الطاووس الأبيض بقلم منال سالم ج١

الفصل الأول
رفع ثقل جسده عن الأرضية الباردة للمرة الثلاثين مستخدما مرفقيه دون أدنى شكوى وكأنه لا يزن إلا مثقال ريشة صفق السجناء في انبهار وهم يحمسوه على فعل المزيد وبالرغم من العرق الغزيز الذي ينهمر من خلايا جسده إلا أن أصواتهم التحفيزية حثته على الاستجابة لمطلبهم وزاد العدد حتى بلغ الخمسين رفعة ثم نهض واقفا على قدميه يمسح العرق العالق بأصابعه وخاصة حول خاتم خطبته تلفت حوله والتصفيقات المصحوبة بالصافرات والتهليلات تشجعه تعلقت الأعين المتباهية بإنجازه بوجهه ذي البشرة القمحية والمخبئ خلف ذقنه التي استطالت بدا غير متأثر بتفاخرهم به مرر يده على رأسه الحليق يمسحها كانت نظراته التي تنبعث من حدقتيه البنيتين تعبر عن قوة واستبسال لا حدود لهما حتى بنيته الجسمانية ذات لياقة عالية لكزه أحدهم في جانب ذراعه يمدحه
عاش يا وحش!
ارتسم على جانب شفتي تميم بسمة متهكمة مسح بظهر كفه عرقه المتصبب على جبينه وعينيه ثم أردف قائلا بصوته الأجش
خلي الكلاب اللي هنا تعرف من ريس المخروبة دي
قال وهو يزيد في مدحه
هو في حد يقدر يقول غير كده يا كبيرنا
ثم ناوله منشفة نظيفة ليمسح بها عرقه قبل أن يتجه لأحد الأسرة التي تنتصف عنبر الحبس جلس تميم على الفراش القديم منكسا رأسه المشحون قليلا ما زال شأن عائلته يشغل باله ها قد تبقى القليل ليعود إليهم بعد سنواته الخمس التي قضاها هنا في ذلك المكان الكئيب المستنزف للأعمار ضاقت نظراته بحدة وزميله في محبسه يسأله
بتفكر في إيه يا معلم
رفع عينيه المحتدتين نحوه ليسأله بخشونة مانعا إياه من اقټحام خصوصيته
هنطفح إيه النهاردة
تنحنح قائلا بصوت مهتز
أوامرك يا كبير أنا هاروح أشوف جاه إيه من الزيارة وأوضبه لجنابك
تحرك مبتعدا عنه ليتركه جالسا بمفرده فلم يجرؤ أي أحد سواه من السجناء على محادثته دون السماح له أولا بذلك كانت له هيبة طاغية ومرعبة وسط عتاة الإجرام كما اكتسب منذ الليلة الأولى التي قضاها هنا شعبية عظيمة وذلك لنجاحه في التغلب على واحد من أشد السجناء شراسة ممن حاولوا التحرش به وإذلاله وكسر كبريائه قضى عليه وأهانه بشكل مذل ليحتل بعدها مكانته وينال ذلك الشرف العظيم لم تكن لتضيع سنوات عمره هباء لولا ما فعله للعائلة تلك التي تأتي على رأس أولوياته وإن كلفته حياته لن يتغاضى للحظة عن الدفاع عن أفرادها حتى لو كان مصيره التهلكة أغلق تميم دفتر الماضي بما فيه من أحداث رافضا الخوض في المزيد من تفاصيله التي تزيده ضيقا وألما استلقى على الفراش يثني ركبته أمام صدره ثم فرقع فقرات عنقه بتحريكه للجانبين انخفضت عيناه نحو خاتم الخطبة الذي يزين إصبعه أداره بحركة ثابتة لعدة مرات وهو يفكر في أمرها تلك التي انتظرته لما يقرب من سبعة أعوام متسائلا في نفسه إن كان لا يزال يكن لها نفس المشاعر أم باتت واجبا عليه أدائه إكراما لإخلاصها معه تنهيدة ثقيلة خرجت من فمه ليرفع رأسه بعدها للأعلى محدقا في سقفية العنبر الكئيبة بغير هدف محدد
دارت عيناه الخبيرتان بطول الشارع المعتم نسبيا فاحصا بدقة كل زاوية فيه ليتأكد من عدم مراقبة أحدهم له كان قد درس المنطقة جيدا وحدد هدفه التالي بعد مراقبة متأنية لوقت معقول في ذلك الحي السكني المعروف عنه بثراء قاطنيه انتقى البقعة المناسبة للوقوف بها والاختباء إن لزم الأمر دون أن يثير الريبة بين قاطنيها
ليظن من يتطلع إليه أنه عامل النظافة المجد في عمله انتهى حمص من تدخين الجزء المتبقي من سيجارته رديئة الصنع ليلقي ببقايا عقبها أسفل قدمه دعسها بحذائه القديم مومئا برأسه لأحدهم يستقل دراجة بخارية على الجهة المقابلة ثم استدار للخلف متجها نحو السور الحجري حيث النقطة التي اختارها ليتسلقه منها وبخفة واحترافية تتماشى مع جسده النحيف استطاع أن يصعد عليه حبس أنفاسه ثم وثب للداخل جاثيا على إحدى ركبتيه وكفيه على الأرضية العشبية للحديقة الخلفية لتلك الفيلا الخالية من سكانها تلفت حوله في توتر وقلق كان المكان هادئا إلا من نباح الكلب المزعج هنا اعتلى ثغره ابتسامة ماكرة فقد جاء خصيصا إليه وسرقته تلك المرة تعتبر من النوع الباهظ حتما من سيشتريه سيدفع لأجله مبلغا محترما من المال فنوعه معروف للجميع اقترب منه حمص غير مكترث بالمرة بالأنياب الحادة الظاهرة بين فكيه ولا باللعاب المقزز الذي يتناثر من جوفه هامسا له بلهجة ساخرة
تعلالي يا غالي
ما منع الكلب من الھجوم عليه وربما افتراسه كونه موثوقا بسلسلة حديدية قوية تشجع حمص للتعامل معه كما اعتاد أن يفعل مع ذوي الأنياب رفع ذراعه أمام وجهه وكأنه يحتمي به من تهديده الصريح بالعض ثم دنا بخطوات حذرة حتى أصبحت المسافة خطېرة للغاية عند تلك اللحظة وثب الكلب قاصدا قضم ذراعه منحه صائده فرصته المحمي نسبيا بقطع القماش وما إن تعلق به حتى لف ذراعه الآخر حوله ليحكم قبضته عليه رفعه للأعلى بعد أن حل وثاق سلسلته ليصبح أسير قبضته ومثلما جاء خلسة فر هاربا بنفس الطريقة وأيضا في سرعة وخفة مستعينا برفيقه شيكاغو الذي ولج للحديقة ليمسك بالكلب معه وضع القناع الواقعي على فمه ليمنعه من النباح ثم قام بتقييده وقبل أن يلحظهما أحد وضعه الاثنان على الدراجة البخارية ثم انطلقا بها في شارع جانبي غير ذاك الذي جاءا منه وكلاهما يمني نفسه بمبلغ لا بأس به
بدت كمن ينازع پألم في نومه فانحشرت أنفاسها وكأن الهواء قد بات ثقيلا على صدرها فضاعف من إحساسها بالاختناق أنين خاڤت خرج من جوفها ليوقظ النائمة إلى جوارها تأملتها بنظرات قلقة خائڤة بعد أن أزاحت الغطاء عنها فتلك الحالة دوما تتكرر معها دون تفسير مفهوم وبرفق حذر وضعت يدها على كتفها لتهزها منه لتنتشلها من ذلك الکابوس المطبق على الروح مالت عليها تهمس باسمها
فيروزة اصحي! إنتي بتحلمي مافيش حاجة
انتفضت مذعورة من نومها وصدرها ينهج بقوة لهثت محاولة التقاط أنفاسها لتعيد انتظامها بعد أن تمكن ذلك الحلم المزعج منها مجددا كانت تعيشه بكل جوارحها حتى بات مؤلما لأقصى الحدود التفتت إلى جانبها لتتأمل وجه أختها القلق لم تجرؤ على التفوه بكلمة حملقت فيها بعينين غائمتين وكأنها تحاول التأكد من عودتها لأرض الواقع ضغطت همسة على شفتيها تسألها
نفس الحلم إياه
أومأت شقيقتها بالإيجاب مسحت توأمتها على وجنتها براحة يدها محاولة تطمئنتها وهي تقول
معلش يا حبيبتي الحمدلله إنه عدى على خير
استدارت فيروزة للجانب الآخر لتمد يدها نحو الكومود حيث كوب الماء المسنود عليه تناولته وارتشفت ما فيه دفعة واحدة حتى تروي ظمأها التفتت ناظرة إليها لتقول معتذرة بسعال طفيف
أنا أسفة قلقتك
ربتت على ظهرها قبل أن تميل عليها لټحتضنها في محبة أخوية صافية لتضيف بعدها
متقوليش كده ده إنتي روحي
ابتسمت لها فيروزة في امتنان وعادت لتستلقي بظهرها على الفراش محاولة نسيان
تفاصيل ذلك الکابوس المؤرق لمضجعها تساءلت بعينين تحدقان في السقفية
هي الساعة كام دلوقت
أجابتها همسة بتثاؤب وهي تتقلب على جانبها
لسه النهار مطلعش
ردت متصنعة الابتسام
كويس فرصة ننام شوية
كانت تخدع نفسها بتصديق ذلك فالنوم أبعد ما يكون عن جفنيها وقد ظلت تفاصيل حلمها المزعج حاضرة في ذهنها أجبرت عقلها على عدم التفكير فيه حتى تستعيد من جديد حالة الاسترخاء التي كانت عليها مالت برأسها على الوسادة ناحية أختها لتجدها قد غفت بالفعل ظهرت بوادر ابتسامة متهكمة على جانب شفتيها قبل أن تلفظ تنهيدة طويلة مليئة بالهموم مستسلمة للأرق الذي أصابها كالعادة
لا تعرف كيف غفت تحديدا لكنها استيقظت على صوت أمها المرتفع الذي نبه كل حواسها نظرت لها بنصف عين ووجهها متقلص بدرجة كبيرة شعرت ببرودة ټضرب أطرافها حينما أزاحت عنها الغطاء فجأة ليتلاشى ذلك الدفء المغري حاول التقاط طرف الغطاء قائلة بتذمر
ليه كده بس يا ماما أنا ملحقتش أنام!!
ردت آمنة بلهجة الأم الجادة غير المتفاوضة
ده احنا داخلين على الضهر وورانا حاجات كتير لازم تتعمل قبل ما خالكم خليل يرجع من السفر
عبست ملامح فيروزة وعلقت عليها باستياء
هو لازم يعني كل مرة نعمل التشريفة دي
رمقتها بنظرة حادة وهي ترد عليها
عيب كده يا فيروزة! هو أنا ربيتك على كده
قالت بنبرة متنمرة
يعني يصح يا ماما يطلع عينك من صباحية ربنا عشان تطبخي لمراته وفي الآخر بدل ما تقولك شكرا نسمع منها كلمتين بايخين مالهومش أي 30 لازمة!!
وبالرغم من كونها محقة في طريقة استغلال أخيها وزوجته لها بشكل سافر إلا أنها ردت بحسم
أنا بأعمل لوجه الله
انزعجت فيروزة من ردها المحبط فاعترضت بنبرة شبه محتدة
بس مش كده!
حاولت والدتها أن تغلق باب المناقشة غير المجدية في ذلك الموضوع فصاحت بها
بصي أنا ماليش في الكلام بتاعك ده قومي يالا امسحي السلم وروقي المدخل وانشري الغسيل وأختك هتوضب الأوض وتكمل معايا بقية الأكل مافيش وقت نضيعه
ضړبت الأرض بقدمها بعصبية كتعبير عن سخطها وهي تمتم بتهكم
دي أخرتها أشتغل مساحة سلالم!
حذرتها أمها بلهجة أقرب للشدة وهي تشير بعينيها
عدي نهارك يا فيروزة
نفخت

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *