حكايات انجى الخطيب الاول

ديفيد صرف كل تحويشة عمره، وأخد إجازة وباع جزء من ممتلكاته عشان يسافر بنفسه، وبمساعدة مرشد محلي قدر يوصل للنبات ده، وأخد منه عينة حية محفوظة في أنبوب اختبار طبي معالج وبسائل حافظ ومعاه كل التحاليل والوثائق الطبية الخاصة ببنته. الأنبوب ده كان محطوط في جيب مخفي تحت البطانة الداخلية للشنطة، جيب أنا أصلاً مخدتش بالي منه ولا شفته لما فتحت الشنطة أول مرة!

ديفيد بصلي والدموع في عينيه وقالي: “الفلوس دي كانت المصاريف اللي هدفعها للمستشفى عشان يبدأوا تحضير الدواء فوراً أول ما أرجع، والموبايل عليه اتصالات الأطباء والخطوات.. لكن الأنبوب ده.. لو كان ضاع أو اتكسر، كانت بنتي تموت خلال أسابيع، لأن النبات بيموت ومفيش فرصة ثانية لجمعه السنة دي.”

الكلام نزل عليا فذهلني. بقيت واقف في نص الشارع بتبادل النظرات بين الشنطة والراجل وأنا جسمي بيقشعر. تخيلت لو كنت استسلمت للوساوس واستحللت الفلوس ورميت الشنطة باللي فيها في أي ترعة أو صندوق زبالة.. كنت هبقى متسبب في قتل طفلة ملهاش أي ذنب في الدنيا! كنت هبقى أخدت فلوس عشان أجيب جهاز لبنتي، على حساب حياة بنت تانية!

ديفيد فتح الشنطة بلهفة، وطلع الأنبوب الصغير وبص عليه ولقاه سليم. تنفس الصعداء كأنه اتولد من جديد. فتح جيب الفلوس وطلع حزمة كاملة من الدولارات وقدمهالي وهو بيترجاني أقبلها، وقال: “أنت أنقذت حياة بنتي.. دي أقل حاجة أقدر أقدمهالك، دي أمانتك وأخلاقك.”

أنا بصيت للفلوس.. الفلوس دي هي هي اللي كانت هتعمي عيني من يومين، وهي هي اللي كنا محتاجينها في البيت أشد الاحتياج. بس في اللحظة دي، الفلوس كانت طالعة قدامي ملهاش أي قيمة.. حسيت إن لو لمستها هبقى أخدت ثمن أمانتي، وأنا طول عمري متربي إن الأمانة ملهاش ثمن ولا بتتباع ولا بتتشترى.

رديت عليه بابتسامة وبصوت هادئ وقلت له بلهجة بسيطة حتى لو مش فاهمها كلها بس نبرتي وصلتله: “لا يا دكتور.. أنا عملت اللي ديني وضميري قالوا عليه.. ربنا يشفيلك بنتك وترجع لها بالسلامة، الفلوس دي أدفعها للمستشفى وعالج بيها إيما.”

ديفيد اتفاجأ، بصلي بذهول كأنه مش مصدق إن فيه بني آدم في الظروف دي ويرفض مبلغ زي ده. أصر وشدد عليا، وأنا أصررت على موقفي ورفضت أستلم منه ولا دولار واحد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *