اخت جوزى منى السيد الثاني والاخير
التكسي كان بيشق زحمة شارع فيصل بالعافية، وصوت الكلاكسات برة كان عامل دوشة تصدع الحجر، لكن جوايا كان فيه هدوء غريب.. هدوء يشبه السكون اللي بيجي قبل العاصفة ما تقتلع الشجر من جذوره. كنت ساندة راسي على قزاز الشباك الساقع، وببص على وشوش الناس في الشارع؛ الستات اللي شايلين أكياس الخضار وراجعين بيوتهم مهدودين، والرجالة اللي خارجين من أشغالهم بيجروا رجليهم. افتكرت نفسي من كام ساعة بس، لما كنت مستسلمة للموت بالبطيء، حاطة وشي في المخدة وبقول يا رب خدني وريحني من التعب والهمدان.
كنت فاكرة إن التعب اللي في جسمي سببه نقص الحديد والأنيميا، بس في اللحظة دي فهمت إن نص التعب كان قهر، والنص التاني كان خذلان متخزن بقاله سنين. لما روح البني آدم بتتكسر وبتتساب لوحدها تعافر في ساقية مابتوقفش، الجسم بيعلن العصيان ويقع.
طلعت الموبايل من جيبي وفتحت المحفظة الصغيرة اللي شيلتها في عبايتي. اتأكدت من الورق قسيمة جوازي، بطاقتي الشخصية، وصورة عقد الشقة اللي أبويا الله يرحمه دافع نص تمنها وكاتبها باسمي واسم طارق، ورقم المترو رشوان محامي والدي القديم. خدت نفس طويل، وطلعت ورقة تانية كانت مطبقة أربع تّرباع.. وصل أمانة قديم بميتين ألف جنيه، كان طارق ماضيه لوالدي لما جه يفتح ورشة النجارة ومردش منه مليم، وكان أبويا مسامحه فيه عشان خاطري وبيقولي ده جوزك وأبو عيالك يا سمر، عيبه عيبنا ومالنا ماله. طلع مالنا مش ماله.. طلع مالنا مداس لمروة ولأخوها عشان يركبوا بيه على أكتافنا.
الساعة كانت تمانية إلا عشرة لما التاكسي وقف جنب محطة المترو. نزلت، وحاسبت الراجل، وبصيت على العمارة القديمة اللي على ناصية الشارع الجانبي. مدخل رخام أصفر باهت، ويافطة نحاس مطفية متعلقة على الحيطة مكتب المأذون الشرعي.. الأستاذ عبد الحميد الفقي.. الدور الأول.
طلعت السلم خطوة ورا خطوة. رجلي كانت خفيفة، مفيش الهمدان اللي كان بيخليني أزحف من الأوضة للصالة. الغضب كان بيضخ في عروقي طاقة عمري ما حسيت بيها من يوم ما ولدت التوأم. وقفت قدام الباب الخشب الكبير، كان موارب سِنة وصوت الضحك والهمهمات طالع من جواه.
قربت ودني بحذر. صوت مروة كان يلعلع، نبرة فيها انتصار وفرحة كأنها فاتحة عكا يا حاج جابر، والله العظيم طارق ده جوهرة، بكره تشوف وتعرف ذوقي، ده حتة سكرة ومبيكسرش كلمة، وبنتك هناء في عينيه الاتنين.. كفاية بس إنه داخل على شقة جديدة وناس نضاف يقدروا قيمته، مش زي الهم اللي كان غرقان فيه!
