بعد وفاة مراتى حكايات زهرة الثاني والاخير

طلعنا الشقة..

فتحت الباب بالمفتاح، ودخلنا. الشقة كانت فاضية، مفيهاش أي أثر لسميرة غير شوية كراكيب رمتهم وراها. دخلت نور أوضتها، لقت صورتها وصورة أمها محطوطين على سريرها ومسحت عنهم التراب، بصتلي وابتسمت ابتسامة هادية:

“أنا هرتاح شوية يا بابا.. ومن بكرة هرجع أحضر محاضراتي”.

“نامي يا قلب أبوكي.. نامي وأنا قاعد هنا برة حارسك، ومفيش هوى يقدر يمسك بسوء تاني أبداً”.

عدت الأيام، والشهور، والسنين..

نفذت كل وعد وعدته لنور. كتبت نص الشقة باسمها رسمي في الشهر العقاري، والفلوس اللي كانت معايا حطيتها في حساب مقفول باسمها لمصاريف كليتها وماجستيرها. سميرة حاولت بعد سنة ترجع، توسط ناس، وتبعث رسايل اعتذار وتقول إنها ندمت وإنها عرفت قيمتي.. بس أنا كنت قفلت الباب ده ورميت المفتاح في أعمق بحر. مسحت رقمها، وطردت اللي اتوسطولها، وقولت لروحي: اللي يبيع ضناه عشان وهم، ملوش أمان يعيش مع بني آدمين تاني.. وأنا كفاني درسي لحد ما أموت.

فضلت عايش لخدمة بنتي وبس. أصحى الصبح أعملها الفطار، أستناها ترجع من المستشفى والكلية بأكل سخن، أسمع منها حكايات الدكاترة والعمليات والمرضى، وأشوف لمعة الفخر في عينيها.

ولحد اليوم ده.. يوم ما وقفت في القاعة الكبيرة بتاعة قصر العيني، وسط آلاف الناس، أهالي وطلبة ودكاترة، والميكروفون بينادي:

“والآن.. تكريم الدكتورة الأولى على دفعة الجراحة العامة.. الدكتورة نور مجدي عبد الرحمن!”.

القاعة كلها قامت تسقف، وصوت الزغاريد ملى المكان..

شوفت نور طالعة على المسرح، لابسة البالطو الأبيض نضيف ومكوي، ورافعة راسها لفوق.. بصت في وسط الزحمة كلها، عينها لفت لحد ما شافتني وأنا واقف في نص الصف الأولاني، البدلة القديمة بتاعتي اللي كويتها مخصوص عشانها، والدموع مغرقة وشي كله.

نزلت من على المسرح بعد ما استلمت درع التكريم، ومشت وسط الناس ومراحتش لأي حد.. مشيت لحد ما وصلت عندي، حطت الدرع في إيدي، ووطت على راسي باسته قدام الدكاترة والعميد وكل الدفعة، وقالت في الميكروفون الصغير اللي كان في إيدها:

“الدرع ده، والنجاح ده كله، مش ليا لوحدي.. الدرع ده لـ بابا.. الراجل اللي علمني إن السند الحقيقي ممكن يضعف لحظة، بس لما بيقوم.. بيبني جبال.. شكراً يا بابا إنك رجعتلي ضهري من تاني”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *