طعنة في ضهر أمي ج 1 حكـايات مني السيد حصري

على كتافها، اللي عضمها بقى باين من تحت الجلابية القطن الواسعة بعد الكيماوي، وشوفت في عينيها نظرة الخوف دي.. الخوف مني أنا، مش من المرض.
بتديله كام يا ماما؟ وليه أصلاً؟ انطقي متسكتيش!
صوتي كان بيترعش بين القهرة والغيظ، مش قادرة استوعب إن الراجل اللي أنا متجوزاه وعايشة معاه في بيت واحد بقالي ثماني سنين، الراجل اللي بيتبغدد ويقولي أنا اللي دافع تمن الشقة، بيمد إيده يبتز ست كبيرة عيانة بتاخد علاج سرطان.
مسحت دموعها بطرف طرحتها القديمة، صوتها طلع مخنوق ومتقطع ياسمين يا بنتي.. اقفلي الباب وطي صوتك عشان ميسمعكيش، الله يرضى عليكي بلاش تولعيها حريقة، الراجل في بيته وليه احترامه برضه.
بيته واحترامه؟! ده أنتي اللي هتحرقي دمي بقلة حيلتك دي! فهميني الحكاية من أولها يا ماما، الفلوس دي بتاعة إيه؟ وليه بيبعتلك يقولك متقوليش لياسمين؟
نزلت عينيها في الأرض وبدأت تفرك صوابعها المزرقة من المحاليل، وبصوت مهزوم حكتلي من تاني أسبوع جيت فيه هنا.. بعد ما نزلتي الشغل، جه قعد معايا في الصالة. كان بيشرب شاي، وقالي بهدوء كده يا حماتي إحنا على قد حالنا والأيام دي صعبة، وتكلفة الإقامة والتكييف والأكل الخاص بتاعك غير فواتير الكهربا والمية اللي نطت للسما. قالي إنك إنتي محروجة تطلبي مني، وإن مصاريف علاجك مأثرة على ميزانية البيت، وهو مش عايز يضغط عليكي عشان متشيليش الهم في شغلك.
حسيت بنغزة سكاكين في صدري، قاطعتها وصدقتيه؟! صدقتي إن جوز بنتك مش لاقي ياكل ولا مكفي بيته؟
يا بنتي ما هو قالي الشقة دي لو اتأجرت تجيب أرقام، وقالي إنه بيستحمل عشان خاطرك، بس المعيشة غليت عليه ومبيحبش يمد إيده لحد.. قالي لو تقدري تساهمي بمصروف أسبوعي من معاش أبوكي أو من الفلوس اللي في البوسطة، يبقى كتر خيرك وبتشيلي عن بنتك. قالي لو ياسمين عرفت كرامتها هتوجعها وتزعل وممكن تتخانق معايا، وإحنا مش عايزين مشاكل في البيت عشان نعرف نعيش في هدوء.
وكان بياخد كام في الأسبوع يا ماما؟ قولي الرقم متخبيش!
كان بياخد.. كان بياخد ثلاثة آلاف جنيه كل جمعة.. يحولهم من خطي على فودافون كاش بتاعه.
ضربت كف على كف، وضحكت ضحكة هستيرية مليانة غل ثلاثة آلاف في الأسبوع؟! يعني اتناشر ألف جنيه في الشهر من معاشك اللي هو أصلاً مبيكفيش نص العلاج؟! طب والمكمل الغذائي؟ العلب الغالية اللي ناقصة من الكرتونة، راحت فين هي كمان؟ طارق عمل بيها إيه؟
عيطت تاني بحرقة وغطت وشها بإيديها إسلام أخوه.. كان هنا الأسبوع اللي فات، واشتكى إن جسمه مهدود وعنده نقص فيتامينات ومبيعرفش يركز في الشغل، طارق فتح الدولاب قدامي وإداله علبتين، وقاله ده مستورد أصلي ومفيد جداً وهيظبطك.. أنا مقدرتش أتكلم يا ياسمين، لساني اتشل، خوفت يقول عليا مستخسرة في أخوه ولا خوفت يرميني برة البيت ويحرجك معايا.
قومت وقفت، الدم غلي في راسي لدرجة حسيت بوشيش في وداني. كنت عايزة أخرج أكسر البيت فوق دماغه، أكسر الشاشات والبلايستيشن اللي مشغلينه بفلوس أمي، بس رجعت خطوة لورا. لأ، المواجهة دي لازم تترتب صح، اللي زي طارق لو واجهته بصويت هيقلب الترابيزة ويقولي أمك بتتبلى عليا ولا أمك خرفت، ولا هيقولي أنتي اللي مش حاسة بمصاريف البيت.
بصيت لماما بحزم تليفونك ده هيفضل معايا الليلة. وأنتي نامي ومتفكريش في أي حاجة، وحياتك عندي كل مليم خده هيرجعه، ولو البيت ده هو اللي مديله الحق يفرعن، فأنا هعرفه أصله كويس.
خرجت من الأوضة وقفلت الباب ورايا براحة عشان متقلقش. مشيت في الطرقة بهدوء قاتل. الصالة كانت فاضية، النور مطفي، وباب الأوضة الكبيرة كان مقفول. فتحته من غير ما أخبط.
كان ممدد على السرير بالتيشرت والشورت، ماسك ريموت التكييف وبيقلب في التليفزيون ولا على باله. بصلي من طرف عينه بنفخة ضيق خير؟ ما تسيبي الناس تنام يا ياسمين، جاية من السفر قالباها نكد من أول دقيقة!
قربت من السرير ببرود مرعب، وقفت فوق راسه ومكتفة إيديا النكد لسه مبدأش يا طارق، النكد هيبدأ لما تيجي تسدد الحساب.
عدل رقدته وبصلي باستهزاء حساب إيه يا روح أمك؟ أنتي شكلك اتجننتي على المسا! هو أنتي مفكرة عشان سكتلك برة قدام إسلام يبقى هسمحلك تسوقي فيها؟ أنا ماشي بمبدأ البيت بيتي وأنا حر فيه، وعامل لأمك خاطر ومقعدها واكلها وشاربها في شقتي، المفروض تبوسي إيدك وش وضهر إنها مش مرمية في دار مسنين.
طلعت تليفون ماما من جيبي، فتحت شاشة الواتساب وحطيتها في وشه بالظبط، عند عينه ده حساب إيه يا باشا؟ الحوالة بتاعة الأسبوع ده وصلت على فودافون كاش، تسلمي يا حماتي وبلاش تقولي لياسمين؟ بتسرق أمي العيانة يا طارق؟ بتاخد من معاش ست مريضة سرطان اتناشر ألف جنيه في الشهر تمن قعدتها وأكلها اللي أنا بجيبه من مرتبي؟
ملامحه اتخضت للحظة، عينه وسعت لما شاف الرسالة، بس ابن اللئيمة مخدش ثانيتين ورجع لبس قناع البجاحة اللي بيتقنه كويس جداً أسرق إيه يا هانم؟ احترمي نفسك واعرفي أنتي بتكلمي مين! أنتي فاكرة بيتك ده ماشي بالبركة؟ التكييف اللي شغال في أوضتها ليل نهار ده مين بيدفع فاتورته؟ لما الكهربا تجيلي بألفين وتلاتة، والمية تنط، والأكل والشرب والعصير اللي بيتحط لها، مين اللي شايل ده كله؟ أنا طلبت منها تساهم بما يرضي الله في مصاريف البيت، وهي وافقت برضاها ومن غير غصب!
بما يرضي الله؟! هو أنت تعرف ربنا أصلاً عشان تقولي بما يرضي الله؟! الأكل أنا اللي بجيبه بالفيزا بتاعتي قبل ما أسافر، التلاجة أنا اللي ملياها لحوم وفراخ وفاكهة، أدوية أمي أنا اللي شرياها من جيبي مليم مليم! أنت بتدفع إيه؟ بتدفع تمن الماتشات والبلايستيشن اللي بتلعبوه؟ ولا بتدفع المكملات الغذائية اللي بتوزعها على أخوك الصايع من ورايا؟
طارق اتنطر من على السرير، وقف قدامي وعروق رقبته نفرت إسلام مش صايع، وإياكي لسانك يغلط في أهلي! وبعدين ما أمك قاعدة واكلة شاربة، هي كانت هتصرف الفلوس دي فين يعني؟ ما هي هتروح للدكاترة والكيماوي، ولا هي الفلوس خسارة في جوز بنتها وبيتها التاني؟ أنتي ليه بتعامليني كأني شحات عندك؟
عشان أنت شحات يا طارق! شحات ونطع كمان!
القلم نزل في الهوا لما رفعت إيدي ووقفت دراعه قبل ما يلمسني، بصيت في عينه بنظرة عمري ما بصيتهاله في حياتي إيدك دي لو اتحركت، قسماً برب العزة ما هبات الليلة دي غير في القسم بمحضر ضرب، وأنت عارف شغلي وعارف علاقاتي كويس ومش هسمي عليك! نزل إيدك دي تحت!
نزل إيده ببطء وهو بيجز على سنانه، الغل باين في عينيه اطلعي برة أوضتي. اطلعي برة ومسمعش صوتك لحد الصبح. بكرة الصبح يا ياسمين هتقرري، يا تعيشي بأدبك في البيت ده وتعرفي مين الراجل هنا ومين اللي بيصرف، يا تاخدي أمك من إيدها وترجعوا شبرا، والورقة بتاعتك هتوصلك لحد هناك!
ابتسمت بسخرية، ابتسامة باردة قطعت وشه أطلع برة أوضتك؟ وشقتك اللي أنت دافع تمنها؟ أنت نسيت