طعنة في ضهر أمي ج 1 حكـايات مني السيد حصري

حكايات مني السيد
رجعت من سفري بدري، لقيت أمي الهربانة من وجع الكيماوي نايمة في أوضة الغسيل الضيقة جنب المنشر، وجوزي قاعد في أوضتها بيتفرج على الماتش. لما وقفت في وشه وزعقت، بص لي بكل برود وقالي الشقة دي أنا اللي دافع تمنها، وأنا هنا اللي بمشّي كلمتي.
الجزء الأول
هي أمي بتعمل إيه نايمة جنب الغسالة في الطرقة دي يا طارق؟
ضحكة طارق اختفت فجأة من على وشه.
كنت لسه داخلة من باب الشقة والشنطة في إيدي. قطعت مأمورية شغلي في إسكندرية ورجعت القاهرة قبل ميعادي بيوم عشان الاجتماع اتلغى. مقولتش لحد عشان أعملها مفاجأة، واشتريت في طريقي الفطير المشلتت والعسل اللي أمي بتحبهم من المحل اللي على الطريق، قلت نتعشى سوا قبل جلسة الكيماوي بتاعتها بيوم السبت.
بس المفاجأة كانت من نصيبي أنا.
اسمي ياسمين، عندي 40 سنة، وعايشين في التجمع. أمي، الحاجة عواطف، عندها 69 سنة. من بعد ما اكتشفنا ورم الثدي والدكتور أكد إنها محتاجة رعاية ومينفعش تقعد لوحدها، بالذات في الأسابيع التقيلة دي.
أمي بيتها في شبرا، مشوار نص ساعة، بس كان بيجي عليها أيام مبتقدرش حتى تقوم من السرير تكب ماية تشرب.
عشان كده جبتها عندي.
طارق، جوزي بقاله 8 سنين، موافقش بصدر رحب ولا عارض صراحةً، بس رمى كلمته
وهتقعد قد إيه إن شاء الله؟
لحد ما تشد حيلها وتقدر تقف على رجلها.
يعني شهر مثلاً؟
معرفش يا طارق لما نشوف.
شفايفه اتمطت بضيق وقال
ماشي.. بس نرتب حالنا بقى.
الأوضة اللي تحت كانت مجهزة، جنب الحمام على طول. حطيت لأمي كومودينو عليه علاجها، وأباجورة، وكرسي فوتيه مريح تقعد عليه لما تزهق من النومة.
أول أسبوعين الأمور مشيت عادي، أو ده اللي كان باين لي.
لحد ما في يوم سمعت طارق

بيكلم أخوه إسلام في البلكونة وبيقوله
طول ما البيت ده شغال بفلوسي، محدش هيتحكم فيا ولا هاخد إذن عشان كل تفصيلة.
أول ما دخلت سكت وقلب الموضوع.
وفي يوم تاني لقيت أمي بتمد إيدها بخمسميت جنيه وبتقولي
خدي دول يا ياسمين.
بتوع إيه دول يا ماما؟
عشان مصاريفي، مش عايزة أتقل عليكم.
يا ستي تتقلي إيه بس! هو إحنا غرب؟ شيلي فلوسك.
شالتهم بسرعة غريبة وقالت
طب براحتك.. نبقى نشوف بعدين.
عدّيت الموقف ومحطيتش في بالي.
بعدها سافرت مأمورية 4 أيام لشغلي.
قبل ما أركب، سبت لطارق ورقة بمواعيد العلاج بالدقيقة
طارق، أرجوك خلي بالك تاكل لقمة خفيفة قبل علاج الليل، معدتها مبتستحملش.
يا بنتي أنا مش عيّل، عندي 43 سنة وعارف بهتم بحد إزاي.
اليوم الأخير في إسكندرية خلصنا بدري، غيرت التذكرة ووصلت القاهرة على المغرب.
وأنا بركن تحت، لمحت عربية إسلام أخوه راكنة.
طلعت وفتحت الباب، لقيت صويت الماتش مالك الشقة.
على الرخامة بتاعة المطبخ أكياس شيبسي، كنزات، وبقايا أكل دليفري.
تلفزيون الصالة مطفي!
الصوت كان طالع من أوضة أمي.
فتحت الباب.
طارق ممدد على السرير ومسند ضهره، وإسلام قاعد على الفوتيه اللي كنت شرياه لماما، وموصلين بلايستيشن وشاشة تانية صغيرة جنب التلفزيون.
طارق اتنفض أول ما شافني
إيه ده؟ مش قلتي جاية بكرة؟!
أمي فين يا طارق؟
إسلام وشه جاب ألوان وبص في الأرض
أهلاً يا ياسمين.. نورتي.
سألتك أمي فين؟!
شاور طارق ببرود ناحية طرقة الخدمات اللي جنب المطبخ
نايمة في الأوضة اللي ورا.
الأوضة دي معمولة للخزين والغسالة، كنزة ومكتومة، شباكها عالي وضيق، وفيها عتبة رخام عالية تتعب أي حد عيان.
جريت عليها.
لقيت أمي نايمة على كنبة بتتفرد وتتنى حديد، علب دواها متبعترة في كرتونة جزمة على الأرض، ومروحة قديمة محطوطة على البلاط بتلف على الفاضي في الحر.
والحمام على بعد مشوار من الأوضة، لازم تعدي عتبة وتلف الصالة كلها عشان توصله.
ماما..
فتحت عينيها بتعب
حمد الله على سلامتك يا بنتي.. جيتي؟
حاولت تقوم واتسندت على الحيطة بصعوبة.
بقالك قد إيه هنا يا ماما؟
متقلقيش يا حبيبتي، مفيش حاجة، أنا كويسة.
سألتك بقالك قد إيه؟!
سكتت، وعينيها بتزوغ مني
من يوم التلات..
النهاردة الخميس!
حسيت بنار قادت في صدري
ليلتين نايمة هنا بالطريقة دي؟!
إسلام كان متخانق مع مراته ومحتاج يقعد كام يوم يا بنتي..
وإنتي وافقتي تسيبي أوضتك وتنزلي هنا؟
مردتش. أنا حافظة طبعها ومستحيل توافق على كده برضاها.
طارق هو اللي طلب منك كده صح؟
قالي عشان تبقي على راحتك والأولاد ميزعجوكيش.
راحتي أنا ولا راحتهم هما؟!
بصت للباب وقالت بكسرة
والنبي يا ياسمين بلاش مشاكل عشاني، مش عايزة أعمل بينكم حساسية.
مسكت إيدها وقوّمتها.
أول ما طلعنا الطرقة، لقينا طارق واقف مستنينا
إنتي مكبّرة الموضوع ليه وعاملة فيها مصيبة؟
أمي ترجع أوضتها حالاً.
بقولك إسلام عنده مشكلة مع مراته ومتضايق!
ينام في الصالة على الكنبة، ولا يتحرق، أمي مريضة!
ده بيتي برضه وفي ناس عايشة فيه يا ياسمين!
وأمي مش حيوانة عشان ترميها ورا جنب الغسيل!
صوته وطي بنبرة تحذير سخيفة
متسوقيش فيها يا ياسمين.
هسوق في إيه؟!
وهنا نطق الجملة اللي مسحت أي احترام باقي له في قلبي
الشقة دي أنا اللي دافع تمنها، وأنا هنا اللي بمشّي كلمتي وأقرر مين يقعد فين.
إسلام حس بالكسوف وانسحب بالراحة
طب أستأذن أنا بقى..
بصيت له بقرف
أه، يستحسن تمشي.
استنى طارق لما أخوه قفل الباب، ولف عليا
كان لازم تكسفي أخويا يعني وتقلّي بيه؟
وإنت مكسفتش من نفسك لما رميت أمي المريضة جنب الغسالة والمساحيق؟
الأوضة نضيفة ومفيهاش حاجة!
الموضوع مش موضوع نضافة يا محترم!
وهي وافقت وقالت معنديش مانع!
أمي حاولت تهدي الموقف
خلاص يا ولاد والله مفيش حاجة تستاهل..
ماما ادخلي أوضتك وارتاحي، وأنا هجيبلك حاجتك.
كتّف إيديه ووقف يبصلي بغل
إنتي ديماً كده، أهلك يعملوا أزمة وتطلّعيني أنا اللي شيطان في الآخر!
مردتش عليه.
أخدت علاجها ودخلت رتبت السرير، وغيرت الملايات وعملت لها لقمة تاكلها.
وأنا بفرز العلب، لاحظت إن أكياس مكمل غذائي مستورد غالي جداً كنت شرياه ليها بالشيء الفلاني ناقص منها علبتين.
ماما، المكمل ده خلصتيه؟
لأ.. باين شيلناهم على جنب.
شيلتوهم فين؟
عينيها هربت مني تاني، نفس البصة المكسورة.
بعدها بشوية، بعد ما نامت من التعب، موبايلها رن على الكومودينو رسالة واتساب.
مبحبش أفتش في حاجة حد، بس الشاشة نورت باسم طارق، والكلام كان باين من برة
الحوالة بتاعة الأسبوع ده وصلت على فودافون كاش، تسلمي يا حماتي.. وبلاش تجيبي سيرة لياسمين عشان بتكبر المواضيع ومبتفهمش حاجة.
الدم نشف في عروقي وإيديا بردت من الصدمة.
فضلت قاعدة جنبها لحد ما عينيها فتحت.
ماما.. عايزة أسألك سؤال وتجاوبيني بصراحة.
شافت وشي، ومن غير ما تنطق بحرف، دموعها نزلت في ثانية.
والله ما كان قصدي أعملك مشاكل يا بنتي..
إنتي بتديله كام يا ماما؟ وبتديله فلوس ليه أصلاً؟!
وطّت راسها في الأرض ومردتش.
وفي اللحظة دي بس، فهمت إن رميتها في أوضة الغسيل مكنتش أول الحكاية.. دي كانت القشة اللي ظهرت على الوش من وساخة تانية مستخبية تحت.
الجزء الثاني
قعدت على طرف السرير، صوابعي متشنجة والموبايل لسه منور بالرسالة اللي سممت دمي. الهوا في الأوضة فجأة بقى تقيل، زي ما يكون الأكسجين اتسحب منها. بصيت لأمي، للست اللي شالتني سنين
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *