الطاووس الأبيض بقلم منال سالم ج١
شمر عن ساعديه وقام بثني كمي جلبابه ليتحرر ذراعاه ويستطيع مدهما بأريحية أثناء تناوله للطعام خلال المأدبة التي دعا إليها أفراد عائلته احتفاء بخروج حفيده الغالي من محبسه شطر سلطان الدجاجة المطهية أمامه إلى نصفين وضع إحداهما في صحنه واستطال ذراعه ليصل إلى حفيده الجالس على ميمنته بجوار ابنه أسندها في طبقه قائلا له بصيغة آمرة
عاوزك تخلص الأكل ده كله
رد عليه تميم مازحا
أوامرك يا جدي هنسفهالك
بادله جده ابتسامة راضية قبل أن تتحول أنظاره نحو ونيسة التي أمسكت بالمعلقة الكبيرة لتسكب بها الحساء الذي تجيد إعداده بوصفة خاصة بها في طبقه وهي تقول
دوق يابا الحاج وقولي رأيك
مد معلقته به وسحب القليل منه ليرتشفه ثم أردف في استحسان
تسلم إيدك
انتفخت عروقها تباهيا برأيه الذي يضاعف من فخرها بمهاراتها في الطهي وشرعت توزع على باقي الجالسين مستعينة بابنة أختها لتساعدها في تقديم الطعام لضيوفها خاصة وأن ابنتها هاجر تعاني
من آلام الحمل المعتادة في تلك الأشهر المتقدمة منه استهلت بثينة حديثها مادحة عن عمد لتوجه الأنظار نحو ابنتها
طول عمرك ست بيت شاطرة يا ونيسة وخلود طالعة زيك مخدتش حاجة مني
ردت شقيقتها مجاملة
تسلمي ياختي بس بنتك أشطر مني
قالت لها بابتسامة متسعة بعد ضحكة مفتعلة
والله دي أخدة أصول الصنعة كلها منك
وقفت خلود بجوار خطيبها تقدم له الطعام شكرها بنظراته دون أن ينبس بكلمة وفهمت هي إشاراته غير المنطوقة واحمرت وجنتاها خجلا هتفت بثينة فجأة عاليا وصوت المعالق يضرب في الصحون
ما تاكل يا تميم ده إنت هفتان يا حبيبي هما مكانوش بيأكلوك في السچن
بدت جملتها فظة إلى حد ما وأثارت حفيظة ابنتها التي اتسعت عيناها في لوم من أسلوبها غير المقبول لطرح مثل تلك الكلمات الصاډمة خشيت من توتر الأجواء لكن فاجأها
تميم بالرد بسخافة قاصدا إحراجها وربما مضايقتها
كنت بأكل يا خالتي بدل الطقة عشرة بس أكل أمي لا يعلى عليه!
اكتسى وجهها بعبوس ملحوظ بينما ضحكت ونيسة بنبرة فرحة وهي تقول
حبيبي يا ابني دايما كده ناصف أمك
ثم غمزت له بمكر لتتحول الأنظار من جديد نحو خطيبته المرتبكة
بس النهاردة خلود اللي عاملة كل حاجة بإيدها صح يا هاجر
أيدتها ابنتها هاجر في الرأي فقالت بلؤم
طبعا وكله على يدي
ردت عليها بثينة متسائلة بابتسامتها العريضة
إنتي صحتك عاملة إيه دلوقت
أشارت هاجر إلى بطنها المنتفخ وأجابت بتنهيدة متعبة
الحمدلله مطلع عيني بس كله يهون عشانه
قالت لها مجاملة
طبعا ده الحفيد المنتظر ربنا يتمملك على خير ها الضاكتور قالك النوع إيه
همت تجيبها
هو قالنا
لم يرغب محرز زوج هاجر وأحد أهم معاوني بدير في اقټحام تلك المرأة الفضولية لشئونه الخاصة لذا بحزم قاطع حديث النساء ليردد بطريقته اللزجة وبقايا الطعام الممضوغ يتناثر من فمه
كل اللي يجيبه ربنا خير خلونا نشوف الشغل والتوريدات اللي ورانا جايلنا كام طلبية و
ظنت بثينة أن الفرصة مواتية لتقحم ما تريده مستغلة جملة محرز الأخيرة فهتفت متدخلة في الحديث بفظاظة ونظراتها بالكامل تركزت على وجه بدير لكونه المسئول عن إدارة الأعمال
بمناسبة الشغل يا حاج بدير ما تاخد هيثم معاك أهوو يقف معاكو ويقضيلكم مصالحكم
رد عليها بدير بطريقة سمجة تليق بأسلوبها
جربته قبل كده ومانفعش!
احتج هيثم على اتهامه بالتقصير فدافع عن نفسه قائلا وقد توقف عن بلع لقيمات الطعام
لا يا جوز خالتي أنا بأفهم في الشغل
نظر له بنظرة نفاذة تشير إلى خبرته وسطوته قبل أن يكتسي صوته بطابع رسمي وهو يرد
شغلنا مش عاوز فهلوة ولا لوي دراع دي مصالح ناس بألوفات وسمعتنا قبل كل ده فوق أي اعتبار
علق الطعام في حلق هيثم فسعل بشدة ناولت بثينة كوب الماء لابنها وربتت على ظهره حتى يلفظ ما سد مجرى الهواء التفتت لتعاتب زوج أختها
وأنا ابني قصر في حاجة
أجابها ببساطة وهو يلوك الطعام
ابنك معندوش مخ
اشټعل وجهها بحمرة غاضبة من إهانته غير المقبولة لابنها فصاحت تدافع عنه باستماتة
نعم أنا ابني مخه يوزن بلد باللي فيها إنتو بس اللي مش مقدرين قيمته ولا مدينه حقه هنا
تدخل سلطان قائلا بلهجة الآمر الناهي
خلاص يا بثينة قفلوا على السيرة دي مش وقته الكلام ده نبقى نشوف موضوع ابنك بعدين
ردت على مضض وعيناها تشعان شررا مغتاظا
ماشي يا حاج سلطان
رن هاتف تميم فأخرجه من جيب بنطاله الجينز الخلفي لينظر إلى شاشته فمنذ أن علم رفاقه بعودته وهاتفه لم يتوقف نهض دافعا مقعده للخلف وهو يستأذن بلباقة احتراما لضيوفه
لا مؤاخذة هرد على التليفون وأرجعلكم
قالت له ونيسة بابتسامة عريضة وبكلمات موحية
بسرعة يا
ابني لأحسن الشوربة اللي عملاها بنت خالتك تبرد طعمها مابيبقاش حلو إلا وهي سخنة موهوجة
تلقائيا تحركت حدقتاه نحو وجه خلود المتشرب بحمرته الخجلة بدت أكثر توترا من نظرات المحدقين بها رمقها تميم بنظرة غير مفهومة التقطتها خلسة ثم عاد ليحدق في والدته قائلا باقتضاب
إن شاءالله
انسحب من مائدة الطعام ليتحدث مع المتصل وصوته المرح كان نوعا ما مسموعا وهو يقول
حبيبي يا ناجي أهوو بنتعلم منك الأدب والأخلاق!
لم يدرك أن عينا خلود ما زالت تتبعه أينما ذهب وقلبها يدق بسرعة فائقة وبالرغم من تحرجها من الأسلوب غير المستساغ في التحدث عنها بسبب أو بدونه إلا أنها كانت سعيدة بكونها محط اهتمامه لاحقا عاد تميم إلى الطاولة ووقف مستندا بذراعه على مقعده ليعتذر بجدية
معلش يا جماعة أنا مضطر استأذن وأنزل أشوف أصحابي كلهم متجمعين ومستنيني على القهوة
سقطت كلماته على رأس خلود كالصدمة وهي التي كانت تمني نفسها بسهرة لطيفة تتمتع فيها بالتطلع إلى وجهه وټغرق في نظراته الساهمة وربما يتجرأ ويداعب مشاعرها بتغزله فيها تبخرت أحلامها كليا وامتعضت ملامحها كتعبير عن ضيقها في حين رد عليه بدير بصوت هادئ
وماله اخرج يا تميم بس بلاش مشاكل
قال ممازحا بابتسامة ساخرة
اطمن يا حاج أنا مبطل شقاوة بقالي يومين
ودع الجالسين ملوحا بيده حانت منه التفاتة سريعة نحو خلود رمقها بنظرة ذات مغزى ابتسمت لها وأسبلت عينيها نحوه قبل أن تثبت نظراتها على صحن طعامها محاولة تهدئة قلبها الراقص طربا لاهتمامه بها وإن كان صغيرا ومتواريا