الليلة الكبيرة منى السيد الاول
صوت الإزاز وهو بيتكسر كان أعلى حاجة في القاعة. الشربات الأحمر سال على البلاط الرخام، وساب بقعة فاقعة على طرف بنطلون بدلته الكحلي الجديدة.
كل همسة، كل ضحكة، وحتى صوت المازيكا اللي كانت شغالة من بعيد، فجأة اتكتموا كأن شريط الفرح اتقطع بسكينة تلمة.
حسام فضل واقف متخشب، إيده اللي كانت ماسكة الكوباية لسه معلقة في الهوا، وعينيه مبرقة في وشي، مش قادر يستوعب إني واقفة بلحمي ودمي قدامه. لونه كان بيهرب منه بالتدريج، شفايفه نشفت، وحنجرته طلعت صوت مهزوز كأنه طالع من بير غريق:
ن… نور؟!
نطق اسمي وكأنه لعنة حلت عليه.
أنا مكنتش بتحرك. فضلت مثبتة عيني في عينيه، أوزن نظراته اللي كانت بتنط ما بين الرعب والذهول، ومكنش في قلبي في اللحظة دي أي نبض خوف. الخوف ده شعور بيحسه الإنسان لما يكون عنده حاجة خايف يخسرها، وأنا في الدقايق اللي فاتت دي، خسرت كل حاجة؛ خسرت الخمس سنين، وخسرت عمري، وخسرت فكرة الراجل السند اللي بنيت عليه دنيتي.
حماتي، اللي كانت قاعدة ومفروشة بضحكتها وفستانها الدهبي، وشها احتقن بالدم من الغيظ، عينيها طلعت شرار، وقامت وقفت بسرعة عشان تداري بنت أختها في ضهرها، وقربت مني بخطوتين سريعتين وهي بتهمس بصوت واطي ومسنون زي الموس:
إيه اللي جابك هنا يا مقصوفة الرقبة؟! اتجننت في عقلك؟! جاية تبوظي فرحة ابن عمك وأخو جوزك؟! ارجعي بيتك فورًا قبل ما أدفنك مكانك!
بصيت لها من فوق لتحت. الست اللي شيلتها على كتافي لما وقعت مكسورة الحوض، الست اللي كنت بغير لها هدومها وبغسل لها رجليها بمية دافية كل ليلة وهي بتدعي لي بالستر، دلوقتي واقفة بتبصلي كأني حشرة غريبة داست على طرف سجادتها.
ابتسمت. ابتسامة باردة وهادية، من النوع اللي يجنن اللي قدامك ويهد حيله. مردتش عليها هي، وجهت كلامي لحسام، بصوت واضح، مش عالي بالصريخ، بس صوت رزين ومسموع، هز القاعة كلها:
مالك يا عريس؟ اتخضيت ليه؟
حسام بلع ريقه بصعوبة، حاول يلم نفسه، وبدأ يبص حواليه يلاقي المعازيم كلهم ساكتين ومركزين، والهمهمات بدأت تعلى في أركان القاعة زي طنين الدبان:
مش دي مراته الأولانية؟ هي مش كانت تعبانة في السرير وموافقة على الجوازة؟ أومال جاية بشكلها ده ليه؟ شكلها مكنتش تعرف!