مرات ابويا زيزى
ثالثة
ولو نزل آدم… لن تروا والدتكم مرة أخرى.
آدم سكت.
وبعدين قال
أنا مش هنزل.
بصيت له.
هتفضل في الطائرة؟
أيوه.
ليه؟
قال
لأنهم عايزينني أنزل.
ثم بص لأبويا.
وده معناه إنهم عايزين يبعدوني عن نورا لسبب.
دانيال أشار للشاشة.
عندنا مشكلة.
ظهر تحذير جديد.
تم إلغاء جميع صلاحيات الطاقم.
الكابتن قال
الطائرة بقت تحت تحكم خارجي بالكامل.
أبويا قال
يعني إيه؟
الكابتن رد
يعني إحنا مش اللي بنحدد هنهبط فين.
بصيت للشاشة.
وبعدين للمفتاح الفضي في إيدي.
وفجأة افتكرت الجملة اللي أمي كتبتها
لو وصلتي لليوم ده… يبقى والدك فشل في إخفاء الحقيقة للمرة الأخيرة.
قلبت المفتاح.
كان فيه رقم صغير محفور عليه
17
نفس رقم الخزانة.
وبصيت لدانيال.
المفتاح ده مش للخزانة.
إنتِ عرفتي منين؟
قلت
لأن الخزانة اتفتحت من غيره.
وبعدين بصيت للوحة التحكم.
ده مفتاح الطوارئ.
الكابتن قرب.
مفتاح إيه؟
حطيته في فتحة صغيرة تحت لوحة القيادة.
صدر صوت.
الشاشة أضاءت.
وظهر خيار واحد
MANUAL OVERRIDE BENNETT FAMILY AUTHORIZATION
ضغطت عليه.
وفجأة…
كل الأنظمة رجعت تشتغل.
الكابتن بصلي بدهشة.
إنتِ عملتي إيه؟
قلت
مش أنا.
وبصيت للشاشة.
لأن ظهر عليها سطر جديد
أحسنتِ يا نورا.
ثم ظهر سطر آخر
دلوقتي تقدري تعرفي مين اللي خان أمك.
وتحت الجملة…
ظهر اسم واحد فقط.
أبوكي فضلت باصة للاسم على الشاشة.
أبوكي.
حسيت إن كل الأصوات حواليّا اختفت.
لفيت ببطء ناحية أبويا.
كان واقف عند باب الكابينة، ووشه متجمد.
قلت
قول لي إن ده كڈب.
ما ردش.
بابا… قول أي حاجة.
فضل ساكت.
آدم قرب منه.
أنت عارف مين كتب الرسالة دي؟
أبويا قال
أيوه.
سألته
مين؟
قال بصوت مكسور
أمك.
اتجمدت.
أمي هي اللي كتبت إنك خنتها؟
هز راسه.
أيوه.
ليه؟
قعد على أقرب كرسي.
لأن الحقيقة مش زي ما إنتِ فاكرة.
ضحكت بمرارة.
الجملة دي بقت أكتر جملة بكرهها.
دانيال فتح الدفتر.
نورا، والدتك ما كانتش بتتهمه إنه خاڼها بمعنى اللي في بالك.
بصيت له.
أمال إيه؟
قال
كانت تقصد إنه خان اتفاقًا بينهما.
أبويا رفع عينه.
كان لازم أحمي الأطفال.
آدم قال
وإنت اخترت تحمي واحد وتخبي التاني.
أبويا رد بعصبية
أنا كنت بحاول أحميكم أنتم الاتنين!
سكت الجميع.
بصيت لآدم.
إنت عارف حاجة تانية؟
قال
أيوه.
قول.
جوليان ما كانش أخونا التالت.
اتسعت عيني.
إيه؟
آدم أضاف
هو ابن روبرت.
سكت.
ثم قال
لكن أمي هي اللي ربته فترة.
دانيال هز راسه.
وده سبب إن روبرت كان متمسك بالشركة.
بدأت أفهم إن كل الأسماء دي مرتبطة ببعض بطريقة أعقد مما توقعت.
لكن سؤالًا واحدًا كان أهم من كل شيء.
أمي فين؟
أبويا رفع عينه.
مش عارف.
صړخت
إنت أبويا ومش عارف؟!
آخر مرة شفتها كانت في المستشفى.
وبعدها؟
اختفت.
آدم قال
وإنت ما دورتش عليها؟
أبويا بص له.
دورت سنين.
دانيال قاطعه
لأ.
الجميع بص له.
هو ما دَوّرش لوحده.
ثم حط ورقة قديمة على الطاولة.
أنا اللي كنت بدور.
أخدت الورقة.
كانت تقريرًا عن تحركات مالية.
وفي آخر الصفحة اسم شركة مجهولة.
HARRIS PRIVATE TRUST.
قلت
دي شركة روبرت؟
دانيال قال
أيوه.
وفلوسها راحت لمين؟
سكت.
ثم قال
لوالدتك.
اتسعت عيني.
يعني أمي كانت بتاخد فلوس من روبرت؟
مش بالمعنى ده.
أمال؟
قال
كانت بتدفع له مقابل شيء.
إيه؟
قبل ما يرد…
الطيارة اهتزت فجأة.
الكابتن صړخ
اربطوا الأحزمة!
الكل رجع لمقاعده.
بصيت من الشباك.
الغيوم كانت تحتنا.
لكن الطائرة بدأت تنزل.
قال الكابتن
وصلنا للمطار الخاص.
سألت
والمطار ده ملك مين؟
فتح الكابتن ملف الموقع.
ثم قال
شركة اسمها…
وسكت.
قول.
بص لي.
Bennett Family Estate.
اتجمدت.
عندنا مطار باسم العيلة؟
أبويا قال
كان موجود من زمان.
وأنا ما كنتش أعرف؟
ما ردش.
الطائرة بدأت تهبط.
وبمجرد ما لمست الأرض، شفت من الشباك عشرات العربيات السوداء.
ورجال واقفين جنب المدرج.
وفي وسطهم…
امرأة.
واقفة وحدها.
شعرها نفس شعر أمي.
قلبت وجهي ناحية آدم.
هو كان باصص من النافذة.
وبصوت مرتجف قال
نورا…
إيه؟
أشار للمرأة.
دي مش أمنا.
سألته
عرفت منين؟
قال
لأنها…
وسكت.
ثم أكمل
أخت أمي.
فتح باب الطائرة.
والمرأة بدأت تمشي ناحيتنا.
وفي إيدها صورة قديمة لأمي.
لكن أول ما وصلت عند باب الطائرة…
رفعت الصورة وقالت
أنا عارفة مكان والدتكم.
ثم بصت لأبويا مباشرة.
وأنا كمان عارفة مين أخفاها.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
وهو لسه عايش نزلت من الطائرة وأنا مش حاسة بالأرض تحت رجلي.
المرأة كانت واقفة قدامي، ماسكة الصورة القديمة.
بصيت لها.
إنتِ أخت أمي؟
هزت راسها.
اسمي إليزابيث.
بصيت لأبويا.
كان أول ما شافها، وشه اتغير.
إليزابيث لاحظت.
وقالت له
لسه بتكدب عليها؟
أبويا رد بعصبية
مش قدام نورا.
بالعكس… قدامها بالذات.
أنا رفعت إيدي.
كفاية.
الكل سكت.
أنا تعبت من الأسرار.
بصيت لإليزابيث.
أمي فين؟
قالت
قبل ما أقولك، لازم تعرفي إن والدتك ما كانتش ضحېة بالشكل اللي أبوكي صورهالك.
سألتها
يعني إيه؟
كانت بتحاول تحميكم.
من مين؟
إليزابيث بصت خلفي.
على آدم.
ثم على أبويا.
وبعدين قالت
من العيلة نفسها.
آدم قال
إنتِ بتقصدي مين؟
ابتسمت بحزن.
أقصد الشخص اللي بدأ كل ده من البداية.
أبويا قال
إليزابيث، لو سمحتي.
لكنها تجاهلته.
قبل ۏفاة والدتك بشهر، اكتشفت إن حد بيحوّل فلوس من حسابات الشركة لحسابات سرية.
قلت
مين؟
ما عرفناش في البداية.
وبعدين؟
أمك عرفت.
ومين طلع؟
إليزابيث سكتت.
ثم قالت
شخص كانت بتثق فيه أكتر من أي حد.
قلبي بدأ يدق.
مين؟
بصت لي مباشرة.
توماس.
دانيال شهق.
سكرتير والدك؟
هزت راسها.
أيوه.
آدم قال
لكن توماس اختفى!
إليزابيث ردت
لأنه ما اختفاش.
اتجمدنا.
هو لسه عايش.
بصيت لأبويا.
وإنت كنت عارف؟
أبويا قال
عرفت من فترة قصيرة.
وقولت لي لأ؟
كنت بحاول أوصله.
إليزابيث قاطعت
لأ.
وبعدين بصت لي.
هو اللي كان بيوصل لكم.
طلعت موبايلها وفتحت مجموعة صور.
في أول صورة، توماس واقف قدام مبنى قديم.
في الثانية، كان بيتكلم مع رجل.
قربت الصورة.
وتجمدت.
الرجل اللي واقف معاه…
كان روبرت هاريس.
لكن الصورة كانت حديثة.
قلت
روبرت لسه عايش؟
إليزابيث هزت راسها.
أيوه.
دانيال قال
أنا كنت متأكد إنه ماټ.
دي كانت الفكرة.
ثم قالت إليزابيث
هو اللي أخفى نفسه.
آدم سأل
وليه؟
إليزابيث بصت لي.
عشان يفضل بعيد عن الشخص اللي بيحاول ېقتله.
سألت
مين؟
قبل ما تجاوب…
وصلت رسالة على موبايلي.
رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة.
أمي.
جالسة على كرسي، وراها حائط أبيض.
لكنها كانت ماسكة جريدة.
وعلى الصفحة الأولى تاريخ اليوم.
صړخت
دي أمي!
إليزابيث قربت مني.
بصت للصورة.
وشها اتغير.
دي مش صورة قديمة.
عارفة.
نورا…
رفعت عيني لها.
قالت
والدتك عايشة.
قلبي توقف لحظة.
فين؟
وصلت رسالة جديدة.
لو عايزة تشوفيها، تعالي لوحدك.
وتحتها عنوان.
قرأت العنوان.
ثم رفعت عيني ببطء.
العنوان ده…
آدم قال
إيه؟
قلت
ده عنوان الشاليه اللي إحنا كنا رايحين له.
سكت الجميع.
ثم وصلت رسالة أخيرة
وما تثقيش في أي شخص هيكون معاكي.
رفعت عيني ناحية أبويا.
ثم آدم.
ثم إليزابيث.
وفي اللحظة دي، فهمت إن المشكلة مش بس في معرفة مكان أمي.
المشكلة إن واحد من الناس اللي واقفين حواليا…
ممكن يكون هو الشخص اللي كان بيرسل كل الرسائل من البداية.
وفجأة، إليزابيث مسكت إيدي وقالت
قبل ما تدخلي الشاليه، لازم أقولك سر واحد.
إيه؟
قربت مني وهمست
الشخص اللي اختفى من المستشفى مع والدتك…
سكتت لحظة.
كان أخوكي آدم تجمدت وأنا باصة لإليزابيث.
آدم؟
آدم نفسه كان واقف مكانه، وكأنه اتلقى الضړبة في صدره.
أنا؟!
إليزابيث هزت راسها.
أيوه… لكن مش بالشكل اللي فاكرينه.
بصيت لآدم.
اتكلم.
قال بصوت متقطع
كنت في المستشفى يومها… لكني ما كنتش اللي أخد أمنا.
أمال عملت إيه؟
كنت بحاول أهربها من هناك.
دانيال تدخل
وده اللي حصل فعلًا.
طلع ملف من حقيبته وفتحه.
والدتك اكتشفت إن توماس كان بيسرق من الشركة، لكنه ما كانش بيتصرف لوحده.
قلبت الصفحات بسرعة.
مين كان معاه؟
دانيال حط إصبعه على اسم في آخر صفحة.
باتريشيا.
لفيت ناحيتها.
كانت واقفة شاحبة.
إنتِ؟
باتريشيا بدأت تبكي.
أنا ما كنتش عايزة أذي أمك.
صړخت
أمال عملتي إيه؟
قالت
ساعدت توماس يوصل لبعض الملفات… لأنهم هددوا ماسون.
ماسون
اټصدم.
ماما!
كملت باتريشيا
لكن لما عرفت إنهم ناويين يخلصوا على والدتك، حاولت أوقفهم.
سألت
وإيه اللي حصل؟
قالت
والدتك كانت عارفة إنهم هييجوا لها. فخططت تختفي.
آدم قال
وأنا ساعدتها.
بصيت له.
ليه ما قلتليش؟
لأنها طلبت مني أحميكي… من غير ما تعرفي.
دانيال أخرج ظرفًا أخيرًا.
وده الدليل.
فتحت الظرف.
كانت وصية أمي.
بدأت أقرأ.
نورا، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى الخطة نجحت.
دموعي نزلت.
أنا لم أترككِ لأنني لم أحبكِ. تركتكِ لأن بقاءكِ بجانبي كان سيجعلكِ هدفًا.
ثم
أبوك أخفى الحقيقة عنكِ، لكنه فعل ذلك بناءً على طلبي.
بصيت لأبويا.
كان بيبكي في صمت.
كملت
أما باتريشيا، فلا تثقي بها بالكامل، لكنها لم تكن عدوتكِ كما ظننتِ.
باتريشيا غطت وشها.
ثم وصلت للسطر الأخير
ولو عايزة تعرفي أنا فين… تعالي إلى البيت القديم.
رفعت عيني.
البيت القديم؟
إليزابيث ابتسمت.
تعالي.
بعد أقل من ساعة، وصلنا لبيت صغير بعيد عن المدينة.
الباب اتفتح.
وأول ما دخلت…
سمعت صوتًا حفظته رغم مرور السنين.
نورا؟
وقفت.
ما قدرتش أتحرك.
خرجت امرأة من الغرفة.
شعرها كان أقصر.
ملامحها أكبر.
لكن عينيها…
كانوا عيني أمي.
ماما؟
جريت عليها.
حضنتها وأنا بعيط.
ليه؟
كانت بټعيط هي كمان.
عشان أحميكي.
فضلنا متعانقين وقت طويل.
وبعدها قالت
دلوقتي دوري إنك تعرفي الحقيقة كلها.
مرت الشهور التالية في إعادة بناء كل شيء.
تم تقديم المستندات للجهات المختصة، وتم كشف عمليات التلاعب في الشركة.
توماس اختفى قبل القبض عليه، لكن المستندات التي تركها كانت كافية لكشف شبكة التحويلات.
أما باتريشيا، فاعترفت بدورها وقدمت ما لديها من أدلة، وقررت العائلة إنهاء أي صلاحيات لها داخل الشركة.
وأبويا؟
أخيرًا وقف قدامي وقال
أنا قضيت سنين بحاول أحميكي… لكني نسيت إن الحماية من غير الحقيقة ممكن توجع أكتر من الخطړ نفسه.
سامحته.
لكن علاقتنا ما رجعتش في يوم وليلة.
أما آدم…
فبقى أقرب شخص ليا.
ولأول مرة في حياتي، كان عندي أخ أقدر أقول له كل اللي جوايا.
وبعد سنة، رجعت لنفس المطار.
المكان اللي بدأت فيه الحكاية.
نفس الصالة.
نفس بوابة السفر.
لكن المرة دي ما كنتش شايلة شنط حد.
ولا قاعدة في الدرجة الاقتصادية عشان حد يحرجني.
كنت واقفة قدام لوحة الشركة، والموظفين بينادوا اسمي باحترام.
جت باتريشيا من بعيد.
وقفت قدامي.
بصت لي طويلًا وقالت
فاكرة أول يوم خليتك تشيلي شنطي؟
ابتسمت.
فاكرة.
قالت
أنا كنت فاكرة إنك خسړتي كل حاجة.
بصيت لها.
وأنا كنت فاكرة إني خسړت كل حاجة فعلًا.
ثم ضحكت بهدوء.
طلعنا الاتنين غلط.
ركبت الطائرة بعدها.
لكن قبل الإقلاع، فتحت جواز سفري.
ولقيت الشارة الفضية القديمة اللي كانت مخبية جواه.
ابتسمت.
لأنها فكرتني بأهم درس اتعلمته
مش كل شخص بيقلل منك عارف قيمتك… ومش كل شخص بيخبي الحقيقة عنك بيكون عدوك.
وأحيانًا…
الإنسان اللي الكل فاكره خسر كل حاجة…
يكون هو الوحيد اللي لسه ماسك مفتاح كل حاجة.
النهاية.