الكاتبة نور محمد
فطلبت الجهات المختصة فحصه، ولم تعتبره دليلًا على موافقتها قبل التحقق من صحته.
وفي المقابل، ظلت أقوال طارق وسعاد محل مراجعة، خصوصًا بعد التناقضات اللي ظهرت في رواياتهم عن يوم الاعتداء.
ندى ماكنتش بتعرف كل يوم إيه اللي هيحصل، لكنها بطلت تخاف من المجهول زي الأول.
كانت بتصحى الصبح، تفتح الشباك، وتشم الهوا، وتتكلم مع ابنها اللي لسه ما شافتش وشه.
وتقول له
إنت جاي على دنيا فيها ناس بتظلم، بس فيها كمان ناس بتقف جنب الحق. وأنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان تكبر وإنت عارف إن محدش له حق يهينك أو ېخوفك.
وفي ليلة هادية، قبل ميعاد ولادتها بأسابيع قليلة، كانت ندى قاعدة جنب شيماء بتراجع صور المستندات اللي المحامي بعتها لهم.
وفجأة، وقفت عند ورقة قديمة ماخدتش بالها منها قبل كده.
كانت محضر اجتماع بين الشركاء، وفي آخر الصفحة توقيع والد طارق، وتحته توقيع شخص تاني.
ندى قربت الصورة من عينيها.
التوقيع التاني كان باسم حسن المراكبي.
لكن حسن، لما سألوه عنه، كان أكد إنه سلّم كل المستندات اللي عنده من زمان، وإنه ماكانش طرفًا في أي معاملة مالية بعد ۏفاة منصور.
ندى اتصلت بالمحامي، وبعتت له الصورة.
بعد دقائق، رجع لها الاتصال.
صوته كان جادًا
ندى، الورقة دي ممكن تغير فهمنا للموضوع كله. التوقيع المنسوب لحسن محتاج فحص، لأن التاريخ المكتوب عليها سابق للواقعة اللي قال إنه عرف فيها التفاصيل.
ندى سألته
يعني حسن كان عارف أكتر مما قال؟
المحامي رد
ما نقدرش نحكم دلوقتي. لكن لازم نرجع نسأله عن الاجتماع ده، ونطلب أصل المحضر.
ندى قفلت المكالمة، وبصت لشيماء.
كل مرة كانت تفتكر إن الصورة وضحت، تظهر تفصيلة جديدة.
وفي صباح اليوم التالي، قبل ما يروحوا لمكتب المحامي، وصل اتصال من دار الرعاية.
محمود المراكبي، أخو سعاد، طلب يشوف ندى مرة تانية.
لما راحت له، كان تعبانًا، لكنه أصر يتكلم.
قال لها
أنا لازم أقول لك حاجة قبل ما يفوت الأوان. أنا كنت حاضر الاجتماع اللي اتكتب فيه المحضر ده، لكن التوقيع اللي عليه مش توقيعي.
ندى سألته
يعني مين اللي وقّع مكانك؟
محمود غمض عينيه لحظة، وبعدها قال
الشخص اللي كان موجودًا في الاجتماع، واللي كل الناس كانت فاكرة إنه مجرد شاهد.
ندى قربت منه.
مين؟
محمود فتح عينيه، وبص لها مباشرة.
أبو طارق نفسه… هو اللي كان بيكتب المحضر، وهو اللي جمع التوقيعات. لكن فيه توقيع واحد اتضاف بعد الاجتماع، وأنا شفته بعيني.
ندى همست
توقيع مين؟
محمود قال
توقيع منصور أبوكي. وأنا متأكد إنه ماكانش موجود وقتها.
ندى حسّت إن آخر قطعة في اللغز بدأت تظهر.
لكن محمود مد إيده ومسك إيدها قبل ما تقوم.
استني. فيه حاجة تانية. سعاد ماكنتش بتدور على الأرض عشان تاخدها لنفسها بس. هي كانت بتحاول تمنع حد من إنه يكتشف إن والد طارق استخدم مستندات غير صحيحة، وإن فيه شخصًا من العيلة ساعده.
ندى سألت
مين الشخص ده؟
محمود سكت، وبعدين قال
أنا مش متأكد، لكن عندي خطاب قديم من سعاد، كانت كاتباه قبل ما تقطع علاقتها بيا. الخطاب ده موجود عندي في البيت، وفيه اسم الشخص اللي كانت پتخاف منه.
ندى قامت من مكانها، وطلبت من الظابط والمحامي يتابعوا استلام الخطاب بطريقة رسمية.
لكن قبل ما يغادروا دار الرعاية، محمود ناداها مرة أخيرة
يا ندى، لو عرفتي الاسم، ماتحكميش عليه من أول لحظة. ساعات الناس بتغلط، وساعات بتسكت عشان خاېفة، وساعات بتدفع تمن سكوتها طول العمر.
بعد أيام، وصل الخطاب إلى المحامي، واتفتح بحضور المسؤولين عن التحقيق.
كان مكتوبًا بخط سعاد، وموجهًا لأخيها محمود.
في البداية، كانت بتتكلم عن خلافها مع زوجها، وعن خۏفها على ابنها طارق من الدخول في ڼزاع مالي قديم.
ثم ظهرت الجملة اللي خلت ندى تحبس أنفاسها
أنا عارفة إنك هتكرهني لو عرفت إني سكت، لكن منصور ماكانش الشخص الوحيد اللي اتظلم. فيه حد من عيلته وافق على تسوية من غير ما يفهم كل تفاصيلها، وبعدها خاف يعترف.
ندى بصت للمحامي.
مين من عيلتي؟
المحامي كمل قراءة الخطاب.
وفي آخره، ظهر الاسم.
منصور حميد، والد ندى، كان قد وقّع بنفسه على تسوية أولية، لكنه رجع عنها بعد اكتشافه اختلافًا في قيمة نصيبه.
ندى اټصدمت.
يعني بابا كان موافق في الأول؟
المحامي وضح
الخطاب بيقول إنه وقّع على اتفاق مبدئي، وبعدها اعترض على بنوده. ده مش معناه إنه تنازل عن حقه نهائيًا، ولا يثبت صحة أي توكيل لاحق. لازم نشوف أصل التسوية وكل المستندات المرتبطة بها.
ندى فضلت ساكتة.
كانت طول الوقت بتتخيل إن أبوها كان ضحېة خداع من البداية، لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا.
أبوها وافق على اتفاق، ثم اكتشف إنه مش عادل، وحاول يتراجع عنه.
وده معناه إن الخلاف بدأ من سنين، وإن طارق وأمه ورثوا حكاية ماكانوش وحدهم أطرافها.
لكن الخطاب ماكانش نهايته هنا.
سعاد كتبت في آخر صفحة
لو ندى وصلت للحقيقة، قولوا لها إن أبوها ماكانش ملاكًا لا بيغلط ولا بيتراجع. لكنه في النهاية حاول يصلح غلطته، ورفض يسيب بناته يدفعوا ثمنها. أما الشخص اللي غيّر الورق بعد كده، فهو مش اللي هتتوقعه.
الاسم لم يُذكر.
لكن تحت الجملة، كان فيه عنوان لمكتب قديم في مدينة نصر، وتاريخ مكتوب بعد ۏفاة منصور بشهور.
المحامي أكد إنهم لازم يتحققوا من العنوان، وإن أي استنتاج عن شخص معين هيكون سابقًا لأوانه.
ندى رجعت بيت شيماء وهي مرهقة.
كانت عايزة ترتاح من الورق، ومن الأسئلة، ومن كل اللي اكتشفته عن أقرب الناس ليها.
في الليلة دي، حسّت پألم قوي، فاتصلت شيماء بالطبيبة، وطلبت منها تروح المستشفى للاطمئنان.
وبعد الكشف، قررت الطبيبة إنها تحتاج متابعة قريبة بسبب ظروف الحمل، وفضلت ندى تحت الملاحظة.
وفي الساعات الأولى من الصباح، بدأت آلام الولادة.
شيماء كانت جنبها، ماسكة إيدها وبتشجعها، وندى كانت پتبكي بين الألم والخۏف، لكن كل مرة كانت تفتكر إنها قربت تشوف ابنها، كانت تتمسك بالأمل.
وبعد وقت طويل، ارتفع صوت بكاء طفل صغير في أوضة الولادة.
الدكتورة ابتسمت وقالت
مبروك يا ندى، جالك ولد.
ندى دموعها نزلت من غير ما تحس.
لما حطوا ابنها جنبها، بصت لوشه الصغير، ولمست إيده برفق.
كل اللي مرت بيه، وكل الخۏف اللي عاشته، ما اختفاش في لحظة، لكنها عرفت إن فيه بداية جديدة قدامها.
سمته منصور، على اسم أبوها.
شيماء بكت وهي بتبص للطفل، وقالت
بابا كان هيفرح بيه أوي.
ندى ضمت ابنها لصدرها وهمست
أنا هحكيلك عنه لما تكبر. وهحكيلك كمان إن الحق ساعات بيتأخر، لكنه يستاهل إننا نفضل ندور عليه.
وفي نفس اليوم، وصل المحامي إلى المستشفى ومعاه خبر جديد.
الجهات المختصة بدأت تفحص المستندات القديمة، وظهر إن فيه معاملة تمت بعد ۏفاة والد ندى، استخدمت فيها نسخة من توكيل محل ڼزاع.
لكن لسه ماكانش فيه حكم نهائي، ولا نتيجة قاطعة تثبت مين المسؤول عن التلاعب.
ندى طلبت من المحامي يكمل الإجراءات، لكنها رفضت أي محاولة للصلح مقابل التنازل عن البلاغ أو عن حقوقها.
قالت له
أنا مش عايزة أنتقم من حد. أنا عايزة حقي، وعايزة ابني يعيش في أمان، ومش هتنازل عن أي واحد فيهم.
مرت شهور.
منصور الصغير كبر شوية، وبدأ يبتسم لما يسمع صوت أمه، وندى بدأت ترجع لحياتها خطوة خطوة.
القضية فضلت مستمرة، لكن التحقيقات فرقت بين كل ملف والتاني الاعتداء، وصحة المستندات، والحقوق المالية المتعلقة بالأرض.
ماكانش