الطاووس الأبيض بقلم منال سالم ج١
موافقة وخالك لما هيعرف هيبهدلنا وأنا مش ناقصاه!!
هنا خرجت فيروزة عن حالة الهدوء الزائفة لتقول بتشنج
إنتو ليه محسسني إني بأتاجر في المخډرات زمايلي كلهم بيعملوا مشاريع زي كده ونجحوا وأثبتوا نفسهم ومحدش قالهم لأ اشمعنى أنا
أجابتها ببساطة
لأنك بنت
تشنج جسدها أكثر من ردها الذي بدا من وجهة نظرها مستفزا وقبل أن تختنق شرايينها بدمائها الفائرة لطفت والدتها من الأمر علها تتخلى عن فكرتها المتهورة فاستعطفتها
يا ماما عشان خاطري افهميني أنا زهقت من أعدة البيت وعاوزة أعمل حاجة مفيدة وأنا درست الموضوع كويس وبعدين هنقدر نحوش فلوس عشان لما نتجوز
ردت عليها أمها تحذرها في عصبية
أنا مقصرتش معاكو في حاجة! بلاش تجروا رجلينا للمشاكل
قالت بإصرار
مافيش مشاكل إن شاء الله
برضوه راكبة دماغك
لجأت لإقناعها أكثر بهدوء ومنطقية موضحة لها
احنا عارفين ده كويس بس الحياة غالية والمصاريف كل مدى بتزيد ومعاش بابا الله يرحمه مش مكفي مع الريع اللي بيطلعلك من أرضك افرضي حصل حاجة وحشة لا قدر الله هانجيب فلوس منين وخالنا يدوب مكفي بيته وعياله ولا نسيتي يا ماما اللي حصل أيام موضوع البيت!
ضغطت آمنة على شفتيها في ضيق ممتعض فما تتفوه به حقيقة مفروغ منها وإن أنكرتها هي لا تملك من الأموال ما قد يغطي أي ضائقة مالية طارئة قد تحدث وأخيها ليس بالخيار الأفضل لتقديم المساعدة سرحت تفكر في لجوئها له قبل بضعة سنوات تذكرت مساومته لها في شراء حصة بالمنزل الذي تركه لها زوجها بعد أن تعذر عليها سداد الأقساط الأخيرة لۏفاته المفاجئة مقابل تسديده لهم وبالرغم من التعويض المادي الذي تلقته إلا أنه لم يكن كافيا لدفع باقي المستحقات أدركت فيروزة من سكوت والدتها أنها ربما تعيد التفكير في الأمر ظنت أن الفرصة مناسبة للضغط عليها وتليين رأسها المتيبس حتى تحظى بموافقتها تلمس ذراعها بيدها تتوسلها
صدقيني يا ماما مافيش منها أي ضرر ولو حصل منها مشكلة أنا بنفسي هالغيها
زمت أمها شفتيها متسائلة في قلق بائن على تعبيرات وجهها المرهقة
طب وخالك
تشكلت ابتسامة لطيفة على محياها وهي تقول بنبرة ذات مغزى
البركة فيكي إنتي يا حبيبتي
رددت الأخيرة في استسلام وقد رضخت تقريبا للأمر الواقع أمام عناد ابنتها
أنا مش عارفة إنتي ناوية تعملي فيا إيه!
احتضنتها فيروزة في عاطفة ومحبة بعد أن فطنت لموافقتها الضمنية شدت من ضمھا لها لټغرق في أحضانها الآمنة قائلة لها
كل خير يا ماما
أغمضت عينيها لتستمتع بانتصارها الذي ظفرت به بعد صعوبة تبقى لها أن تثبت لوالدتها أنها كانت جديرة بثقتها
تجمدت الأعين المشتاقة على البوابة الحديدية السميكة خاصة عيناها اللاتين تتوهجان في حب سيطرت بصعوبة على مشاعرها المتحمسة لرؤيته فلو كانت بمفردها لأخذته في أحضانها وارتوت من حبه الذي حرمت منه كم حلمت بتلك اللحظة التي سينال فيها حريته لتكتمل بوجوده سعادتها! همهمات خاڤتة متداخلة صدرت من أفواههم وقد فتح الباب الصغير الجانبي ليخرج منه الغائب المنتظر فرحة عامرة سيطرت عليهم وتحركوا مقبلين عليه رفع تميم عينيه للأعلى ليجد والده وجده وزوج أخته بالإضافة إلى خلود ينتظرونه بالخارج أمام سيارتين تخص العائلة على الفور تحرك أباه نحوه فاتحا ذراعيه له ارتمى ابنه في أحضانه يضمه بشوق وحب ردد بدير مرحبا بفلذة كبده الغالي
حمدلله على السلامة يا ابني
رد عليه تميم بصوته
الأجش وهو يتراجع للخلف دون أن تترك قبضتاه ذراعيه
الله يسلمك يا حاج
حرره ليذهب إلى جده الذي اتكأ على عكازه ليكون حاضرا في تلك اللحظة الهامة حينما يلتقيه انحنى عليه يقبل كفه المجعد يشكره في امتنان واضح
جاي بنفسك يا جدي
ربت سلطان على كتفه قائلا له
معندناش أغلى منك يا تميم
استقام في وقفته مقبلا أعلى رأسه في تهذيب ثم أضاف ببسمة صغيرة
الله يديمك فوق راسنا يا كبير العيلة
ربتة أخرى تلقاها كتفه منه ثم استدار ليصافح محرز الذي صاح يحييه
كفارة يا ابن ولاد الأصول غيبتك طولت عليا والله
رد مجاملا
تشكر يا محرز كله بيعدي وأديني رجعتلكم
علق مبتسما بتكلف
تنور مكانك يا تميم والله لا يعودها الأيام الغابرة دي تاني أكيد إنت عقلت وعرفت إن مافيش حاجة تستاهل
بدا وجهه جادا للغاية بعد كلماته الحمقاء رمقه تميم بنظرة ڼارية وهو يرد عن قصد وبخشونة بائنة
لأ تستاهل يا محرز وخصوصا مع الأشكال الضالة وولاد الحړام أنا فدا الحاج وجدي وأي حد يمس شعرة من عيلتي!
شعر زوج أخته بجفاف عڼيف يصيب حلقه اهتزت ابتسامته واضطربت حركة عيناه وهو يرد في حرج كمحاولة بائسة في إصلاح ما أفسده لسانه
أكيد طبعا كله إلا عيلة الحاج سلطان
تحولت عينا تميم عنه لتتجه إلى تلك الجميلة التي احتضنت باقة ورد صغيرة بين ذراعيها رأى في ملامحها بهجة وإشراقة يحسده عليها الرجال مدت خلود يدها بها نحوه وهي تقول باشتياق محسوس في صوتها وظاهر في تعبيراتها ولهفة نظراتها
حمدلله على سلامتك أنا مش مصدقة إن الأيام عدت الحمدلله إنك رجعتلنا وبقيت في وسطنا
لم يبادلها نفس النظرات المتلهفة بل نظر إلى باقة الورد بازدراء ولم تتحرك يده لأخذه مما أحرجها بشدة سحبت خلود يدها للخلف وقد تسلل إليها إحساسا مزعجا بالارتباك الممزوج بالضيق من أسلوب معاملته غير الحميمي معها شعرت بالإحباط والصدمة حينما سألها بجفاء وجمود
جيتي ليه
وخزة مؤلمة عصفت بصدرها من قسۏة كلماته المثبطة لأي فرحة تبزغ في قلبها كادت أن تبكي وبدأت العبرات في التجمع في مقلتيها تأثرا بما انتابها من حزن مباغت خرج صوتها إلى حد ما مهتزا وهي تجيبه
ده أنا مستنية اليوم ده من زمان
رد بنفس النبرة الجافية
كنتي أعدتي في بيتك أحسن مش كتر مشاوير والسلام
باتت قاب قوسين أو أدنى من البكاء علنا لقسوته غير المفهومة معها زاد انقباض قلبها كما لو كان قد غرز به سکينا تلما اغرورقت عيناها بالعبرات الكثيفة واشټعل وجهها بحمرة حرجة استياء محبط تغلغل في كيانها مع إشاحته لوجهه بعيدا عنها وكأنها نكرة مشاعرها لا تعنيه في شيء تابعته بعينين منكسرتين وهو يلتهي بالحديث مع عائلته لتشعر بكونها ضيفا غير مرحب به بينهم تهدل ذراعاها وارتخت أصابعها عن باقة الورد لتسقط على الرصيف تركتها وسارت بخطوات بطيئة نسبيا تتبع زوج خالتها حتى وصلت للسيارة لم تتفوه بكلمة واحدة مبتلعة مرارة الحزن في حلقها حتى عينيها بقيتا بعيدتين عن وجهه الذي كانت تحترق شوقا لتأمله جلست بالمقعد الخلفي مركزة أنظارها على الطريق والشكوك تساورها بشأن استمرار حبه لها !!!!
يتبع
الفصل الثالث
استندت بوجهها على كفها وهي تتطلع بشرود حزين إلى حركة الجيران بمنطقتها الشعبية من خلال نافذتها وعلى الرغم من الصخب المزعج المنتشر في وقت الظهيرة إلا أنها كانت معزولة عنه بانخراطها في همومها تركت لدمعاتها المخټنقة العنان لتنساب على وجنتيها كان صدرها مخټنقا على الأخير ما زال طيف لقائها معه بعد تلك الغيبة يؤلمها قدم لها الخيال هاجسا مخيفا بأنها باتت مفروضة عليه وحبها له من طرف واحد بالرغم من كونها لا تعرف سواه ولم تعشق غيره لكنه كان منذ الوهلة الأولى بعد ذلك البعد القاسې غامضا معها نادت عليها والدتها عدة مرات فلم تنتبه لها مما حث الأخيرة على الاقتراب منها وهزها بضيق اعتدلت خلود في وقفتها المنحنية قليلا لتنظر إلى والدتها باستغراب مسحت
ما علق في أهدابها من عبرات لتسألها
في إيه يا ماما
أجابتها بوجه مكفهر وصوت يعكس ضيقها
بنادي عليكي وإنتي ولا سمعاني!
ردت بزفير بطيء
معلش مخدتش بالي
دققت بثينة النظر في وجه ابنتها الذابل لم تكن بالساذجة لتفهم وجود خطب ما سألتها بجدية تنم عن قوة وحاجباها معقودان
خلود بقالك يومين مش زي تملي في حد ضايقك قوليلي وأنا أتصرف
ظهر ترددها وهي تجيبها باقتضاب
لأ مافيش
سألتها مباشرة وكامل نظراتها مثبتة عليها
تميم عملك حاجة
للحظة توترت من سؤالها الملبك لحواسها أجابت دون أن تنظر في عينيها حتى لا تلاحظ كذبها
لأ
كانت غير مقتنعة بردها ومع ذلك قالت لها
طب جهزي نفسك عشان تروحي من بدري لخالتك تساعديها في عزومة العشا بتاعة النهاردة
عبثت خلود بأصابع يدها في ارتباك فكيف ستخبرها أنها غير راغبة في الذهاب إلى هناك وچرح كبريائها أكثر من ذلك بتلقي المزيد من قساوة تميم ما زالت مستاءة منه ولم يخف حزنها ضغطت على شفتيها تعتذر بصوت مهتز وعيناها تتحركان في توتر
أنا أصلي مش رايحة
علقت مصډومة مما نطقت به
نعم بتقولي إيه
تعللت مدعية كڈبا
جسمي واجعني و مش هاقدر أقف كتير خاېفة أدوخ وأتعب خليني أروح مرة تانية
زمت والدتها شفتيها في عدم اقتناع وهي تعقب عليها
غريبة! مع إنك كنتي بتزني عليا عشان تروحي
غامت عيناها وهي ترد
مكونتش أعرف إني هاتعب
استدارت بثينة برأسها للخلف حينما سمعت صوت الجرس عادت لتنظر إلى ابنتها وهي تهم بالتحرك
أنا هاروح أشوف مين بيخبط
أومأت برأسها بهزة بسيطة والتفتت تتطلع من نافذتها للزحام المتواجد بالأسفل سحبت خلود أنفاسا عميقة تخفف بها تلك الغصة المؤلمة الموجودة بصدرها أتاها صوت والدتها من خلفها وهي تقول لها بابتسامة ماكرة وعيناها تبرقان بوميض غريب
في ضيف جايلك برا يا حلوة
أدارت رأسها ببطء نحوها لتسألها
ضيف مين ده
هزت بثينة كتفيها في دلال مصطنع قبل أن تجيبها بابتسامتها اللئيمة
تميم يا عين أمك!
خفق قلب خلود بقوة لمجرد سماعها اسمه في لحظة واحدة تلاشت جميع أحزانها ومحيت كل همومها أشرقت ملامحها وتوهجت نظراتها بوهج الحب اضطربت أنفاسها حينما رددت
ت تميم!
قالت في خبث
أه ياختي تميم
تملكتها حالة من الارتباك والحيرة دارت حول نفسها غير مصدقة أنه قد جاء إليها وقفت أمام المرآة لتضبط هيئتها سريعا وتمسح ما تبقى من دمعاتها قرصت خديها بأناملها وهي تتساءل في تلهف مضاعف
شكلي مظبوط يا ماما
علقت عليها ساخرة
عجايب! اللي يشوفك من شوية مايشوفكيش دلوقتي!
