همسة فى الظلام شروق خالد الثاني

قاطعتُها بنبرة هادئة غير تلك التي اعتادت سماعها مني: “أنا عارف. وعارف إنك بقالك يومين مانامتيش.”

توقفت عن الكلام ونظرت إليّ بذهول، وهي تجذب البطانية حول كتفيها دون أن تدري.

وقفتُ من مكتبي ومشيتُ ببطء نحوها. تراجعت هي خطوة للخلف كعادتها، لكن هذه المرة لم تنظر إلى الجوار… بل رفعت عينيها ولأول مرة منذ سنتين، نظرت في عينيّ مباشرة.

قلتُ لها وأنا أضع كوب القهوة على الطاولة المجاورة لها: “الورق اللي جبتيه… قريتيه قبل ما تيجي؟”

ارتبكت، وظهر الخوف في عينيها مجدداً، وظنت أنها ارتكبت خطأً كارثياً بالتدخل في أعمالي: “أنا… أنا بس كنت براجع الأسماء والأرقام زي ما حضرتك عودتني… ولما لقيت البند الأخير متعدل بطريقة غريبة، خفت… خفت يجرى حاجة لحضرتك لو وقعت عليه.”

عمّ الصمت الغرفة لثوانٍ.

“خفتِ عليّ؟” سألتُها بنبرة عميقة.

فرّكت يديها بتوتر وقالت بصوت خافت: “خفت على الشركة… وعلى حضرتك. أنت الوحيد اللي ساعدتني لما محدش رضي يشغلني.”

ابتسمتُ ابتسامة صغيرة صادقة، ربما لم ترَ مثلها على وجهي من قبل.

“إبراهيم مش هيرجع الشركة تاني يا خديجة… ومن النهاردة، مكتبه بقى مكتبك، ومرتبك هيتضاعف ثلاث مرات.”

فتحت فمها لتتحدث من شدة المفاجأة، لكنني قاطعتُها وأنا أشير إلى الحمام الداخلي للغرفة: “ادخلي اغسلي وشك، وفي هدوم نظيفة ومظبوطة على مقاسك حطهالك علي برة. قدامنا ساعة واحدة قبل اجتماع مجلس المدينة… وأنتِ اللي هتكوني معايا.”

نظرت خديجة إليّ بذهول، وكأن كلماتي لم تدخل عقلها بعد. اتسعت عينها وهي تتردد بين النظر إلى الملابس الأنيقة الموضوعة بالخارج والعودة للنظر في عينيّ.

“أنا… أكون مع حضرتك في اجتماع مجلس المدينة؟” همست بصوت يملؤه الذهول والارتباك. “بس يا حمزة بيه… أنا مجرد سكرتيرة، وأستاذ إبراهيم كان…”

“إبراهيم انتهى يا خديجة،” قاطعتها بصوت حاسم ورزين. “إبراهيم اختار يبيع الشركة ورئيسه علشان قرشين. أنتِ الوحيدة اللي كان عندك شجاعة وضمير تجيي لحد هنا وتنقذي شغلي. اللي زيك مكانهم مش ورا مكتب استقبال يستنى الأوامر.”

توقفت عن الكلام واقتربت منها خطوة واحدة. لم تتراجع هذه المرة، ولم تنظر إلى الأرض أو إلى الجدار كما كانت تفعل دائماً. كانت تنظر إليّ بوضوح، وفي عينيها مزيج غريب من الخوف والشغف والامتنان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *