دعوة أمانى سيد الثالث
فالح بقى عبارة عن خيال رجل. الحروق التشوهية غطت وشه ورقبته بالكامل، وشعره طاح، وعينيه أصلًا انطفوا للأبد. الحركة بالنسبة له بقت عذاب؛ مفاصله اتيبست من القعدة والتمدد على ، وصوته الحاد اللي كان بيهز البيت زمان، بقى حشرجة واطية ومخيفة بتطلع بالعافية من حنجرته. كل يوم الصبح، كانت مهمتي الثقيلة تبدأ: أرفعه بالعافية عشان يقعد، أغيرله على الجروح اللي بتنز قيح ودم، وأحطله قطرات العين والمطهرات اللي بقيت أشتري أردأ أنواعها لأن الفلوس خلاص جابت القاع.
الأدهى من كده، إن القضية الجديدة اللي المحامي رفعها نجحت تماماً. المحكمة حكمت بفرز وتجرد فالح من أهليته القانونية نظراً لحالته العقلية والجسدية الشديدة، وتم تعيين “مروة” كوصي رسمي وقانوني على كل أملاكه وحساباته لحماية حقوق ابنها القاصر “أحمد”. الحكم ده كان القشة اللي قطعت ضهرنا؛ لأن الحسابات البنكية اللي كان فيها الملايين أصبحت مقفولة تماماً بشرطة القانون، وما بيطلعش منها غير مبلغ نفقة شهري هئيل جداً للطفل، ومروة هي اللي بتتحكم في صرفه.
بقت القعدة في البيت عبارة عن جحيم يومي. فالح ما بقاش ينام بالليل، القلق والوجع النفسي والجسدي أكلوا دماغه. كان يفضل يزحف على ركبه وأكواعه في الصالة الضلمة، يدور على أي حاجة يمسكها، ويقعد يخبط راسه في الأرضية وهو بيصرخ ويبكي بصوت يقطع القلب:
ـ “يا سعاد! الفلوس فين؟ الفيلا راحت فين؟ أنا فالح! أنا اللي كان معايا ٥ مليون جنيه! أنا اللي كنت هعيش عريس! ليه بقيت كده؟ هاتولي هلا.. قولو لهلا تيجوا تاخدني من هنا!”
وعند ذكر اسم “هلا”، كنت بضحك ضحكة كلاب مريضة من كتر الغل. هلا اللي فالح باع مراته الأصيلة عشانها وشتراها بالفلوس والعز، هربت من أول أسبوع! التشوه اللي أصاب وشه ووشها خلى العلاقة بينهم تنتهي في لحظة. هي قعدت في بيت أهلها بترفع عليه قضايا طلاق وضرر، ورافضة حتى تسمع اسمه أو تشوف صورة له، وسابته لي أنا ألبس القرف ده كله لوحدي.
في يوم من أيام الصيف الخانقة، والحرارة كانت عالية جداً في الشقة، والكهرباء قطعت. فالح كان قاعد على الأرض في الصالة، بيلهث زي الكلب المريض من الحر والوجع، وجروحه بدأت تطلع ريحة وحشة جداً بسبب كتمة الجو. ما كانش عندي في البيت ولا حبة مسكن واحدة، ولا حتى غيار شاش نضيف. الصيدلي اللي تحت العمارة رفض يديني أي دوا بالدَين وقالها لي في وشي: “يا سعاد هانم، أنتِ عليكِ أكتير من أربع آلاف جنيه، ولما تسددي القديم أبقى يديكي جديد.”