نثرت خلود عطرها على بلوزتها الخضراء وهندمت ياقتها ثم أرخت طرفي حجابها الأبيض وراء ظهرها سحبت شهيقا عميقا تهدئ به دقات قلبها المتسارعة وقفت قبالة والدتها ترجوها
ادعيلي ياماما
قالت لها بوجه عابس غير راض عن تصرفاتها
بأدعيلك بس إنتي اركزي كده
وكأنها لم تصغ لها حيث خرجت من غرفتها مهرولة
نحو الصالة لمحته جالسا عند الزاوية ېحرق صدره بسجائره رمشت بعينيها غير مصدقة أنه جاء لرؤيتها أحست بالسعادة تغمرها من جديد فتذيب الأوجاع التي أثقلت قلبها لكنها أرادت معاتبته على خشونته معها لذا تباطأت عن عمد في خطواتها وهي تقترب منه أطفأ تميم سيجارته وقد لمحها مقبلة نحوه نهض لمصافحتها فرفضت مد يدها نحوه وكتفت ساعديها أمام صدرها لترد له ما فعله معها حينما قدمت له باقة الورد رمقها بنظرة حادة أربكتها ثم سألها لها
دي حمدلله على السلامة بتاعتك
على الفور تخلت عن قناع الجمود الزائف الذي ارتدته لتعتذر منه في ندم وقد تهدل كتفاها وارتخى ذراعاها
حقك عليا يا تميم أنا مقصدش
ثم لعقت شفتيها بطرف لسانها قبل أن تضيف بمرارة
بس إنت وجعتني باللي عملته معايا قصاد أهلك!
رد عليها دون مراوغة
عشان الورد
أدمعت عيناها وقد تجسد المشهد في مخيلتها رأى تميم عبراتها تتجمع فشعر بوخزة تؤلم حلقه لم يحبذ أبدا تلك النوعية من الرومانسيات العلنية هو غيرها لا يستطيع التعبير عن مشاعره أمام الآخرين يحتاج لنوع من الخصوصية ليبوح بمكنونات قلبه أخرج زفيرا عميقا من جوفه ثم جلس على الأريكة ليقول لها
بصي يا بنت الناس خليني أكون واضح معاكي
قضم باقي حديثه ريثما تجلس ثم استأنف قائلا بنفس اللهجة الجادة
الأيام السودة اللي أنا عيشتها في السچن غيرتني كتير طول اليوم مع مجرمين وأشكال بنت فمش بالساهل تلاقيني تميم بتاع زمان أنا محتاج وقت عشان أعرف أتعامل مع الناس عادي وخصوصا خطيبتي تصرفاتي شوية ممكن متعجبكيش بس اديني وقتي!
امتدت يداها نحوه لتمسك بكفيه مسحت عليهما برفق وقد حدقت في عينيه بنظرات هائمة خرج صوتها محملا بتنهيدات العشق وهي تقول
حبيبي خد كل الوقت اللي إنت عاوزه أنا مش مستعجلة بس ماتقساش عليا أنا بأحبك وبأموت في التراب اللي بتمشي عليه
تنحنح بصوت خاڤت قبل أن يسحب كفيه من بين أناملها الناعمة استقام في جلسته مرددا
أنا جاي بنفسي أخدك للعزومة
هللت غير مصدقة وهالة سحرية من الحب تحاوط وجهها
بجد يا تميم
رد بغلظة طفيفة
أكيد مش بأهزر يعني! قومي جهزي نفسك مش عاوز أتأخر
نهضت واقفة وهي ترد في انصياع كامل
على طول يا حبيبي
همت بالتحرك لكنها التفتت برأسها نحوه لتضيف في رقة وقد ضج وجهها بتورد دافئ
تعرف أنا كنت لسه بأقول لماما إني لازم أروح لخالتي من بدري عشان أساعدها وهي وهيثم يروحوا براحتهم برضوه هي محتاجة حد يقف معاها
التعب راح خلاص
انفرج ثغرها عن بسمة متسعة مليئة بالفرحة مالت نحو والدتها ټحتضنها وتقبلها من وجنتيها وهي تهتف في ابتهاج
أنا بأحبك أوي يا ماما
علقت عليها بنبرة ساخرة
خلي الحب لناسه ياختي!