الطاووس الأبيض بقلم منال سالم ج١

متسائلة في نفاذ صبر
ماشي يا ماما ممكن أغسل وشي الأول ولا هاطلع كده بلبس البيت وبعماصي!
قالت لها بصوت أقرب للين وقد ارتخت نظراتها قليلا
روحي غيري هدومك وافطري وبعد كده اعملي اللي قولتلك عليه
همست ساخرة في امتعاض
الحمدلله ألحق أعمل حاجة لنفسي!
تابعتها والدتها بنظرات مهتمة وهي تتجه إلى خارج الغرفة لتقول بعدها محدثة نفسها
ربنا يهديكي يا فيروزة أخدة كل طباع أبوكي العصبية
ردت عليها همسة
الله يرحمه بس أنا شبهك صح
عادت الابتسامة لتتشكل على وجهه المرهق قبل أن تعلق عليها بحنو ملموس في صوتها ونظراتها
إنتي نسخة مني يا حبيبتي
عفويا احتضنت همسة والدتها لتنعم بحضنها الدافئ أسندت رأسها على كتفها وأغمضت عينيها تقول لها
ربنا يخليكي لينا يا ماما
ربتت والدتها برفق على ظهرها بعد أن ضمتها إليها ثم أبعدتها عنها لتبدأ الاثنتان بحماس يناقض فيروزة في إعادة ترتيب أغطية الفراش سويا قبل أن يتشاركا أداء مهام المنزل التي تنتظرهما
وقفت مستندة بمرفقيها على حافة سور المنزل المكون من طابقين تأملت أمواج البحر الغاضبة بنظرات ضجرة ففصل الشتاء على الأبواب موجة أشد قوة تحطمت على الصخور لتتناثر مياهها المالحة بطول الكورنيش ارتجف بدنها وشعرت بقشعريرة باردة تسري في أوصالها
هي دوما تخشى الاقتراب منه ومع ذلك تجبر نفسها على التطلع إليه لتحذر نفسها من قسوته إن فكرت يوما أن تطأه ذكرياتها معه تحمل الألم والحزن ورؤيته في تلك الحالة الهائجة يؤجج من إحساسها بالضيق الممتزج بالخۏف امتد البحر على مرمى بصرها وكأن لا نهاية له فمنزلها يعتبر معتزل نسبيا عن باقي المنازل والبنايات بالمنطقة أو كما تصفه
منبوذ عن البقية لكنه ما ورثته هي وشقيقتها ووالدتها عن أبيها الراحل تمسكت أمها به ورفضت بيعه رغم المغريات المادية نظرا لموقعه القريب من الشاطئ ومساحته المتسعة التي تمنح من به خصوصية لا مثيل لها إن حاوطه بسور مرتفع لمسة حنون شعرت بها على جانب كتفها الأيسر فأخرجتها من تحديقها فيه التفتت للجانب لتجد همسة تبتسم لها في رقة وعلى الرغم من كون الاثنتان تتشاركان في كل شيء تقريبا إلا أن صفاتهما مختلفة ف فيروزة حادة الطباع متقلبة المزاج أحيانا مثابرة عنيدة لا تقبل الهزيمة مطلقا أما همسة فتمتاز بالرقة بالطباع اللينة بالقناعة والرضا بالإضافة لنقطة ضعفها أو ما يمكن تسميته مجازا بعيبها الخطېر الخۏف من المواجهة مع الآخرين تساءلت الأخيرة في اهتمام وهي تضم ياقتي بلوزتها معا
مش بردانة يا فيرو
تطلعت فيروزة أمامها قائلة بعدم اكتراث
لأ مش أوي
اقشعر بدن همسة من النسمات الباردة التي ضړبت بوجنتيها ثم قالت وهي تحاول تضم الشال الذي ترتديه حول كتفيها لتستعيد إحساسها بالدفء
الجو ساقعة الشتا شكله السنادي هيبتدي بدري
قالت فيروزة في فتور
وإيه الجديد ما احنا متعودين على كده
ردت بصوت شبه مرتعش تأثرا بإحساسها بالبرودة
أنا بأحبه أوي
نظرت لها من طرف عينها قبل أن تعلق
أنا لأ!
رددت باستغراب
إنتي غير الكل الناس بتحب الشتا والجو ده
أغمضت عينيها للحظة لتتجنب الذكريات المؤلمة التي تحاول اقټحام عقلها فتنغص عليها نهارها ثم زفرت بقوة لتتساءل بعدها
مقولتليش رأيك في موضوع عربية الأكل
أجابت بتردد محسوس في صوتها
هي فكرة مش بطالة بس ماما هانقولها إيه
صمتت فيروزة للحظة قبل أن تعقب عليها
سبيها عليا أنا هاعرف أقنعها
حذرتها همسة بجدية واهتزازة بؤبؤاها واضحة لشقيقتها
أنا مش عاوزة أكدب عليها!
حاولت الأخيرة الابتسام لتمنحها شعور الثقة وهي تقول مؤكدة
أنا هاتصرف معاها اطمني
عادت همسة لتتساءل بتوتر لم تخفه
بس تفتكري خالك هيوافق
احتقن وجه أختها نسبيا حينما رددت على مسامعها تلك الجملة التي تشير إلى التدخل السافر لخالهما الوحيد في شئون حياتهما قالت باحتجاج ناقم
وخالنا ماله أصلا دي حاجة تخصنا احنا
عللت لها
ما إنتي عارفاه مش هايعدي الموضوع كده بالساهل
رفعت فيروزة حاجبها تشير لها
ما احنا مش هانقوله
شحب وجهها نسبيا من جراءتها المتهورة وردت متسائلة
طب افرضي عرف أكيد مش هايسكت وهايعملها حكاية ومشكلة كمان
نفخت هاتفة في ضيق انعكس على قسماتها وكذلك نظراتها
أنا مش عارفة هو غاوي يتدخل ليه في حياتنا ده حتى ما بيساعدش بمليم!
بالرغم من موافقتها إياها في الرأي إلا أنها دافعت عنه قليلا فقالت
بس هو خالنا حتى لو مش عاجبنا تصرفاته!
اغتاظت فيروزة من اتخاذها لصفه فاسترسلت موضحة لها بحدة طفيفة علها تفيق للواقع المحيط بهما وتدرك حقيقة الأمور
همسة إنتي شايفة مصاريفنا بقت عاملة إزاي تفتكري مع الحياة الغالية اللي احنا عايشين فيها الكام ملطوش اللي بيديهم لأمك من نصيبها في الأرض هيكفوا ده يدوبك بالعافية احنا مقضينها طب افرضي حد فكر يتقدم ويخطب
واحدة فينا ساعتها ماما هاتجهزنا منين ولا تكونيش مفكرة إنه هيطلع من جيبه ويدينا ده حمدية ترفعله حواجبها وتقلبها عليه وعلينا
رمشت أختها بعينيها في قلق حائر لذا سألتها
والعمل
أجابتها عن ثقة تامة غير مبالية بتبعات قرارها
همشي في المشروع بتاعنا إنتي عليكي الطبيخ وأنا عليا التسويق والبيع واحنا لا أول ولا آخر ناس عملوا كده
شعرت همسة بالخۏف يضرب عقلها كانت تخشى من ردة فعل الجميع إن عرفوا بما تنتوي أختها فعله بحثا عن لقمة العيش بعد أن تعذر على إحداهما العثور على وظسفة مناسبة براتب معقول لعقت شفتيها بطرف لسانها قبل أن تغمغم بأنفاس عبرت عن ارتعادها
ربنا يستر!
تنهيدة بطيئة مليئة بالهموم خرجت من صدرها وهي تمسح بأصابعها على زجاج الصورة الفوتغرافية التي تضم أغلى ما في حياتها المليئة بالوحدة والشقاء ابنتيها هي تذكر تلك اللقطة جيدا حينما احتفلت الاثنتان بتخرجهما ففيروزة خريجة كلية التجارة وهمسة الاقتصاد المنزلي تطايرت خصلات شعرهما الأسود بفعل الهواء وشكلت خلفية مثالية لألوان ثيابهما المبهجة لامست وجهيهما الضاحكين بإبهامها رامقة الاثنتين بنظرات حزينة ومتحسرة فابنتاها اقتربتا من منتصف العشرينات ولم يتقدم أحدهم لخطبة أيا منهما بالرغم من اللمحة الجمالية البسيطة التي تمتلكاها لتزداد قساوة الحياة معهما وتحرمهما من حق التمتع بالزواج والخطبة ألا يكفي حرمانهما من الأب الحنون الذي يغدق عليهما بمحبته وأمانه ألا يكفي اعتزالها للزواج من بعد ۏفاته غدرا في رحلة الصيد المشؤومة لتعكف على تربية الصغيرتين بمفردها دون معيل حقيقي دمعات متسللة ملأت طرفيها ألما على حالهما البائس كفكفتهم آمنة سريعا قبل أن تلمحها إحداهما مصادفة حاولت إلهاء عقلها عن التفكير في شأنهما بأداء ما تبقى لها من أعمال المنزل هتفت صائحة بصوت مضطرب حينما سمعت النقر على زجاج الشراع
أيوه يا اللي بتخبط جاية أهوو
ضبطت عقدة منديل رأسها وهي تسرع الخطا نحو باب المنزل فتحته راسمة على شفتيها ابتسامة بسيطة وهي ترحب بشقيقها الذي عاد لتوه قائلة له
حمدلله على السلامة يا أخويا نورت بيتك
قال لها بوجه جاد ونبرة رسمية
إزيك يا آمنة أنا قولت أعدي عليكي أنولك الأمانة بتاعتك وشوية الحاجات دي قبل ما أطلع شقتي
تأملت ما أحضره لها من شنط بلاستيكية تحوي بعض الخضر والفاكهة تناولته من يديه مرددة في امتنان
تعيش ياخويا دايما فاكرني
دس خليل يده في جيب قميصه ثم أخرج منه مغلفا صغيرا مطويا مد يده به نحوها قائلا بنفس اللهجة الروتينية المملة
فلوسك أهي معاكي كده مش ناقصك حاجة
أخذت المغلف منه وأطبقت عليه بأناملها تشكره
الحمد لله دايما عامر يا رب
نفخ قائلا في تعب بعد أن أنهى مهمته المعتادة
أنا هاطلع أريح من المشوار الطويل ده
أيدته الرأي
وماله يا خليل حقك ترتاح وأنا شوية وهابعتلك بالبنات بالأكل ما أكيد حمدية تعبانة ومش هاتقدر تطبخ
قال لها بامتعاض
العيال قرفوها طول الطريق وطلعوا عينها
حاولت التهوين عليه فقالت
الله يقويها عليهم اطلعلها بدل ما تقلق عليك
هز رأسه بإيماءة صغيرة ليودعها بعدها ويصعد على الدرج متجها للطابق العلوي حيث يوجد مسكنه تابعته آمنة بنظرات مهتمة حتى اختفى عن عينيها فأغلقت الباب وانحنت تحمل ما أحضره لتضعه في مكانه بالمطبخ قبل أن يفسد
بشموخ وهامة منتصبة وقف ذاك الرجل الذي قارب عمره على منتصف الخمسينات وسط عماله أمام دكانه الشهير الخاص ببيع الخضروات والفاكهة يدير الأعمال بخبرته العريضة في ذلك المجال تركزت أنظار بدير
مع الشاحنة الكبيرة المرابطة عند ناصية الزقاق الضيق والتي تعبئ بصناديق الفاكهة والخضار المنتقاة بعناية فائقة والمعدة خصيصا لطهاة السفن السياحية حيث رحلاتهم التي تمتد للأشهر وتستلزم وجود كميات كبيرة من الطعام كان يراقب أداء رجاله ويتفحص الصناديق واحدا تلو الآخر ليضمن تقديم جودة عالية لزبائنه استدار برأسه للجانب حينما سمع محامي العائلة يناديه ترك ما في يده واتجه إليه التقط المحامي أنفاسه قائلا في حماس وتفاؤل
البشارة جت يا حاج بدير
برقت عيناه بلمعان غريب وقد فطن إلى ما يرمي إليه خفق قلبه واعتلى وجهه المجعد ابتسامة مليئة بالأمل قبل أن يعده
لو طلع كلامك صحيح يا سي الأستاذ لأحلي بؤك على الآخر
رد مؤكدا وهو يضبط رابطة عنقه غير المهندمة بيده
وأنا مش بأجيب غير الأخبار الجد يا حاج
عبث بدير بلحيته البيضاء قائلا في حبور وبهجة
ياه أخيرا تميم هيطلع من السچن ده أنا كنت خاېف أموت قبل ما أشوفه
قال له محاميه
العمر الطويل ليك يا حاج مافيش حاجة بعيدة عن ربنا
رد عليه بتنهيدة طويلة
الحمد لله
ثم ما لبث صوته تحول للحماس من جديد وهو يكمل
أما ألحق أبشر أبويا الحاج سلطان بالأخبار دي
تساءل المحامي في اهتمام
صحته عاملة إيه دلوقت
رد مستخدما يده في الإشارة
أهوو يوم كده ويوم كده!
أومأ برأسه معقبا
ربنا يباركلنا في عمره سلميلي عليه يا حاج
قال مجاملا
يوصل عن إذنك يا أستاذ
تحرك بعدها بدير في اتجاه عماله يأمرهم بمتابعة إكمال تعبئة باقي الشاحنة بالصناديق ريثما يصعد إلى منزله ليطمئن على والده ويبشره بما عرفه من أخبار رائعة
سعال مؤذي لحنجرته أصابه لأكثر من دقيقة وهو يحاول استعادة انضباط أنفاسه بعد أن اختنق صدره بالدخان الكثيف لنارجيلته المتقدة ربت نوح الجالس على ميمنته على ظهره بقوة حتى يهدئ ثم سأله بصوت ثقيل وهو يسحب نفسا من خاصته
إنت كويس مكانش كام نفس خدته ورا بعض!
تطلع إليه هيثم بعينيه الحمراوتين من تأثير الدخان عليه ليجيبه بحنق
أنا تمام يا عمنا دي حاجة بس وقفت في زوري
ورغم عدم اقتناع الأخير برده إلا أنه ادعى تصديقه ليتجنب بوادر مشادة كلامية معه ربما تنتهي بعراك حام تتحطم فيه المقاعد الخشبية ويتكبد صاحب المقهى خسائر فادحة لكون الأول معروفا برعونته وأفعاله الطائشة تجرع هيثم ما تبقى في كوب الشاي الخاص به ليدس يده في جيب بنطاله باحثا عن النقود لم يجد ما يكفيه فالټفت لصديقه الملازم له يطلب منه بسماجة
بأقولك إيه الحساب عندك المرادي
اعترض بتذمر
هو كل مرة كده
رد بنبرة متنمرة
معييش فلوس بكرة أردلك اللي دفعته الطاق عشرة!
حك نوح طرف ذقنه معلقا في تهكم
أهوو كلام بنسمعه منك ومافيش حاجة بتحصل
استثارت حميته فاحتج بصوت شبه غاضب
هو أنا من امتى بأكل فلوس على حد
أشاح بوجهه بعيدا عنه بعد أن رمقه بنظرة مزدرية ليرد بنبرة مزجت بين التهكم والإدانة
بقى جوز خالتك يبقى الحاج بدير سلطان على سن ورمح وحالك يبقى كده!
قطب جبينه متسائلا
قصدك إيه
نفس بطيء مليء بالدخان ارتفع عاليا من جوفه ليقول موضحا في مكر
تشوفلك مصلحة معاه يطلعلك منها قرشين
لم يكن حديثه الغامض مفهوما ولم تكن حالته المزاجية تسمح له بالمكوث وسؤاله باستفاضة أكبر ليعي غرضه هب هيثم واقفا ورمقه بنظرة جافة قائلا له بسخافة منهيا معه جلسته المضيعة للوقت
بأقولك إيه أنا دماغي مش رايقة
السعادي نتكلم بعدين
لوح له بخرطوم نارجيلته وهو يرد
أه وماله وأهوو الحساب يجمع
كز هيثم على أسنانه في غيظ من طريقته التي تستفزه بصعوبة واضحة على تعابيره حاول كبح جموحه الذي ېهدد بالانفجار ليشتبك مع رفيقه نظرة أخرى مليئة بالحقد تسلطت على نوح الذي بدا وكأنه يتجاهله ليستدير متجها إلى سيارة النصف نقل المملوكة إليه استقر خلف عجلة القيادة وأدار المحرك ثم قام بتشغيل إحدى تلك الأغنيات الشعبية الصاخبة التي ينوح فيها المطرب على ماضيه وحاضره وبدأ في الدندنة معها تحرك مبتعدا عن المقهى ليتسكع بلا هدف في الشوارع كنوع من تفريغ شحنته المكبوتة حتى تحط دمائه المحتقنة ويستعيد ثباته الانفعالي !!!
يتبع
الفصل الثاني
أمسكت بالصينية الدائرية المغطاة جيدا بعد أن قامت برص الأطباق المليئة بالطعام فيها بشكل مرتب لتقدمها لخالها وزوجته وأبنائه وبحذر بالغ رفعت يدها للأعلى بعد أن ألصقت حافتها بصدرها لتتمكن من قرع الجرس تراجعت همسة خطوة للخلف راسمة على وجهها البشوش ابتسامة لطيفة وهي تتمنى في نفسها ألا ټتشاجر
مع تلك المتغطرسة الفظة رمشت بعينيها حينما فتحت لها حمدية الباب حاولت عدم التحديق في قميصها المنزلي الأحمر ذي فتحة الصدر العريضة والتي تبرز مفاتنها المتهدلة بشكل فج ومقزز غضت بصرها وبادرت مرحبة بتهذيب وتواضع
حمدلله على السلامة يا مرات خالي نورتوا بيتكم المكان مكانش ليه حس من غيركم الأيام اللي فاتت
استطاعت تلك المرأة ذات الملامح الخبيثة والنظرات غير المريحة أن تلاحظ إبعادها لعينيها عنها ظنت أن في ذلك إساءة لها لذا تغنجت بجسدها المليء بكتل الشحم ورفعت ذراعها لتستند به على حافة الباب منحتها نظرة دونية تعبر عن تأففها منها وهي تكمل ببسمتها الرقيقة
ماما جهزت الأكل من بدري عشان آ
عبثت حمدية بذيل شعرها الذي يلتف حوله أنشوطة عريضة من اللون الأحمر بشكل صبياني لا يتماشى مع عمرها المتجاوز لمنتصف الأربعينات ثم رفعت حاجبها الرفيع للأعلى في حركة تعبر عن سخطها لم تمنحها الفرصة للثرثرة أكثر من ذلك فقاطعتها بسماجة
ابلعي لسانك شوية!
تحرجت من ردها غير المقبول واكتست تعبيراتها بالخجل تحركت زوجة خالها نحوها لتمنعها من الولوج للداخل مشيرة لها بعينيها القاسيتين لتتراجع خطوتين للخلف كتعبير عن رفضها لوجودها تسمرت قدما همسة في مكانها وبقيت متصلبة الجسد محاولة التغلب على الدمعات الخجلة التي تتسلل إلى مقلتيها فتلك تعد إهانة كبيرة من قبلها وهي لم تفعل ما يسيء بل على العكس كانت أكثر ذوقا عنها أزاحت حمدية الغطاء لتنظر إلى ما أحضرته عبرت تعبيراتها الواجمة وحركة شفتيها الممتعضة بالإضافة إلى نظراتها المستاءة عن عدم رضائها ثم زادت الطين بلة بسؤالها الوقح
ده بس اللي أمك طبخته
ارتبكت همسة وهي تجيبها
أيوه
علقت عليها بأسلوب فظ يبعث على النفس الضيق وهي تلقي بالغطاء على الأرضية
يا ريتها ما عملت إيه القرف ده هو احنا بنشحت منكم ده خليل طفحان الډم عشان يجيبلكم حاجتكم!
تغللها شعور متعاظم بالإحباط فور أن سمعت ما تفوهت به خاصة أنها كانت شاهدة على المجهود المبذول من قبل والدتها لتعد ألذ أنواع الطعام وأكثرها شهية لذا دافعت عنها بغريزية صادقة
يا مرات خالي ماما عملتلك كل اللي بتحبيه وواقفة على رجلها من صباحية ربنا عشان متتأخرش عليكم تبقى دي أخرتها
مطت شفتيها في ازدراء محتقر غير مبالية بدفاعها البائس رمقتها بنظرة جافية ثم تناولت الصينية وقالت لها بتهكم فج
ياما جاب الغراب لأمه!
شهقة خاڤتة مستنكرة انطلقت من بين شفتي همسة احتقنت عيناها بدرجة كبيرة وامتلأتا بالعبرات شعرت وكأنهما ينفثان نيرانا حامية كزت على أسنانها مانعة نفسها من التفوه بأي حماقة حتى لا تتسبب في إحداث مشكلة بين خالها ووالدتها فالمقيتة زوجة خالتها ربما ستدعي الأكاذيب لتفسد ما بين الأم وابنتها وتوغر صدرها نحوها بأسلوبها الملتوي في قلب الحقائق أفاقت من التفكير في عواقب ردها على انتفاضة جسدها المباغتة حينما سمعت صوت الصفقة العڼيفة لباب المنزل لتشير إلى وقاحتها اللا متناهية وانعدام الذوق لديها انحنت لتلتقط الغطاء الصغير ثم استقامت واقفة واستدارت للخلف لتمسك بالداربزين حتى تهبط للطابق الأول تجمدت مصډومة حينما تفاجأت بوجود أختها التي حتما تابعت ما دار بينهما من حوار رأت على تعابيرها حمم الڠضب متأججة اعتلت فيروزة
درجات السلم لتقف في واجهتها تسألها بنبرة مغتاظة
عجبك اللي عملته معاكي وإھانتها لينا
وضعت همسة يدها على ذراعها واستخدمت قوتها لتجذبها للأسفل وهي ترجوها
عشان خاطري يا فيرو خلينا نتكلم تحت
لوحت الأخيرة بيدها صائحة پغضب وعروقها تنتفض من شدة حنقها
فكرك أنا خاېفة منها العقربة أم أربعة وأربعين دي خليها تطلع وأنا أعرفها مقامها!
توسلتها أختها برجاء أشد وهي تسعى لسحبها معها نحو الأسفل
بلاش مشاكل الله يكرمك بتقلب في الآخر بغم عندنا
استشاطت فيروزة غيظا من أسلوبها الهروبي والسلبي الذي تتخذه مع واحدة بغيضة كتلك كزت على أسنانها تلومها بحدة
ما هي طول ما شيفاكي كده هتطيح فينا زي ما هي عايزة ومحدش هيقدر يوقفها
نكست رأسها خزيا لكونها متخاذلة بالفعل في تلك النوعية من المواقف وعاجزة عن الإتيان بحقها بينما أكملت فيروزة هجومها قائلة
لأ وبتقولولي بلاش إنتي تطلعي طبعا ما هو لو كانت بتقول الكلام ده ليا كنت سمعتها ما تكره وعرفتها مقامها
لم تستطع همسة منع دمعاتها من الانسياب فبكت أمام أختها التي تضاعف شعورها بالسوء مالت عليها تسألها بصوتها المحموم
إنتي خاېفة منها ليه
أجابتها بصوتها الباكي مبررة موقفها
مش خاېفة بس أنا مش بأحب المشاكل ڠصب عني دي طبيعتي وأنا مش هاتغير
حذرتها أختها بلهجة شديدة وقد قست عيناها
جبنك ده هيوقعك في مشاكل يا همسة خليكي فاكرة ده كويس!
كفكفت عبراتها بظهر كفها لترد عليها بصوتها الحزين
أنا راضية بحالي كده يالا بينا
اضطرت فيروزة أن تكتم ڠضبها المندلع بداخلها حتى لا تزيد من إحساسها بالضيق بحديثها الحاد هبطت الدرجات بخطوات شبه متعجلة لتقف عند أعتاب منزلهما التفتت تقول لأختها
بلاش ټعيطي قصاد ماما عشان متسألكيش وهتضطري ساعتها تجاوبي
هزت رأسها استجابة لنصيحتها الثمينة ومسحت ما علق في أهدابها بأناملها سألتها في اهتمام
كده كويس
ابتسمت لها فيروزة وهي تجيبها
أيوه
سحبت همسة نفسا عميقا أخرجته ببطء من صدرها ثم نجحت في وضع تلك الابتسامة الزائفة على ثغرها قبل أن تقول كڈبا بنبرة عالية
طنط حمدية بتشكرك يا ماما على تعبك
تنهدت آمنة قائلة بارتياح
الحمدلله إن الأكل عجبهم
ثم أخذت نفسا ولفظته لتضيف بتعب ملموس عليها
هاخش أوضتي أنام شوية لأحسن مش قادرة من عضمي الأكل عندكم يا بنات
قالت همسة في امتنان
تسلمي يا ماما ارتاحي إنتي
كټفت فيروزة ساعديها وهي تتأمل المشهد المحبط بكافة المقاييس الكل يدعي رضائه بالوضع وهي وحدها من تقاوم استغلال الآخرين واستغفالهم لم تتقبل تلك التمثيلية السخيفة وانسحبت لتنزوي في غرفتها وقد فقدت شهيتها لتناول أي شيء
بكل حيوية ونشاط وخفقات قلب غير هادئة لفت تلك الشابة التي تجاوز عمرها منتصف العشرينات بقليل حجابها المزركش حول رأسها أخفت خصلة متمردة تأبى الانصياع مع مثيلاتها قامت خلود بقرص خديها بإصبعيها لتلهب بشرتها قليلا فيظن من يتطلع إليها أن وجنتيها يكسوها حمرة طبيعية مغرية لم تبالغ في وضع مساحيق التجميل أو حتى أحمر الشفاه اكتفت بمسحة خفيفة من زبدة الكاكاو ذات اللون الكريمي لترطب شفتيها لم تنتبه تلك الشابة ذات العينين العسليتين إلى والدتها بثينة التي استندت بكفها على باب الغرفة تتأملها في صمت وضيق فمن هم في مثل عمرها حظين بزوج وعدة أبناء أما خاصتها فرفضت الارتباط بغيره رغم سنواته الضائعة في الحبس بقيت وافية على عهدها معه
تذكرت بثينة تلك اللحظة المميزة التي نضج فيها جسد ابنتها وأعلن عن بزوغ فجر أنوثته حينها اقترن اسمها بزوج المستقبل وابن أختها تميم توقفت عن إكمال تعليمها بحصولها على شهادة التعليم الثانوي بعد رسوبها لعامين متعاقبين وهيأت نفسها للزواج منه بعد خطوبة استمرت
لبضعة أشهر لكن تلك المشاجرة الدامية في سوق الجملة أفسدت كل شيء وأطاحت بمخططاتها الوردية حيث زج به في السچن وحكم عليه بالحبس لمدة عشر سنوات وقضى منهم سبعا آنذاك رفضت خلود التخلي عنه لتقترب من العنوسة بإصرارها عليه لم ينتقص حبها له ولو بمقدار ضئيل بل على العكس حاولت إسعاده بشتى الطرق حينما تذهب لزيارته مع العائلة بالرغم من تذمره وانزعاجه من قدومها لذلك المكان غير الملائم واليوم فرحتها لا توصف لذهابها معهم لاستقباله بعد السماح بخروجه ضمن المجموعة المفرج عنهم بعفو مشروط قبل انتهاء مدتهم كاملة التفتت لتجد أمها مسلطة لبصرها عليها سألتها في لهفة
ها كده شكلي حلو
أجابتها بتنهيدة شبه مطولة مبدية اعتراضها
أيوه يا خلود بس مكانش ليه لازمة إنك تروحي معاهم جايز أبوه يضايق ولا
قاطعتها بعبوس منزعج
أنا خطيبة ابنه يا ماما وكلها كام يوم بعد ما تميم يشم نفسه وأبقى مراته يعني لا أنا غريبة ولا مش من العيلة
أشارت لها والدتها بعينيها تؤكد عليها
عموما لو حد ضايقك ماتسكتيش إنتي بنت بثينة وألف مين يتمناكي ولولا بس أنا شيفاكي متعلقة بيه كنت فركشت الجوازة دي من يوم ما اتحبس
ردت عليها باحتجاج منفعل
يا ماما أنا بأحبه روحي فيه ماتخيلتش نفسي مع حد تاني غيره
قالت من بين شفتيها في لمحة تهكمية
يا ريت يكون زيك والسجن مغيروش
علقت عن ثقة كبيرة
أنا عارفة تميم كويس قلبه ميال ناحيتي وبيحبني!
وقبل أن تنغص عليها نهارها بالمزيد من الاعتراضات عادت خلود لتبتسم وهي تقول لوالدتها
أنا هالحق أروح لجوز خالتي عشان متأخرش عليهم سلام يا قمر
رمقتها بثينة بنظرة غير راضية من عينيها لم تسع لإخفاء ضيقها عنها ف تميم بالنسبة لها قد أفسد على ابنتها الكثير من الفرص الرائعة بتمسكها غير المستساغ به
اشرأبت بعنقها وشبت على قدميها لتنظر بتركيز إلى السيارات القادمة من أول الطريق علها تلمح خاصتها فعلى حسب الميعاد المتفق عليه فإن اليوم هو تاريخ تسلمها لعربة الطعام القابلة للجر تلك التي ستكون نقطة البداية لانطلاق مشروعها لجني الأموال عن طريق بيع المأكولات البسيطة الجاهزة كالسندوتشات وسلطة الفواكه بأسعار شبه رمزية استطاعت بعد عناء أن تتدبر النقود اللازمة لشرائها بعد اشتراكها مع شقيقتها في جمعية شهرية مع بعض رفقاء الكلية ممن ما زالوا على صلة بهما استغلت فيروزة فرصة ذهاب والدتها لشراء الخضراوات من السوق القريب كعادتها في ذلك اليوم من كل أسبوع ليكون يوم استلامها وما ساعد على زيادة شعورها بالاطمئنان والارتياح سفر خالها مع زوجته وأبنائه في مأمورية عمل تخص الأول انتظرت على أحر من الجمر وصول سيارة النقل تطلعت كل بضعة ثوان لشاشة هاتفها في لزمة متوترة منها لربما يردها الاتصال من مسئول الشحن كانت أختها تقف إلى جوارها تثرثر بلا توقف ومع هذا لم تنتبه لها كان كامل اهتمامها منصبا على الطريق صاحت همسة عاليا بعد أن ضجرت من تجاهلها غير المكترث بها
يا فيروزة إنتي مش سمعاني
التفتت نحوها وهي تنفخ في ضيق ثم ردت بإيجاز
أيوه سمعاكي خير
سألتها في قلق وهي تعيد إزاحة خصلات شعرها المتناثرة بفعل الهواء خلف أذنيها
دلوقتي ماما هتقول إيه لما تشوف العربية هنا وخالك أكيد هيقلب الدنيا!
ردت بلهجة جافة
أنا هاقنعها متقلقيش وخالك فكك منه طالما ماما راضية يبقى خلاص
اقشعر بدنها من البرودة المنتشرة في الأجواء فشبكت ذراعيها وضمتهما إلى صدرها علها تدفء نفسها ارتجفت نبرتها قليلا حينما أضافت بنفس التوجس السائد عليها
مش مطمنة يا فيرو حاسة إننا هنفتح
على نفسنا فاتوحة إحنا مش أدها
رمقتها فيروزة بنظرة جامدة من طرف عينها دون أن ترد لم يؤثر بها خۏفها ولا نصائحها المبالغ فيها بالتراجع عن ذلك المشروع الذي فكرت فيه عشرات المرات واضعة الخطط اللازمة لدراسته قبل تنفيذه على أرض الواقع لن تتراجع عنه الآن بعد أن أوشكت على تحقيقه لمحت إحدى
سيارات النقل الصغيرة وهي تنعطف نحو منزلهما فهتفت بحماس لاكزة شقيقتها في جانبها
شكل العربية جت
التفتت همسة تنظر في اتجاه السيارة وعيناها متسعتان على الأخير فعربة الطعام التي تحملها كانت نوعا ما كبيرة الحجم ولافتة للأنظار بالرغم من لون الطلاء الأسود الطاغي عليها لوحت فيروزة بيدها لسائق السيارة ليتوقف أمام الرصيف المقابل لمدخل المنزل وترجل منها رجلان ليحلا وثاق العربة المربوطة بالأحبال الغليظة أنزلاها بحذر على الرصيف شكرتهما فيروزة على تعبهما ومنحتهما المبلغ المتفق عليه لنقلها وتحميلها انتظرت حتى انصرفا لتدور حول العربة تتفحصها بتلهف واهتمام مضاعفين رفعت عينيها لتنظر إلى همسة متسائلة
ها إيه رأيك فيها
أجابتها بإعجاب باد على تعبيراتها وعينيها
شكلها تحفة
تلمست فيروزة كل جزء في العربة وقلبها يخفق في سعادة ها هي تخطو بثبات نحو تحقيق حلمها بإثبات الذات شردت لوهلة تتخيل إقبال الناس عليها لشراء الطعام الشهي ومدحهم لمذاقه ونجاحهم في جني الأرباح الكثيرة لتنتقل بعدها لخطوة أخرى هامة وهي امتلاك محل خاص بها كنوع من التوسع في الأعمال وجدت نفسها تبتسم تلقائيا مع تعمق أحلامها المثمرة انتشلتها همسة من تحليقها الوردي في سماء الأحلام بسؤالها
هنحطها فين
حكت طرف ذقنها بيدها قبل أن تجيبها مقترحة
إيه رأيك لو سيبناها مؤقتا ورا البيت
ماشي
بدت فكرة جيدة لوضعها به حتى ترتب كلتاهما أوضاعهما لذا قامت الاثنتان بدفع العربة ذات العجلات الأربع للأمام وقاما بإدخالها لباحة المنزل الخلفية حيث تحتفظ العائلة بمعظم الكراكيب القديمة والأدوات غير المستخدمة نفضت فيروزة يديها والتفتت قائلة لأختها بلهجة شبه آمرة
مش عاوزين نضيع وقت هاتي حتة قديمة نلمعها بيها وأنا هاروح أجهز الحلل والأطباق اللي هنحطها جواها
هزت همسة رأسها بالإيجاب وأسرعت ركضا للمنزل لتنفذ ما أمرتها به وقفت الأولى تتأمل حلمها الذي بات وشيكا من التحقيق بحماس واستعداد كبير هي ستبدأ بإمكانات ضئيلة لكنها واثقة أن أعمالها ستتسع بمرور الوقت وأثناء سعيها الدوؤب ستخوض معاركا جمة مع الأقربين أولا قبل الغرباء لتثبت كفاءتها في إدارة مشروعها الصغير
يا لهوي! إيه اللي أنا شيفاه ده!
رددت آمنة تلك الكلمات المصډومة وهي تلطم على صدرها في قوة حينما أطلعتها فيروزة على ما تنتوي فعله وأبصرت بعينيها تلك العربة لتؤكد لها على عدم عدم تراجعها عن إتمامه انتابتها حالة من الخۏف والانزعاج لجرأتها وبالرغم من المبررات المنطقية التي حاولت إقناعها بها ومن التسهيلات التي ستقوم بها لتضمن تحقيق النجاح إلا أنها أبت الإصغاء إليها وأصرت على رفضها دون نقاش انسحبت من باحة المنزل الخلفية مستديرة بجسدها لحقت بها ابنتها لتعترض طريقها فأجبرتها على التوقف التقطت أنفاسها وهي ترجوها
طب هي مش عجباكي ليه
ردت مستنكرة بلهجة يشوبها الانفعال
هو في حد عاقل يوافق على الجنان اللي بتقوليه ده بقى على آخر الزمن عاوزة تقفي تبيعي في الشارع يا فيروزة لأ وبتجري أختك معاكي أل هي ناقصة فضايح وقلة قيمة!
زوت ما بين حاجبيها مرددة في تساؤل متعجب
وإيه المانع يا ماما
احتدت نظراتها نحوها تلومها
المانع إنتي مش شايفة نفسك غلطانة
ردت ببرود مدافعة عما تريد
غلطانة في إيه طيب أنا عاملة مشروع زي أي حد ما بيعمل فكرته بسيطة هانطبخ ونبيع
الأكل للناس ونكسب منه وبعدين هنقف هنا على الكورنيش جمب البيت بكام متر يعني حضرتك يا ماما تقدري تشوفينا من الشباك أو حتى تقفي معانا
هزت رأسها محتجة وهي تعقب عليها
برضوه مش
لمحة نيوز

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *