رصاصه كانت متوجهة

دخل مراد الشامي.

لم يكن وحده، بل كان مع حارسين ضخمين، لكنه أمرهم بإشارة يد واحدة بالانتظار خارج الغرفة.

المشهد تغير. لم يكن ذلك الأب الدافئ الذي يقطع البان كيك لتاليا في المطعم. كان “مراد الشامي” بكل هيبة وخطورة اسمه. ارتدى بدلة داكنة، وعينيه كانتا تحكيان قصة رجل أقسم على حرق العالم انتقاماً لمن تجرأ واقترب من عائلته.

جلس على الكرسي المجاور للسرير بصمت تام، ناظراً إليّ بنظرة عجزت عن تفسيرها: هل هي امتنان؟ أم شعور بالدين؟ أم شيء أعمق وأكثر تعقيدًا؟

— حمد

لله على سلامتك يا بطلة، قالها بصوت خشن وهادئ، صوت يحمل ثقل السنين وسلطة لا تتردد.
حاولت أعدل جلستي، فسرى ألم حارق في كتفي المربوط بالشاش، فكشرت بوجع. تقدم بسرعة غير معتادة، ووضع يده بخفة على حافة السرير كأنه يمنعني من الحركة:

لمحة نيوز
— ارتاحي… جرحك لسه عميق. والدكتور قال إن رصاصة كانت قريبة جداً من العصب، بس لطف ربنا ثم شجاعتك هي اللي أنقذت تاليا وياسين.

— الأولاد… كويسين؟ سألته بصوت متحشرج.

ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة عكست لأول مرة دفئاً حقيقياً تحت قناع القسوة: — نايمين في البيت، وراسمين صورتك في كراسة الرسم وبيسألوا إمتى أبلة ليلى هتخف وتيجي تلعب معاهم تاني. تاليا بتقول إنك كنتِ شجاعة زي الأبطال الخارقين في الكرتون.

تنهدت براحة، لكن سرعان ما تذكرت الواقع القاسي: مصاريف المستشفى، الكيماوي، وعملية كريم. نظرت إلى سقف الغرفة بمرارة. أنا هنا في غرفة خاصة فاخرة، لا بد أن تكلفتها تفوق ميزانيتي لأعوام.

لاحظ مراد نظرتي، وتغير تعبير وجهه إلى الجدية التامة. أخرج ظرفاً كبيراً ووضعه على الطاولة بجانبي.

— إيه ده؟ سألته بقلق.

— ده ملف خاص بالمستشفى، قال بصوت حاسم: كل مصاريف علاج والدتك دفعت بالكامل، ومدفوعة مقدماً لحد آخر جلسة. وعملية كريم لأخوكِ متجدولة بكرة الصبح في أفضل مستشفى جراحة أعصاب في مصر، وتحت إشراف أكبر جراح في الشرق الأوسط. والدكتور ده بيدي تقرير ليا شخصياً كل ساعة.

فتحت عيني على مصراعيهما بصدمة: — أنا… أنا مأطلبتش منك كده! أنا مش محتاجة شفقة ولا منّة

من حد! أنا عملت كده عشان طفلة، مش عشان…
قاطعني بصوت هادئ لكنه صارم يقطع السياف: — دي مش شفقة يا ليلى… دي فاتورة. وأنا مراد الشامي، عمري ما بقعد وفي رقبتي دين لحد، وخصوصاً لو الدِين ده هو حياة ولادي. أنقذتي روحي مرتين؛ مرة لما حميتي تاليا بروحك، ومرة لما خليتيني أعرف إن لسه فيه ناس في الدنيا دي ممكن تضحي بنفسها من غير ما تعرف أنا مين ولا معايا إيه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *