كنت مروحة. البيت أمانى السيد الثاني
اليافطة الكبيرة اللي كانت متعلقة على مدخل الشركة الاستثمارية دي، كانت لشركة شحن وتخليص جمركي.. الشركة اللي أنا اشتغلت فيها أول ما تخرجت، والشركة اللي “أشرف” اتعرف عليا فيها قبل ما نسيبها إحنا الاتنين من خمس سنين!
فتحت عيني على آخرهم وأنا شايفة الست دي بتنزل من عربيتها، وبكل ثقة بتدخل من البوابة، وأفراد الأمن هناك بيحيوها بـ “أهلاً يا فندم”.. دخلت وراها بخطوات سريعة، مكنش هاممني حد يشوفني، النار اللي في قلبي كانت مخلية عيني مش شايفه غيرها.
وقفت قدام موظفة الاستقبال، وحاولت أظبط نفسي وصوتي اللي كان بيرتعش:
“لو سمحتِ.. الست اللي لسه داخلة حالا، اللي لابسة فستان أسود في أبيض.. هي لسه بتشتغل هنا؟”
الموظفة بصت لي باستغراب وقالت:
“أيوة طبعاً يا فندم.. دي المدام “رشا”، نائبة رئيس مجلس الإدارة، وبنت صاحب الشركة.. حضرتك ليكي ميعاد معاها؟”
في اللحظة دي، السقف لف بيا.. “رشا”!
افتكرت كل حاجة.. رشا دي كانت زميلتنا في الشغل زمان، مكنتش بنت صاحب الشركة وقتها، كانت مجرد موظفة علاقات عامة، وكان أشرف دايماً بيقلل منها قدامي ويقولي: *”دي ست مغرورة وفاكرة نفسها حاجة وهي مبتفهمش شغل”*..
أتاريه كان بيرسم ويخطط! أبوها اشترى الشركة دي كلها من سنتين، وأشرف ساب شغله القديم بحجة إنه “بيأسس بيزنس خاص”، أتاريه ساب الشغل عشان يروح يشتغل معاها.. أو بالأصح، يعيش بفلوسها وفلوس أبوها، ويعيشها هي بفلوسي وشقايا وأقساط عربيتي!
حسيت بقرف مش طبيعي، بس الغلّ اللي جوايا اتمكن مني.. طلعت موبايلي وصورتها وهي واقفة في الممر بتتكلم مع الموظفين، وأخدت صور للشركة، وكلمت المحامي فوراً وأنا في التاكسي:
*”عرفت هي مين يا أستاذ.. رشا بنت صاحب شركة (…)، وجوزي شغال معاها.. والشقة اللي في البرج الشيك دي أكيد باسمها أو باسمه بفلوس الشركة”*
المحامي رد بنبرة فيها أمل:
*”ممتاز.. كدة الخيط بدأ يوضح. إحنا كدة مش هنرفع قضية طلاق للضرر وبس، إحنا هنرفع قضية ‘نفقة ونفقة متعة ومؤخر’ وهنطالب بنصيبك في عربيتك اللي بتدفعي أقساطها، وهنعمل تحريات من المباحث عن دخله الحقيقي في الشركة دي.. بس بشرط يا مدام، اوعي تبيني أي حاجة في البيت، إحنا عايزين نجمع تكلفتهم الجمركية والمالية كاملة عشان لما نضرب.. نضرب في المقتل”*.
رجعت البيت، دخلت الحمام وغسلت وشي بمية ساقعة، وقفت قدام المراية وبصيت لملامحي المجهدة.. قولت لنفسي: *”خلاص يا منى.. الست الغلبانة اللي كانت بتستخسر في نفسها اللقمة ماتت.. من هنا ورايح مفيش غير حقي”*.
الساعة جت 11 بالليل، وأشرف رجع.. دخل وبص لي بنظرة فاحصة، كأنه كان حاسس إن فيه حاجة متغيرة، أو يمكن خاف أكون كشفت حاجة من موضوع الموبايل بتاع امبارح.
قعد على الكنبة وقال بنبرة هادية زيادة عن اللزوم:
*”مالك يا منى؟ حاسس إنك متغيرة من امبارح.. في إيه؟”*
رسمت على وشي ألطف ابتسامة حزينة أقدر أعملها، وقعدت جنبه وقبل ما يتكلم، مسكت إيده اللي كانت من كام ساعة بتبوس إيد رشا، وقولت له:
> *”مفيش يا حبيبي.. أنا بس كنت مضغوطة في الشغل، وحسيت إني مقصرة في حقك وحق البيت.. وكنت بفكر في فكرة كدة”*
>
برق عينه بلهفة: *”فكرة إيه؟”*
قولت له بدهاء:
*”مش إحنا بقالنا كتير بنقول عايزين نبيع عربيتك دي عشان نشتري حتة أرض أو نعمل مشروع؟ أنا فكرت إني أبيع دهبي كله، وناخد الفلوس دي مع تمن العربية، ونشتري شقة تمليك في مكان شيك ونقلل المصاريف.. إيه رأيك؟ نكتب الشقة باسمنا إحنا الاتنين، ونخلص من الهم ده”*.
أشرف وشه نور، والإنانية عمت عينه تماماً.. افتكر إني لسه المغفلة اللي هيضحك عليها وياخد دهبها كمان يفسح بيه ست هانم.. قال بسرعة: *” بجد يا منى؟ ياه.. دي هتبقى خطوة عمري! طب هاتي الدهب بكرة وأنا هشوف لك بيعة كويسة ليه وعربيتي أنا هظبط بيعتها”*
هزيت رأسي بالموافقة وأنا بقول في سري: *”ماشي يا أشرف.. ابلع الطعم”*.
تاني يوم الصبح، أول ما نزل.. مروحتش الشغل، نزلت فورا على البنك.. سحبت كل مليم في حسابي المشترك معاه، وأخدت دهبي كله ورحت بيه للمحامي..
وقعدنا نكتب عريضة الدعوى.. بس وأنا قاعدة مع المحامي، جالي مسج على الواتساب من رقم غريب.. فتحت الرسالة، لقيت صورة لأشرف ورشا في مكان سهر، ومكتوب تحتها:
*”لو فاكرة إنك هتقدري تاخدي منه حاجة تبقى غلطانة.. أشرف بايع كل حاجة باسمها هي، وبيتك اللي أنتي قاعدة فيه ده.. إيجاره هيخلص الشهر الجاي وأشرف مش هيجدده!”*
وقع الموبايل من إيدي.. الصدمة المرة دي كانت ضربة تحت الحزام.. اللعبة طلعت أكبر بكتير مما كنت أتخيل!
تابعو صفحه رومانى مكرم
الدنيا اسودت في عيني لثواني.. النفس اللي خارج مني بقى حامي زي النار. المحامي بتاعي، الأستاذ “عادل”، لاحظ إن لوني خطف، وطى جاب الموبايل من الأرض وبص في الرسالة، ملامحه اتغيرت ورمى نظرة سريعة على الورق اللي قدامه.
“مين اللي بعت الرسالة دي يا مدام؟” سألني بصوت حازم.
هزيت رأسي وأنا دموخي مشلولة: “مش عارفة.. الرقم غريب ومش متسجل عندي.. بس الكلام ده معناه إيه؟ معناه إن البيت اللي شقيت فيه وطال عيني في فرش خطوة بخطوة هيترمي في الشارع الشهر الجاي؟ معناه إنه كان بيخطط يرميني الرمية دي؟”
الأستاذ عادل سكت ثواني، وفجأة ابتسم ابتسامة غامضة وقالي:
> “بالعكس.. اللي بعت الرسالة دي، سواء كان فاعل خير أو حد عايز يوجعك، قدم لنا أكبر خدمة من غير ما يقصد.. الرسالة دي إثبات نية وطرد، وده في حد ذاته ‘ضرر نفسي ومادي’ مثبت ومكتوب.. والطرف التاني بدأ يخاف، ومادام خاف يبقى بدأ يغلط!”
>
رجعت على البيت، بس المرة دي مكنش فيه مكان للخوف. دخلت أوضتي، فتحت الدولاب وطلعت علبة الذهب.. طبعاً مخدتش الذهب للمحامي زي ما قولت لأشرف، الذهب كان متشال في مكان أمين عند أمي. طلعت “إيصالات الأمانة” وعقد إيجار الشقة اللي إحنا قاعدين فيها، وبدأت أدور في أوراقه القديمة اللي سايبها في درج مكتبه المقفول..
جبت مفك صغير، وبكل غل الدنيا اللي في قلبي، كسرت القفل.
فضلت أفتش بين الورق لحد ما وقعت في إيدي ورقة صدمتني.. “عقد تنازل وتوكيل بيع للنفس وللغير” لعربيته.. ومين الطرف الثاني؟ “رشا”!
يعني العربية اللي أنا بدفع أقساطها من مرتيبي، هو نقل ملكيتها ليها من شهور! وبجانب العقد، لقيت كشف حساب بنكي سري باسمه في بنك تاني خالص، وفيه تحويلات شهرية بتجيله من شركة أبوها، مبالغ خيالية مكنتش أحلم بنصها.
صوّرت كل الورق ده بالموبايل، ورجعت كل حاجة مكانها بالظبط عشان ميحسش بأي تغيير.
الساعة جت 9 بالليل، وأشرف دخل البيت.. المرة دي مكنش لابس الوش العابس، كان داخل بيضحك وفي إيده كيس فاكهة غالي، من نفس الأنواع اللي بشوفها في طلبات الأبلكيشن.. دخل وقال بنبرة كلها حنية مصطنعة:
“أهو يا ستي.. جبت لك الفاكهة اللي بتحبيها، هاه.. قوليلي، عملتي إيه في موضوع الذهب؟ كلمتي الصايغ عشان نشوف البيعة؟”
بصيت للكيس، وبصيت لوشه المنافق، وقعدت على الكنبة وحطيت رجل على رجل، وبكل برود الدنيا قولت له:
> “لأ يا أشرف.. مكلمتش الصايغ، ومفيش ذهب هيتباع.. وأقساط العربية بتاعتك أنا كلمت البنك النهاردة ووقفت الفيزا اللي بيتحول منها القسط، يعني من الشهر ده البنك هيطالبك أنت.. ده لو مكنتش المدام ‘رشا’ هتدفعهالك من حساب الشركة!”
>
أشرف في اللحظة دي وشه اتقلب 180 درجة.. الملامح الهادية اختفت، وعينه برقت، والدم هرب من عروقه. رجع خطوتين لورا وقال بصوت متلجلج:
“أنتي.. أنتي بتقولي إيه؟ رشا مين؟ وأنتي عرفتي الكلام ده منين؟”
وقفت وقربت منه، وبقيت ببص في عينه بجمود عمري ما عشته قبل كده:
“عرفت كل حاجة.. عرفت البرج الشيك، والشقة رقم 5، والطلبات والخير اللي غرقان فيه هناك وأنا هنا بحسبها بالقرش.. عرفت التوكيل اللي عملتهولها بالعربية، وعرفت كمان إنك ناوي متجددش إيجار الشقة دي وتدير ضهرك وترميني.. بس للاسف يا أشرف، اللعبة خلصت.”
أشرف لما لقى نفسه اتكشف، اتحول من الصدمة للمواجهة القذرة.. ضحك ضحكة صفرا بكل بجاحة وقال:
“طب كويس إنك عرفتي عشان ترحيني من التمثيل.. أيوة يا منى، رشا مراتي، على سنة الله ورسوله، وبتدلعني بفلوسها ومركزها.. مش زيك، ليل نهار نكد ومصاريف وشقى! وأعلى ما في خيلك اركبيه.. الشقة دي إيجارها هيخلص، والعربية باسمها، وأنتي مالكيش عندي مليم واحد، والبلد فيها قانون يبل الشربات!”
سابني ودخل الأوضة، رزع الباب وراه وهو فاكر إنه كسرني بالكلمتين دول.
تاني يوم الصبح.. أشرف نزل من البيت وهو واثق إن مفيش في إيدي حاجة أعملها.
لكن المفاجأة كانت مستنياه قدام باب برج “رشا”..
كنت واقفة أنا والأستاذ عادل، ومعانا اتنين رجالة ببدل رسمية.. “محضرين من المحكمة”.. ومعاهم أمر “حجز تحفظي” على العربية، وأمر استدعاء رسمي له ولرشا من النيابة بتهمة “تبديد أموال وممتلكات الغير والتزوير”!
أشرف وهو نازل من مدخل البرج الشيك، ولمحني واقفة.. خطوته وقفت، ورشا كانت جنبه وشهقت لما شافت المحضرين بيقربوا منهم..
المحامي بتاعي قرب من أشرف وبكل هدوء قاله: “أستاذ أشرف.. المدام رافعة قضية تمكين، وقضية تبديد، ومعانا إثباتات إن أقساط العربية مدفوعة بالكامل من حسابها الشخصي، وتنازلك عنها لزوجتك الثانية يعتبر تبديد للممتلكات المشتركة بنية الإضرار.. ده غير قضية النفقة اللي هتحجز على مرتبك في الشركة.”
رشا بصت لأشرف بزجر وقالت بصوت عالي: “إيه المهدلة دي يا أشرف؟ مين الست دي؟ وأنت مش قولت لي إنك مخلص كل حاجة معاها؟”
في اللحظة دي، تليفوني رن.. بصيت للشاشة، لقيت نفس الرقم الغريب اللي بعتلي الرسالة امبارح بيتصل! فتحت الخط وحطيته على ودني وأنا عيني في عين أشرف ورشا..
وجالي الصوت من الناحية التانية.. صوت مكنتش أتوقعه في أسوأ كوابيسي!
**