بعد وفاة مراتى حكايات زهرة الثاني والاخير

نور بصت للدكتور شريف، وبعدين رجعت بصتلي.. شافتني وأنا منهار على الأرض تحت رجليها، راجل شيبته ماليها وشه ودموعه مغرقة لحيته ومذلول قدام ضناه.. قلب البنت الحنينة اللي ربيتها غلب قسوة الوجع.

إيديها التانية اتمدت بالراحة، وحطتها على كتفي.. لمسة خفيفة، بس رجعت الروح لجسمي.

“قوم يا بابا.. متوطيش كده، قوم عشان خاطري”.

قمت وقفت بضعف، وبصيت في عينيها وأنا مش مصدق: “هتيجي معايا يا نور؟ هترجعي لبيتك؟”.

نور مسحت دموعها بكف إيدها الصغير، وهزت راسها بنعم، بس قالت بصوت واثق ومختلف عن البنت الصغيرة بتاعة زمان:

“هرجع معاك يا بابا.. بس بشروطي. الشقة دي شقة أمي، وأنا مش هرجع فيها غير وإنتي كاتبلي نصيبي فيها رسمي، عشان محدش في يوم من الأيام ييجي يقولي ده مش بيتك ويطردني منه.. ومفيش ست هتدخل البيت ده تاني طول ما أنا عايشة.. ودراستي خط أحمر، هكمل كليتي وهتفضل واقف في ضهري لحد ما تشوفني دكتورة زي ما كانت أمي بتحلم”.

ابتسمت من بين دموعي، وضحكة مكسورة طلعت من قلبي: “البيت كله باسمك من بكرة الصبح، الشقة والفلوس اللي في البنك، وكل حاجة تحت رجلك.. وأنا مش عايز من الدنيا دي غير إني أخدمك وأشوفك مبسوطة وناجحة، والله ما هتدخل ست بيتي غيرك إنتي لحد ما أموت، أنتي بنتي وأمي وصاحبتي وكل دنيتي”.

نور فتحت دراعاتها، وارتمت في حضني..

حضنتها بكل ما أوتيت من قوة، كنت ماسك فيها كأني ماسك في حبل النجاة وسط بحر هائج، ريحة شعرها رجعتلي روحي، وبكاءها في حضني غسل الوجع اللي كان ساكن في صدري تلت شهور. الدكتور شريف كان واقف بيبتسم بارتياح، وعيونه بتلمع بدموع الفرحة.

أخدت بنتي من إيدها وخرجنا من المستشفى.

ركبنا تاكسي، وطول الطريق مكنتش سايب إيدها من إيدي، كنت خايف أسيبها تختفي تاني زي الحلم. روحنا على مطعم نضيف، طلبتلها كل الأكل اللي بتحبه، وقعدت أأكلها بإيدي زي ما كنت بعمل وهي عندها خمس سنين، وهي تاكل وتبتسم في وشي ابتسامة رجعت النور لملامحها من جديد.

وصلنا العمارة، وأول ما البواب شافها نازلة معايا هلل وكبر: “يا ألف حمد وحمد لله على السلامة يا ست البنات! والله العمارة نورت بيكي يا دكتورة نور!”.

نور ردت عليه بابتسامة راضية: “الله يسلمك يا عم إبراهيم، ربنا يخليك”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *