طارق وملك حكايات منال عباس

ده طارق.
قفلت سوسته الشنطة الأخيرة.
“دقيقة واحدة.”
“أنتِ كده بتأفوري وبتعملي دراما ملهاش لازمة.”
كنت هضحك بجد.
نفس الجملة بالحرف اللي كنت مستنتياها.
بعد ربع ساعة بالضبط من ما طلعت فوق، نزلت تاني وماسكة إيد حبيبة، وزياد كان بيجر وراه شنطته الصغيرة بعجل.
طارق تنح وهو باصص لي.
ثقة نسرين طارت في ثانية.
صفاء قامت وقفت فجأة بخضة.
“يا ملك، إنتِ بتعملي إيه؟”
“ماشية.”
طارق ضحك.
ضحكة قصيرة كلها تكذيب واستخفاف.
“إنتِ ما عندكيش مكان تروحي فيه أصلًا.”
“عندي.”
“ومعندكيش شغل.”
“عارفة.”
“وحتى فلوس في جيبك مافيش.”
وهنا كانت الغلطة الكبيرة.
دخلت إيدي جوه شنطة اليد وطلعت ظرف حطيته على ترابيزة السفرة.
طارق وطى بص عليه.
وشه اتقلب واتغير لونه أول ما شاف ختم المحكمة الأزرق.
“إيه ده؟”
“ق\ضية الخلع.”
الصمت كبس على الأوضة وسكت الكل.
“إنتِ رفعتي ق\ضية خلع؟”
“النهارده الصبح.”
نسرين سحبت إيديها من إيده ببطء شديد.
طارق فتح الورق، وبقى بيقلب في الصفحات بسرعة مع كل سطر.
لحد ما وقف.
وشه جاب أصفر وبقى أبيض خالص كأنه شاف عفريت.
علشان كان مرفق ورا أوراق الق\ضية حاجة المحامي بتاعه ما حذرهوش منها أصلًا.
أمر حجز تحفظي مؤقت على الأموال.
يعني ممنوع يحرك، أو يخبي، أو يحول، أو يسحب أي جنيه من أموال وأصول الزواج.
وأنا كنت عارفة كويس قوي إيه اللي مرعبه للدرجة دي.
قبلها بتلات ليالي، كنت لقيت الحساب الخفي اللي طارق مخبي فيه الفلوس المسروقة.
بس الحساب ده ما كانش باسم نسرين.
كان باسم صفاء إبراهيم.. أمه!
حماتي بصت لي من الناحية التانية للترابيزة.
وفي حركة مستحيلة الحدوث.. ابتسمت!
تكملة القصة:
صفاء بصت لابنها طارق بنظرة باردة تخلي الدم يتقطع في العروق، وقالت بصوت هادئ: “كنت مفكرني هسيبك تبلع لقمة وحدك يا طارق؟ الفلوس دي مش بتاعتك لوحدك، دي تحويشة سنين طويلة.”
نسرين اتجننت وبصت لطارق بصوت عالي: “إيه الكلام ده؟! أنت قلت لي إن الحساب ده ليك لوحدك وإنك هتبني لنا بيه بيتنا الجديد! أنت نصاب!”
طارق اتنقل بصره بين أمه وعشيقته، ووشه بقى ألوان من كتر الصدمة والعصبية. حاول يقرب مني ويزعق: “أنتِ عملتي فيا كده إزاي؟! دمرتيني أنا وأهلي!”
وقفت قدامه بكل ثبات وأنا ماسكة إيد ولادي، وكلمته بصوت واطي وثابت: “أنا ما دمرتكش يا طارق.. أنا بس سبتك تقع في الحفرة اللي حفرتها بايدك لنفسك. طول التسع سنين كنت مفكر ضعفي استسلام، بس نسيت إن الست اللي بتدافع عن عيالها ما بيصعبش عليها حد.”
درت وشي وعديت من جنبه، وطلعت من الباب ورايا عيالي، وأنا سامعة صوت صياح نسرين وانهيار طارق بيتردد جوه الشقة.
ركبنا العربية اللي كنت مجهزة كل تفاصيلها من بدري، ومشيت لبيتي الجديد.. بعيد عن الكدب، وبعيد عن أي حد يقلل مني يوم واحد. روايات منال عباس
مع كل لفة عجل العربية وهي بتبعد عن المكان القديم، كنت بحس بروح جديدة بترجعلي، وبنفس عميق مليان راحة بعد سنين من الخنقة والقهر. ولادي كانوا قاعدين جنبي في الكنبة الخلفية، بصاتهم البريئة كانت مليانة أمان وفرحة مستخبية، وكأنهم حسوا أخيرًا إن العاصفة خلصت وإن الشمس طلعت من جديد.
وصلنا للبيت الجديد، شقة صغيرة بس هادية ودافية، مليانة ريحة السلام والبدايات النظيفة. فتحت الباب ودخلت وهم حواليا، ولقيت كل حاجة مترتبة ومجهزة كأنها كانت في انتظارنا من سنين. قعدت على الكرسي وأنا ضامة ولادي لحضني بقوة، ودموع الفرحة نزلت بصمت، مش ضعف أبدًا، دي كانت دمعة تخلص من تذكرة الماضي وثقل السنين المرة.
في اللحظة دي، عرفت إن القوة مش في الصوت العالي ولا في الانتقام، القوة الحقيقية بتكمن في الصبر، وفي الثقة الكبيرة بأن الحق بيلف ويلف ويرجع لأصحابه مهما طال الوقت. بقيت أنا وسندي وحياتنا ملك إيدينا وحدنا، من غير خوف، ومن غير كدب يهد الحيل. باب القلعة انقفل على الماضي بكل آلامه، وباب النور اتفتح واسع قدام بكرة أحلى وأطهر بكتير.
