بعد وفاة مراتى حكايات زهرة الثاني والاخير

كلامها خلاني أبلع ريقي بصعوبة والدموع تحرق عيني: “كنت أعمى يا بنتي! شيطان ودخل بيني وبينك.. والله كنت مسحور بغبائي وبوهم قديم، قولت أعوض سنين الوحدة، ومعرفتش إني بدوس على روحي وعلى بنتي الوحيدة.. أنا ندلت معاكي، واعترفت بغلطي، وعقابي من ربنا شفته في كل ليلة عدت وإنتي مش في حضني.. متقسيش عليا يا نور، أنا مليش غيرك في الدنيا، ولو مت من غير ما تسامحيني هموت كافر بنعمة ربي!”.

نور عيطت، وبدأت تشهق بصوت مقهور، الكلام اللي كان محبوس جوة صدرها أربع شهور انفجر فجأة:

“أنا مكنتش خايفة من السجن يا بابا! والله ما كنت خايفة.. لما مسكوني وقالوا سرقتي ووقعتي على مخدرات، كنت قاعدة هنا وبقول في بالي: خليهم يحبسوني.. السجن أهون بكتير من إني أرجع أعيش في بيت أبويا وأنا حاسة إني غريبة، حاسة إني عبء وتقيلة على قلبه! إنت عارف يعني إيه تنام بالليل في الشارع وأنت مش لاقي تاكل عشان خايف تطلب من أبوك؟ عارف يعني إيه أقف على رجلي أربعتاشر ساعة في الطوارئ وأنضف دم وجروح الناس الغريبة عشان أجمع تمن مذكرات كليتي وممدش إيدي ليك؟ كل قلم وجعني في الدنيا دي، مكنش بيوجعني قد القلم اللي نزل من إيدك على وشي قدام مرتك!”.

نزلت على الأرض أكتر، وبقيت ببوس إيديها الاتنين، وببوس راسها، ودموعي بتغرق هدومها:

“حقك عليا.. اضربيني إنتي، خدي حقك مني.. هاتي إيدك واضربيني بالقلم قدام الناس دي كلها، مش هقولك لأ.. بس متسيبنيش.. متحرمنيش منك يا نور، أمك في قبرها مش مسمحاني، وأنا ضميري بياكل في لحمي كل دقيقة.. اديني فرصة واحدة بس، فرصة واحدة أثبتلك إني لسه أبوكي اللي بيحبك أكتر من روحه!”.

الدكتور شريف قرب مننا، وطى وحط إيده على كتف نور، وقالها بصوت أبوي حنين:

“يا نور.. أنا شوفتك في أصعب أوقاتك، وشوفت أد إيه أنتي بنت بمليون راجل.. بس أبوكي، رغم كل اللي عمله، جه هنا وهو بيجري على لحم بطنه، كان مستعد يدفع عمره كله عشان يخرجك من المحنة دي.. البني آدم بيغلط يا بنتي، وأكبر غلطة بيعملها الإنسان إنه ينعمي عن النعمة اللي في إيده.. وأبوكي اتعمى، بس ربنا فتح بصيرته بالوجع اللي عاشه.. متقفليش الباب في وش التوبة، عشان متفضليش إنتي كمان عايشة بقلب مجروح طول عمرك.. اديله فرصة، وادي لنفسك فرصة تعيشي في أمان وتكملي كليتك وترفعي راس أمك”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *