الكاتبة نور محمد
هل طارق أو والدته طلبوا منك في أي وقت تمضي على أوراق تخص شقة،
أو ميراث، أو حساب بنكي؟
ندى عقدت حواجبها وهي بتحاول تفتكر.
شقة؟ لا. بس من حوالي شهرين، طارق جاب لي ورق وقال لي أمضي في آخر صفحة، وإن ده إجراء عادي عشان نسجل بيانات البيبي في التأمين بتاع الشركة. أنا سألته الورق ده إيه، قال لي إن الموضوع روتيني، وإنه مستعجل عشان يلحق يقدمه.
الظابط مال بجسمه لقدام.
وإنتي مضيتي؟
ندى حطت إيدها على صدرها، وكأنها بتحاول تمنع قلبها من الخفقان.
أيوه، مضيت. بس أنا مقريتش الورق كله، كنت تعبانة، وهو قال لي إنه جوزي ومش هيضرني.
سكتت لحظة، وبعدين سألت
هو الورق ده له علاقة بالتسجيل؟
الظابط مردش على طول.
فتح الورقة اللي في إيده، وبص فيها، وبعدين قال
في التسجيل، والدته بتقوله إن الورق لازم يكون جاهز قبل الولادة، وإنك لو عرفتي حقيقته هترفضي توقعي على أي حاجة تانية.
ندى حست ببرودة غريبة بتجري في أطرافها.
يعني إيه؟
الظابط كمل
التسجيل مش واضح في الجزء ده، وفيه كلام متداخل، لكن واضح إنهم كانوا بيخططوا لإجراء قانوني متعلق بممتلكات أو أموال. وإحنا هنراجع الأوراق اللي قدمتيها، وهنطلب نسخة من أي مستندات اتعملت باسمك.
ندى افتكرت فجأة حاجة.
قبل شهرين، طارق طلب منها صورة بطاقتها، وصورة بطاقة والدها المتوفى، وقال إن الشركة محتاجة بيانات العيلة عشان تأمين المولود.
ولما سألته ليه محتاج بطاقة والدها، اتعصب وقال لها إنها بتشك فيه من غير سبب.
ساعتها اعتذرت له.
دلوقتي، وهي راقدة على سرير المستشفى، بدأت تحس إن اعتذاراتها القديمة كلها كانت بتدفع تمنها من عمرها وكرامتها.
قالت للظابط
أنا عايزة أعرف كل حاجة. حتى لو الحقيقة هتوجعني.
رد عليها
هتعرفي، لكن دلوقتي أهم حاجة سلامتك وسلامة الطفل. هنخلي حد يتابع خروجك من المستشفى، ومش هتخرجي مع طارق أو والدته من غير ما تكوني مطمئنة.
في اللحظة دي، موبايل أمينة رن.
بصت للشاشة، ووشها اتقلب.
ندى لاحظت وسألتها
مين؟
أمينة حاولت تقفل المكالمة، لكن ندى أصرت تعرف.
يا أمينة، مين اللي بيتصل؟
أمينة سكتت ثواني، وبعدين قالت
أختك شيماء.
طب ردي!
أمينة ردت وفتحت مكبر الصوت.
صوت شيماء كان متقطع من العياط.
يا أمينة، إنتي معاكي ندى؟
ندى رفعت صوتها بصعوبة
أنا هنا يا شيماء، مالك؟ إنتي بټعيطي ليه؟
شيماء شهقت وهي بتتكلم
أنا كنت رايحة القسم أسأل عليكي، ولقيت طارق واقف قدام البيت عندي من شوية. كان معاه اتنين من قرايبه، وفضل يخبط على الباب ويقول للبواب إنه عايز يشوف مراته.
ندى قلبها اتقبض.
وإنتي فتحتي له؟
لأ، طبعًا. بس هو ساب لي ظرف مع البواب، وقال له يوصلهولي، وإنك لازم تقري اللي جواه قبل ما تعملي أي محضر ضده.
الظابط مد إيده ناحية الموبايل وسأل شيماء
الظرف معاكي دلوقتي؟
أيوه يا حضرة الظابط، أنا لسه فاتحتهوش.
ماتفتحيهوش، وخليه زي ما هو. هنطلب منك تسلميه بالطريقة القانونية.
شيماء ردت بسرعة
حاضر، بس هو قال لي حاجة خوفتني جدًا.
ندى شهقت
قال إيه؟
شيماء اترددت، وبعدين قالت
قال لي بالحرف الواحد خلي ندى تسأل نفسها أبوها ماټ وساب لها إيه، وليه أمها كانت مخبية عنها ورق كتير طول السنين دي.
ندى حست إن الأوضة بتلف بيها.
أبوها ماټ من خمس سنين، وكان موظفًا بسيطًا في مصلحة حكومية، عمره ما حكى لها عن أملاك أو ميراث. كل اللي سابه كان شوية أثاث قديم، ومبلغ صغير اتصرف في مصاريف البيت وعلاج أمها.
لكن فيه حاجة واحدة افتكرتها فجأة.
قبل ۏفاة أبوها بشهور، كان قاعد معاها في البلكونة، ومسك إيدها وقال لها
يا ندى، لو في يوم حد حاول ياخد منك حقك، ماتتنازليش عنه لمجرد إنك خاېفة تخسريه.
ساعتها ضحكت وقالت له
حق إيه يا بابا؟ إنت مش سايب لنا غير البركة.
هو ابتسم، لكنه مردش.
بعد ۏفاته، أمها كانت بتحتفظ بصندوق خشب صغير في دولابها، وكل ما ندى تسألها عنه تقول لها إن جواه حاجات قديمة ملهاش لازمة.
الصندوق اختفى بعد ۏفاة أمها بسنة.
وندى عمرها ما سألت عنه تاني.
دلوقتي، الكلام اللي قاله طارق رجع لها ذكرى الصندوق بكل تفاصيلها.
بصت للظابط وقالت
أنا عايزة أقول لحضرتك حاجة تانية. أبويا كان عنده صندوق خشب صغير، وأمي كانت مخبياه. اختفى بعد ما أمي ماټت، وأنا معرفش مين أخده.
الظابط كتب المعلومة، وبعدها سألها
هل طارق كان يعرف إن الصندوق ده موجود؟
ندى هزت راسها.
أنا حكيت له عنه مرة واحدة، في أول سنة جوازنا، لما كنت بحكيله ذكرياتي مع أبويا. مكنتش أعرف إن الموضوع ممكن يكون مهم.
الظابط بص لها بتركيز، وبعدها خرج عشان يتابع الإجراءات.
ندى فضلت ساكتة.
كل ذكرى كانت بتفتكرها بتفتح بابًا جديدًا، وكل باب وراه سؤال أصعب من اللي قبله.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
في نفس الوقت، كان طارق قاعد في مكتب صغير جوه قسم الشرطة، قصاد ضابط تاني، ووالدته سعاد قاعدة جنبه، ماسكة شنطتها بإيديها الاتنين.
طارق كان متماسك في الأول، وبيكرر إن مراته عصبية، وإنها وقعت لوحدها بعد خناقة عائلية بسيطة، وإنه حاول يساعدها.
لكن لما الضابط سأله عن سبب قفل باب الشقة بالمفتاح، وعن صوت استغاثة الجيران، بدأ يغير كلامه.
قال إن الباب كان مقفول عشان يحافظ على خصوصية البيت.
ولما سأله الضابط عن العصاية، قال إنها كانت موجودة من زمان، وإنه ملوش علاقة بيها.
أما سعاد، فكانت بتبص لابنها كل شوية، وكأنها مستنية منه ينقذها من الأسئلة.
الضابط فتح محضر البلاغ وقال
مدام ندى قالت إنكم اعتديتوا عليها وهي حامل في الشهر السابع، وفي تقرير طبي فيه إصابات محتاجة تحقيق. وفيه شاهد قدم تسجيل صوتي ممكن يساعدنا نحدد اللي حصل.
سعاد رفعت راسها بسرعة.
تسجيل إيه؟
الضابط لاحظ ارتباكها.
إنتي عندك سبب يخليكي تخافي من وجود تسجيل؟
ردت بعصبية
لأ طبعًا، أنا معملتش حاجة غلط.
لكن طارق، بدل ما يسكت، بص لأمه وقال بصوت واطي
إنتي قلتي إن الشباك كان مقفول.
سعاد اتجمدت.
الضابط رفع عينيه من الورق.
إنت قلت إيه؟
طارق حاول يتدارك الموقف.
أنا قصدي إن الشباك كان مقفول وقت الخناقة.
الضابط كرر السؤال
مين اللي قال إن الشباك كان مقفول؟
طارق سكت.
وسعاد بصت له پغضب مكتوم، كأنها بتلومه على كلمة طلعت منه من غير حساب.
الضابط كتب الملاحظة، وطلب من كل واحد فيهم يروي تفاصيل اليوم من البداية، بعيدًا عن التاني، عشان يقارن الأقوال.
ولأول مرة، الأم وابنها بقوا خايفين من حاجة غير إن ندى تشتكي.
بقوا خايفين إن كل واحد فيهم يضطر يقول الحقيقة لوحده.
بعد ساعات، وصل مصطفى للقسم مرة تانية، ومعاه نسخة من التسجيل بعد تسليم الأصل بالطريقة المطلوبة.
التسجيل بدأ بصوت الشارع، وصوت موتوسيكلات بعيدة، وبعدها صوت باب بيت بيتقفل.
ثم صوت سعاد، واضح وهي بتقول
أنا مش هفضل مستنية أكتر من كده. البنت قربت تولد، ولازم الورق يخلص قبل ما تدخل المستشفى.
صوت طارق رد
أنا قلت لك هخلصه، بس المحامي قال لازم نتأكد من المستندات القديمة الأول.
سعاد قالت بعصبية
المستندات موجودة، ومحدش يعرف مكانها غيرنا.
طارق رد
أنا مش فاهم ليه مستعجلة بالشكل ده. ما نستنى لما تولد ونشوف الدنيا هتمشي إزاي.
سعاد ردت بصوت حاد
لأ. لو اتأخرنا، كل حاجة ممكن تضيع. إنت فاهم أبوك كان كاتب إيه؟
طارق سكت شوية، وبعدين قال
أنا عارف، بس ندى ملهاش دعوة بالموضوع ده.
سعاد ضحكت ضحكة قصيرة باردة.
إنت لسه فاكر إنها ملهاش دعوة؟ إنت نسيت إن أبوها هو اللي كان ماسك الملف كله؟
طارق رد بسرعة
وطّي صوتك، حد يسمعنا.
بعدها اتسمع صوت حركة كراسي، وصوت