الكاتبة نور محمد
فيه حل سحري، ولا اعتراف واحد أنهى كل شيء، لكن الأدلة اتجمعت، والشهود اتسمعت أقوالهم، وكل ورقة اتراجعت على حدة.
وفي يوم، استدعى المحامي ندى وشيماء لمكتبه.
حط قدامهم تقريرًا جديدًا، وقال
فحص التوقيعات انتهى في جزء من المستندات. فيه توقيع على التوكيل محل الڼزاع لا يتطابق، بحسب التقرير، مع نماذج التوقيع المعتمدة لوالدك. لكن التقرير ده هيتقدم ضمن باقي الأدلة، والقرار النهائي للجهات المختصة.
ندى سألت
والأرض؟
المحامي رد
تم اتخاذ إجراءات تحفظية على الجزء محل الڼزاع لحين استكمال الفصل في الملكية. وده معناه إن محدش يقدر يتصرف فيه بالطريقة اللي كانت بتحصل قبل كده، لحد ما المسألة تتحسم.
شيماء حطت إيدها على صدرها بارتياح.
أما ندى، فكانت ساكتة.
هي ما كانتش عايزة فلوس وبس.
كانت عايزة تعرف ليه اتعرضت للإهانة، وليه اتطلب منها توقّع على ورق من غير ما تفهمه، وليه أقرب الناس ليها حاولوا يقنعوها إنها ملهاش حق تسأل.
المحامي فتح ملفًا تاني وقال
فيه حاجة لازم تعرفيها. سعاد طلبت توصل لك رسالة عن طريق محاميها.
ندى رفعت عينيها.
عايزة تقول إيه؟
المحامي أخرج ورقة، وقرأها
أنا عارفة إن ندى مش هتسامحني بسهولة، ومش هطلب منها تنسى اللي حصل. لكن فيه حقيقة لازم تعرفها عن طارق. هو ماكانش الشخص اللي اختار كل خطوة من البداية، لكنه لما بقى عنده فرصة يوقف اللي بيحصل، اختار يسكت، وبعدها اختار يشارك.
ندى قفلت عينيها.
الكلام ماكانش مفاجأة، لكنه أكد لها إن طارق كان عنده اختيارات، وإنه مسؤول عن اختياراته حتى لو اتأثر بأمه أو بماضي العيلة.
المحامي كمل
هي بتقول إنها مستعدة تدلي بأقوالها كاملة عن المستندات، وإنها مش هتطلب منك تتنازلي عن حقك.
ندى بصت له وقالت
أنا مش محتاجة منها وعود. اللي عندها تقوله للجهات المختصة، وأنا هكمل طريقي.
بعد فترة، انعقدت جلسة جديدة في ملف الاعتداء، واتقدمت التقارير الطبية وأقوال الشهود والتسجيلات اللي تم فحصها، إلى جانب باقي الأدلة.
ندى حضرت الجلسة برفقة شيماء ومحاميها، وكانت شايلة صورة صغيرة لمنصور في شنطتها.
ماكانتش عايزة تواجه طارق پعنف أو تدخل في جدال معاه.
كانت عايزة تقول الحقيقة، وتسيب الإجراءات تاخد مجراها.
لما دخلت القاعة، شافت طارق واقفًا بعيدًا، ووالدته جنبه.
كان شكله مرهقًا، وملامحه اتغيرت.
بص لها لحظة، وبعدها نزل عينيه.
لما اتسألت ندى عن اللي حصل في الشقة، حكت من البداية طلبها إنها تروح لأختها، قفل الباب، الاعتداء، والخۏف اللي عاشته وهي بتحاول تحمي طفلها.
ما زودتش كلمة، وما حاولتش ټنتقم بالكلام.
حكت اللي حصل زي ما حصل.
ولما جه دور طارق، حاول يقول إنه ماكانش يقصد يسبب لها أذى، وإنه كان غاضبًا وإنه فقد السيطرة على الموقف.
لكن ندى ما بصتش له.
كانت باصة قدامها، وإيدها على صورة ابنها.
وبعد انتهاء الجلسة، وهي خارجة، طارق ناداها
ندى.
وقفت على مسافة منه، من غير ما تقرب.
قال بصوت مكسور
أنا عارف إنك مش هتسامحيني، بس أنا عايز أشوف ابني.
ندى ردت بهدوء
أي حق يخص ابنك هيتحدد بالطريقة القانونية، وبما يحافظ على أمانه. لكن مش هسمح إنك تستخدمه عشان ترجع تتحكم في حياتي.
طارق حاول يتكلم، لكنها كملت
أنا كنت مراتك، وكنت حامل بابنك، وطلبت منك أروح أرتاح عند أختي. كان قدامك ألف طريقة تتصرف بيها، لكنك اخترت تقفل الباب وتخوفني وتشارِك في الاعتداء عليّ. أنا مش هنسى اللي حصل لمجرد إنك ندمت بعد ما اتكشفت الحقيقة.
وسابته ومشيت.
لأول مرة، ندى خرجت من مكان كان طارق موجودًا فيه من غير ما تحس إنها مطالبة تبرر نفسها أو تطلب رضاه.
أما ملف الأرض، فاستمر لحد ما اتجمعت المستندات المطلوبة، واتراجعت التسوية القديمة، والتوكيل محل الڼزاع، والتصرفات اللي تمت بعد ۏفاة منصور.
وظهرت حقيقة مهمة والد ندى كان قد اعترض بالفعل على التسوية الأولى، لكن جزءًا من المستندات اللي تثبت اعتراضه ما وصلش للجهات المعنية في وقتها.
أما المسؤولية عن استخدام المستندات المتعارضة، فتم التعامل معها من خلال التحقيق والأدلة المتاحة، من غير ما يتحمل شخص ذنب غيره لمجرد صلته بالعيلة.
ندى ما خدتش كل حاجة في يوم وليلة، لكنها قدرت تثبت إن فيه حقوقًا لازم تتراجع، وإنها صاحبة مصلحة مباشرة في معرفة الحقيقة.
وبعد شهور من المتابعة، اتحدد نصيبها القانوني في الملكية محل الڼزاع وفق المستندات التي ثبتت صحتها والإجراءات المعتمدة، وبدأت تسوية الحقوق المالية المستحقة لها.
ولما خرجت من مكتب المحامي في اليوم اللي استلمت فيه نسخة الحكم والإجراءات النهائية الخاصة بحقها، كانت شيماء واقفة جنبها، ومنصور الصغير نايم في عربته.
شيماء ابتسمت وقالت
بابا كان هيبقى فخور بيكي.
ندى بصت للسماء، والدموع لمعت في عينيها.
أنا كنت فاكرة إن القوة معناها إني أستحمل وأسكت عشان بيتي ما يتهدش. طلعت القوة إني أعرف إمتى أحمي نفسي، وإمتى أطلب المساعدة، وإمتى أقول لأ.
شيماء حضنتها.
وإنتي عملتي ده كله.
ندى بصت لابنها، وعدلت الغطا على جسمه الصغير.
كانت عارفة إن الطريق لسه فيه مسؤوليات، وإن تربية طفل لوحدها مش سهلة، وإنها هتحتاج تبني حياتها من جديد.
لكنها ما بقتش نفس الست اللي كانت پتخاف من صوت المفتاح في باب الشقة.
بقت ست عارفة حقها، وعارفة إن السكوت مش دايمًا بيحافظ على البيت، وإن البيت اللي يتبني على الخۏف مش أمان.
وفي آخر يوم من السنة، راحت ندى مع شيماء إلى قبر والدها، وخدت معاها صورة صغيرة لمنصور.
وقفت قدام القپر، وحطت إيدها على الصورة وقالت
أنا لقيت الورق يا بابا. وعرفت إنك حاولت تحمينا، حتى لما معرفناش نفهم سكوتك. حقك ما ضاعش، وأنا مش هخلي ابني يكبر وهو فاكر إن الظلم قدر لازم نسكت عليه.
سكتت لحظة، وبعدها ابتسمت وهي بتبص لابنها.
وسميته منصور، عشان كل ما أنادي اسمه أفتكرك.
الهواء كان هادي، والشمس بتغيب ببطء، وندى لأول مرة من شهور طويلة ما كانتش مستنية مكالمة تخوفها، ولا رسالة تهددها، ولا باب يتقفل عليها.
كانت راجعة لبيتها، بيتها هي وابنها، ومعاها أختها اللي وقفت جنبها، وجيران شهدوا بالحق، وناس ساعدوها توصل للحقيقة.
أما كارت الميموري الصغير اللي بدأ الحكاية، ففضل محفوظًا ضمن الأدلة، شاهدًا على اليوم اللي ندى قررت فيه إنها مش هتحمي حد على حساب نفسها.
والحقيقة اللي ظهرت ما رجعتش لها الأيام اللي ضاعت، لكنها منحتها فرصة تعيش الأيام الجاية من غير خوف.
وفي أول ليلة نام فيها منصور في أوضته الجديدة، قعدت ندى جنبه، وسمعت صوته الصغير وهو بيتنفس بهدوء، فابتسمت وهمست
نام يا حبيبي، محدش هيقفل الباب عليك تاني.