منى السيد الاول
أبويا قاعد لوحده.
ولما شافني، بص لي بطريقة غريبة، ومد إيده ناحيتي.
قعدت جنبه ومسكت إيده وقلت
خير يا بابا؟ إنت عايز حاجة؟
بص ناحية باب الأوضة، واتأكد إن مفيش حد سامعنا.
وبعدين قرب مني وقال بصوت واطي
إنتِ جيتي؟ أنا كنت مستنيكي عايز أقولك على حاجة.
وقتها قلبي اتقبض.
وقلت له
حاجة إيه يا بابا؟
وبصيت له وأنا مستنية يسمعني
لأن الجملة اللي قالها بعدها، خلتني أشك إن حكاية الشقة والمعاش مش زي ما أخويا بيحكيها خالص.
بصيت لأبويا وقلبي كان بيدق في صدري كأنه طبول حرب. إيده كانت بتترعش في إيدي، وصوابعه باردة زي التلج مع إن الجو مكنش شتا. وشه كان شاحب، وتحت عينيه سواد غامق يقطع القلب.
قربت ودني منه أكتر، وكنت حابسة نفسي مش قادرة حتى أتنفس، خاېفة حد يدخل فجأة أو مراته تطلع من المطبخ وتسمعنا.
لقيته بيقول بصوت مبحوح ومكسور، كأن الكلام بيطلع من زوره بالعافية
أخوكي خد الدفتر يا بنتي… ومخليني ماضيله على ورق على بياض أول ما خرجت من المستشفى.
الدنيا لفت بيا
في اللحظة دي. قعدت على طرف السرير وإيديا فلتت من إيده ڠصب عني، بصيت له بعيون متسعة، وحسيت إن وداني فيها صفارة عالية مش سامعة غيرها.
ورق إيه يا بابا؟! دفتر إيه اللي خده؟ إنت مش بتقول الدفتر الأزرق بتاع البوستة؟
هز راسه ببطء، ودموعه نزلت في تجاعيد وشه، دموع راجل عجوز حس بقلة الحيلة قدام ابنه اللي من صلبه
أيوه… دفتر التوفير اللي كنت شايل فيه قرشين للزمن، عشان لما أكبر محتاجش لحد ولا أمد إيدي لمخلوق. قالي يا بابا هخليه معايا عشان المستشفيات والعمليات، وأول ما راسي لفت في المستشفى وكان عندي الدوخة بتاعة الڼزيف، جاب لي ورق وقالي إمضي هنا عشان نخلص ورق المستشفى ونطلع المعاش… وأنا مضيت… مكنتش شايف يا بنتي، مكنتش شايف قدامي، وأخوكي هو اللي كان شايلني، قولت ابني ضهري وسندي، عمره ما هيأذيني.
مسكت دماغي بإيديا الاتنين، حاسة إني في كابوس مرعب، وعايزة أصحى منه ومش عارفة.
دفتر البوستة ده أنا عارفة إنه شايل فيه شقى عمره
كله في السكة الحديد، مكافأة نهاية الخدمة، وتحويشة سنين الغربة زمان لما سافر العراق، وفلوس كان شايلها وبيقول دي لستر الزمان ولما واحد فينا يقع. كان بيقولي دايمًا أنا شايل ميتين ألف جنيه، مش هلمسهم إلا للمۏت أو للمرض الشديد.
وهو سحب الفلوس يا بابا؟ إنت متأكد إنه ورق بيع ولا ورق إيه؟
سمعته… سمعته أول أمس بيكلم مراته بره في الصالة… بيقولها إحنا هنسحب آخر مية ألف ونسدد بيهم القسط بتاع العربية، والشقة هنأجرها مفروش للطلبة بتوع الجامعة، وندخلنا كل شهر خمس تلاف جنيه فوق المعاش، ونعيش مرتاحين… ولما قولتله يا ابني حرام عليك شقتي، قالي إنت خلاص ملكش عازة بالدنيا، وملكش دعوة بالمصاريف، إحنا اللي شايلينك وبنغيرلك قرفك!
الكلمة نزلت على قلبي زي مية مغلية.
ملكش عازة بالدنيا؟ بنغيرلك قرفك؟!
أبويا أنا؟ الراجل اللي كان بيلف على رجليه من الفجر للمغرب عشان يدخلنا أحسن مدارس، الراجل اللي كانت بدلته بتلمع ومحدش يقدر يرفع عينه في وشه، يتقال له كده؟! وفي بيته، ومن ابنه اللي ميزه عليا في كل حاجة من وإحنا صغيرين؟!
قومت وقفت من على السرير، وجسمي كله بينتفض من الغيظ والقهرة.
وحياة تراب أمي ما هسكت له يا بابا. وحياة ۏجع قلبك ده لأرجعلك حقك قرش قرش، وأقعدك في شقتك سيد وتاج راسنا كلنا!
أبويا مسك في عبايتي بإيده اللي مش مکسورة، وقال بړعب حقيقي
لأ يا هدى… متواجهيهوش دلوقتي، هيرميني في الشارع يا بنتي، هيسيبني وأنا مش قادر أروح الحمام لوحدي… متخربيش بينك وبين أخوكي يا بنتي، أنا خلاص أيامي معدودة.
بصيت له وبكيت بحړقة
أيامك معدودة إيه يا حبيبي! بعد الشړ عليك، ربنا يديك طولة العمر في صحة وستر. بس أخويا ده اتعمى، الفلوس عمته ومراته ماشياه على عجين ميلخبطوش. إنت هنا مش عايش، إنت هنا مدفون بالحيا!
في اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح بيتحط في باب الشقة الخارجي، وصوت كعب عالي بيطقطق في الطرقة.
أبويا ارتجف، وبسرعة قالي بهمس مړعوپ
مراته جات… شيماء جات، متتكلميش!
مسحت دموعي بسرعة بطرحتي، وبلعت ريقي اللي