قصة زياد حكايات منال عباس

حصرى لبيدج روايات منال عباس

أنا اسمي “زياد”، وعندي ٢٧ سنة، وعايش قصة حب مع بنت إسمها “نوران”. نوران دي مش مجرد خطيبة بالنسبة لي، دي إنسانة حطيتها جوه عيني وقلبي، وبحبها بجنون وهي كمان مبادلالي نفس المشاعر وأكتر ما شاء الله عليها. البنت دي مش مقصرة معايا في نقطة ولا حرف، مطيعة، طيبة القلب، وحنونة جداً، وطبعاً مش هقول إن علاقتنا كانت مثالية خالية من المشاكل، طبيعي جداً بيحصل بينا شد وجذب زي أي اتنين مرتبطين، بس في الآخر بنرجع نتصالح والصفاء بيرجع بيننا والدنيا بتبقى تمام.
حكايتي مع نوران بدأت من قبل الخطوبة بسنة كاملة؛ كنت شغال دكتور في عيادة خاصة، وفي يوم دخلت عليّ العيادة عشان كشف، ومن أول نظرة حسيت إنها مختلفة عن كل البنات اللي شفتهم في حياتي. اتعرفنا باحترام، وحبيت فيها أدبها وكسوفها. أهلها كانوا مسافرين بره مصر لفترة طويلة، ولما أبوها نزل مصر في إجازة، ما تردتش ولا ثانية؛ خدت بعضي ورحت اتقدمت لها رسمي. بصراحة، أبوها ده إنسان راقي جداً وكريم لأبعد الحدود، قعدت معاه وقعد يطمني، ومحدش فيهم اتكلم في طلبات أو شروط تعجيزية ولا عفرت معايا في القاومة أو المهر. الراجل بص لي بابتسامة وقال لي بقلب صافي: “يا زياد، أنا مش ببيع بنتي، أنا بشتري راجل لابنتي.. وأنا ارتحت لك وشايفك شاب محترم وصاين العيش والملح”. خطبناها، والدنيا فتحت ابوابها قدامنا وبقت زي الفل.
لدرجة إن أمي الحاجة “نادية”، من كتر ما هي طيبة وشافت أدب نوران، بقت تحبها حب غريب، لدرجة إنها أحياناً كانت بتيجي عليا أنا شخصياً وتقف في صف نوران لو حصل بينا أي خلاف بسيط، وتقولي: “يا ابني دي غلبانة وبنت أصول وحافظة سرك”، وكنت أنا بفرح جداً بحب أمي لخطيبتي وبقول في نفسي: “الحمد لله.. الدنيا ضحكت لي وجمعت بين أطيب ستين في حياتي”.
لكن للأسف، الحلو مبيكملش، والدنيا مقعدتش على حالها. من حوالي شهر ونصف بالظبط، اتقلب الحال ودخلت علينا عاصفة مكنتش على البال ولا الخاطر. أكونت وهمي (فيك) على السوشيال ميديا دخل بعت رسالة لأختي، والكلام اللي كان فيها كان مصيبة سوداء! الأكونت بعت لأختي تفاصيل وأسرار عن أهل خطيبتي، وقال إن أصلهم مش من المكان الراقي اللي ساكنين فيه حالياً (هما عايشين في كومباوند فخم ومقفل عليهم وعلى أصلهم ومظهرهم)، وإن وراء الجدران دي بلاوي وقصص قديمة.
طبعاً نوران دي بنوتة قليلة الخروج، متربية في البيت، ومش لافة ولا دايرة في الشوارع، ومؤدبة جداً. لكن أختي ورت الرسالة لأمي، وأمي أول ما قرأت الكلام ده جصها وقف في حلقها وقالت بعصبية وقلق: “لازم نسأل ونتاكد.. مش هزوج ابني البكر لواحدة أصلها مش مريح!”.
حاولت أهدى أمي وأقولها دي حسابات مزيفة وناس عاوزة تخرب وخلاص، بس أمي صممت وسألت من ورايا وبحثت بمعرفتها لحد ما الصدمة الكبرى وقعت على دماغنا؛ طلع الكلام اللي اتبعت صح! وللأسف الشديد، اكتشفنا إن أخوات حمايا (يعني خيلان نوران) فيهم فرعين مايلين خالص وطريقهم مش مريح، وكمان أساميهم متوسخة في قضايا مخد..رات وحبس ودخلوا السجن قبل كدا، ده غير إن فيه جواز خالة خطيبتي اللي كان محبوس سنين طويلة في قضية ق*تل مشهورة!
البلد اتقلب في نظر أمي، والدنيا سقطت من عينيها. لكن الحقيقة والإنصاف لله، نوران وأهلها المباشرين (باباها وممامتها) بعيد كل البعد عن الناس دي، ومقاطعينهم تماماً من سنين طويلة. نوران أول ما واجهتها بالموضوع، عييطت بحرقة وبحلاوة روح وقالت لي والله العظيم وهي بتحلف: “والسماء والأرض يا زياد أنا معرفش الكلام ده تفاصيله أصلاً إلا منك، احنا بقالنا فوق الـ 10 سنين منعرفش عنهم حاجة، ودول ناس قاطعين علاقتنا بهم ومبينا وبينهم عمارة خرابة!”.
من يومها وأنا في عذاب لا يعلمه إلا ربنا. حاولت أفهم أمي بكل الطرق، وبكل أساليب الحنية والعقل، وقعدت أشرح لها إن البنت ما اخترتش أهلها، وإن الإنسان ملوش ذنب في خطايا خياله ولا أعمامه ولا قرايبه البعاد، خصوصاً إن نوران بعدت عنهم تماماً وده اللي في إيدها تعمله.. لكن أمي رفضت رفض تام وقطعي، وقالت بكلمة قاطعة: “أنا مجيش على نفسي ولا أدخل عيلة فيها السيرة دي بيتي، ولو اتجوزتها، لا أنا راضية عنك ولا خطوتك هتتبارك!”.
أنا هنا واقف في منتصف طريق مسدود، وحاسس إن النار بتاكل في قلبي من كل ناحية. لو سبت نوران، أكون ظالم إنسانة بريئة ملهاش ذنب في قذارة غيرها، وهي إنسانة حببتني في الدنيا وطيبة وشاريني بدم قلبها، ومستحيل ألاقي زيها في أخلاقها. ولو كملت معاها وتجوزتها، هكون عاصي لأمي، وأنا عارف كويس إني عمري ما هعرف أتبسط بحاجة في حياتي ولا أتهني برغيف عيش من غير رضا أمي ودعوتها اللي بتفتح لي الأبواب المقفلة. أنا تايه.. ومش عارف أعمل إيه ولا أرجح كفة مين!
قعدت أيام وليالي بفكر لحد ما عقلي كاد ينفجر من كتر الحسبة، ووصلت لمرحلة إني مبقتش عارف أنام ولا أركز في عيادتي ولا في شغلي. ووسط التخبطات دي كلها، وفي ليلة كنت قاعد فيها لوحدي في الأوضة، ضلمة وساكت، ماسك تليفوني وباصص لصورة نوران اللي ماليّة الشاشة وهي بتضحك ببرائتها، لقيت التليفون بيرن فجأة برقم غريب جداً ممتد ومش مسجل عندي..
قلبي دق دقات سريعة ومريبّة، وفتحت الخط وأنا كلي قلق، وسمعت صوت راجل غريب وخشن من الناحية التانية بيقول لي جملة جمدت الدم في عروقي وخليتني أقف من على الكرسي مفزوع: “لو فاكر إن اللي عرفته عن عيلة خطيبتك من أكونت فيك هو المصيبة الكبيرة، تبقى لسه ما تعرفش خطيبتك بنفسها كانت خافية عنك إيه قبل ما تعرفك في العيادة بشهرين بس.. الحق نفسك قبل الدخلة!”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *