معانا؟”
مفيش مخلوق رد عليها.
نسرين بصت لي بابتسامة واثقة في نفسها، وطارق حط إيده على وسطها ومستني رد الفعل بتاعي.
الانتظار ده كان مهم أوي بالنسبة له.
صار له شهور بيرسم صورة تانية خالص عني قدام أي حد ممكن يصدقه.
ملك بقت عصبية زيادة عن اللزوم عشان الحمل.
ملك بتخاف من الفلوس وتقعد تحاسب على الشيكل من غير سبب.
ملك بتتنرفز وتتعقد من أقل ضغط عصبي.
ملك بقت “بتاعت تملك” لما الموضوع بيجي ناحية العيال.
وملك ممكن تطرشق وتبوظ الدنيا لو طارق فكر في يوم يسيبها.
لو خدت الكلام ده واحدة بواحدة، تحس إنه قلق جوز طيب ومحروق دم مراته التعبانة. لكن لما تجمعهم مع بعض، بتبني قصة محبوكة صح، تخلي أي حاجة أعملها بعد كده تبان كأنها مجنونة وغير متزنة.
والنهاردة، جمع الجمهور بتاعه.
أمه.
أخوه.
عشيقته.
عيالنا.
طارق كان مستنيني أكمل القصة بدالي وأتعصب وأكسر الدنيا كالعادة.
بس أنا بصيت لنسرين بهدوء.
“دي فكرة مثيرة للاهتمام بصراحة.”
ابتسامتها اتقطعت فجأة.
طارق رمش بعينيه مش مصدق.
“إيه اللي مثيرة للاهتمام؟”
“إنك جايب نسرين البيت هنا.”
فكه شد وظهرت عروقه.
“ده كل اللي عندك تقوليه؟”
“للأسف، أه.”
قمت بالعافية ووقفت على حيلي، عشان وأنا في التامن، حتى الوقفة لوحدها محتاجة تحضيرات عسكرية. ضهري كان واجعني طوال الوقت، وركبي ورمت من آخر اليوم، والبيبي كان لسه مكتشف إن ضلوعي هي أحسن كورة هيدخل فيها جوان.
مديت إيدي لزياد والإيد التانية لحبيبة.
“تعالوا معايا فوق لو سمحتوا.”
طارق وقف في وشي بالظبط ومنعني أنط.
“إحنا لسه ما خلصناش كلامنا.”
طول التسع سنين اللي فاتوا، كنت بنقي كلامي بالقطارة عشان ما أزعلوش، وأعتذر قبل ما أسأل أي سؤال، وأشك في ذاكرتي كل ما يحط وشه في وشي ويقولي إني ناسية وإنه صح.
الليلادي، بطلت أعمل أي حاجة من دول.
“بالعكس يا طارق، إحنا خلصنا خلاص.”
وبعدين عديت من جنبه.
وتحت في الصالة، جوة شنطة إيدي، كان فيه جهاز تسجل صغير لسه شغال وساجل كل كلمة اتولدت في الأوضة.
وطارق ما كانش عنده أي فكرة باللي بيحصل.
روايات منال عباس
فوق في أوضة النوم، استنى زياد لحد ما قفلت الباب وراه كويس، وقال بصوت واطي: “يا ماما، إحنا ماشيين؟”
بصيت لابني أبو ست سنين، واستوعبت إنه فاهم وواعي أكتر بكتير من اللي طارق متخيله.
“أبويه.” (أو: أه يا حبيبي)
حبيبة طلعت نطت على السرير: “انهاردة بالليل؟”
“حالاً.”
فتحت الدولاب.
تلات شنط سفر كانوا جاهزين ومحطوطين وراء بالطوهات الشتا.
طول ست أسابيع، والهانم طارق فاكرني قاعدة الف ورا دكاترة النسا ونايمة باكل في السرير، كنت أنا بجهز كل خطوة.
صور من كشوفات الحسابات البنكية.
شهادات الميلاد.
الباسبورات.
التقارير الطبية.
هدوم العيال.
وق\ضية الخلع اللي المحامي بتاعي كان لسه رافعها الصبح بدري.
أنا كنت اكتشفت حكاية نسرين دي من تلات شهور فاتوا لما لقيت إيصالات لفنادق طارق سايبها بغباء جوة شنطته الجلد.
بس الخيانة في حد ذاتها ما كانتش هي اللي مرعباني.
الفلوس هي اللي كانت مصيبة.
قرابة الأربعين ألف دولار (أو ما يعادلهم بالمصري) طاروا واختفوا من تحويشة عمرنا الحساب المشترك.
وبعدها طارق بدأ يسأل أسئلة غريبة عن إذا كان الحمل بيعمل زهايمر وبيخلي الواحد ينسى.
من هنا قررت ابطل عتاب ومناقشات، وأبدأ أوثق كل صغيرة وكبيرة.
خبطة على الباب.
“يا ملك.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *