الطاووس الأبيض بقلم منال سالم ج١
لم تدخر وسعها في إظهار بأن عودته تعني الكثير لها من خلال الاهتمام بكافة التفاصيل المتعلقة به دقت على باب غرفته بهدوء حتى لا توقظه إن كان لا يزال نائما أطلت ونيسة برأسها من الباب فلم تجد ابنها على الفراش دفعته بيدها لتزداد فرجته ودارت بعينيها في أرجاء الغرفة كانت خالية منه اعتقدت بوجوده في الحمام ولجت للداخل وتلقائيا انحنت على الفراش لترتبه ابتسمت لكون ابنها ما زال محتفظا بعادته في الاستيقاظ باكرا وإن تأخر في عودته للمنزل مساء التقطت عيناها دون قصد منديل الرأس النسائي المسنود على الكومود مدت يدها لتمسك به فرأت المشبك المثبت به انعقد حاجباها في استغراب سائلة نفسها
بتوع مين دول
سرعان ما تلاشى اندهاشها مع ظنها أنه يخص خلود ربما أهدته إياه خلسة ليحتفظ بشيء يخصها فتحرك المياه الراكدة في علاقتهما ابتسامة عبثية لاحت على ثغرها وهي تعيد وضعه في مكانه اعتدلت في وقفتها مكملة حديث نفسها
ربنا يقرب ما بينكم
التفتت لتجد تميم واقفا عند أعتاب الغرفة منح والدته نظرة مليئة بالحب وهو يلقي عليها التحية ليمرح بعدها معها قائلا
إيه الدلع ده كله بنفسك بتروقيلي الفرش
قالت له في عتاب رقيق
هو أنا عندي أغلى منك الظاهر السچن نساك كنت بأعلم إيه عشانك!
احتضنها وأحست بذراعيه تطوقان جسدها المسن قبل أعلى رأسها يشكرها
ولا لحظة نسيت يامه ده مكانش في حاجة
بتهون عليا بعدك عني يا ست الكل
ربتت على كتفه بحب مضاعف ثم رددت بابتسامتها الودودة
حبيبي يا ابني ربنا ما يحرمني منك أبدا الحمدلله إن ربنا مد في عمري وشوفتك قصادي تاني
وما لبثت أن تحولت نبرتها للجدية وهي تنذره
بس بالله عليك بلاش أمور اللبش دي تاني! أنا مش ناقصة يا ابني العمر معدتش فيه باقية
رد بإجابة محايدة
كله على الله
سألته في اهتمام
أعملك تفطر
رد نافيا بهدوء
لأ ده أنا يدوب أنزل ألحق الحاج في الدكان ورانا طلبية بحر لازم تخلص قبل الضهر
دعت له بصدق
ربنا يعينك يا ابني ويفتحها في وشك من وسع
لف تميم وشاحا رفيعا من الصوف حول عنقه حتى لا يلفحه الهواء الشمالي البارد الآتي من البحر مشط شعره بمشطه ليتركه بعدها على التسريحة ثم هذب ذقنه بيده ملقيا نظرة أخيرة على هيئته الټفت متجها نحو باب غرفته لكن استوقفه طلب والدته القائل
ماتنساش تاخد خلود تفسحها بنت خالتك صبرت كتير حاسسها إنك رجعت وأجبر بخاطرها بكلمتين
استدار برأسه نصف استدارة وقد بدا الوجوم واضحا على ملامحه سألها في ضيق معتقدا أنها ربما قد تكون استفاضت في الحديث مع خالتها
هي اشتكتلك يامه ولا حاجة
نفت كليا وبجدية تامة
قسما بالله ما حصل بس أنا ست وأفهم في دماغ البنات وهي صعبانة عليا لا لحقت تفرح بيك ولا تتهنى بخطوبتها
زفير بطيء خرج من جوفه قبل أن يتصنع الابتسام وهو يعدها
حاضر هاخلص اللي ورايا وأرتب معاها خروجة
رفعت كفيها للسماء تدعو له
ربنا يراضيك زي ما بتراضيني كده على طول
قال في إيجاز
يا رب سلامو
عليكم
أسرع في خطاه خارجا من الغرفة وكلمات والدته تلحق به قائلة له
وعليكم السلام يا تميم ربنا يبعد عنك شړ الطريق
ملأها الحماس لتنزل باكرا إلى الأسفل وتحديدا باحة المنزل الخلفية بعد تناول الإفطار حتى تتفقد عربتها كانت على عكس طبيعتها كلها حيوية وإقبال على الحياة صدمة مروعة أصابت أطرافها بالشلل مؤقتا فتجمدت في مكانها وقد رأت التخريب المتعمد الذي أصاب حلمها تدلى فكها السفلي في ذهول وارتعاب أحست بقلبها ينخلع في صدرها من قوة المفاجأة المحطمة لآمالها رمشت فيروزة بعينيها وهي بالكاد لا تصدق مدى الضرر الذي لحق بالعربة تساءلت مع نفسها في استنكار تام
إزاي ده حصل
أجبرت ساقيها على التحرك في اتجاهها تلمست بيد مرتعشة النافذة التي انتزعت بشراسة وتركت ملاقاة على الأرضية وارتفع ذراعها ليمسك بالمظلة الجلدية التي تمزقت إربا ناهيك عن تلطيخ جسم العربة بالزيت وألوان بشعة ليفسد مظهرها الخارجي وبالتالي ستحتاج لطلاء جديد لإعادتها لهيئتها الأولى في أقل من ثوان كانت عيناها تسبحان في أبحر من العبرات الحاړقة حلمها انتهى قبل أن يبدأ أصيب ذهنها بالتشوش فلم تستطع في البداية أن تفكر بعقلانية اڼهارت جاثية على ركبتيها تبكي في ألم حانت منها التفاتة تلقائية للأعلى لتجده محدقا بها من النافذة في تشف صارخ أكدت تعابيره المرسوم عليها ابتسامة انتصار عريضة ونظراته المزهوة أنه من يقف وراء ذلك رددت بذهول محاولة استيعاب أنه الفاعل
خالي
اتسعت ضحكة خليل اللئيمة وهو يستعيد المشهد في عقله منذ البداية انتظر صلاة الفجر وهبط من منزله متجها للباحة الخلفية وهو يضمر سوءا نحو ابنتي أخته لن يتركهما يحققان مآربهما سينتقم منهما بقسۏة ليعرفا جيدا مع من يتعاملان وخاصة بعد شحن زوجته له وإوغار صدره نحوهما أمسك بعتلة قديمة لينتزع النافذة المعدنية من مفصلاتها ثم قام بشق جلد المظلة بطرفها الحاد وخلعه من مكانه ليلقيه أرضا تمكن من الصعود إلى بدن
العربة وبداخلها عاث فيها الفساد خرب كل شيء تقريبا فباتت لا تصلح للاستخدام ترجل منها ومسح العرق الساحن الذي غطى جسده بالكامل بالرغم من برودة الطقس أحس بنيرانه المشټعلة تهدئ بعد أن حاز على انتقامه عاد خليل لأرض الواقع مبتسما بشكل استفز فيروزة على الأخير جفت دموعها ونهضت واقفة على قدميها تصيح به
ليه كده يا خالي
أجابها ببرود ونظراته الشامتة تنعكس عليه
مشكلة وحلتها!
صړخت به بحړقة شديدة
حرام عليك! ضيعت تعبي كله أنا عملتلك إيه
قال غير مبال قاصدا أن يصل إليها مغزى ما فعل
محدش بيتعلم ببلاش ففوقي لنفسك يا بنت أبو المكارم!
أتت همسة على صوت شقيقتها الصارخ والمنفعل لتتفاجئ هي الأخرى بالکاړثة التي حلت بالعربة وضعت يدها على فمها كرد فعل طبيعي كاتمة شهقة مصډومة تقاتل للخروج من جوفها وتعبر عن حسرتها التفتت ناظرة إلى أختها التي تحترق حية من فرط انفعالها وقفت إلى جوارها وحاوطتها من كتفيها نظرت إليها بعينين حزينتين فرأتها محدقة بالأعلى ارتفعت رأسها لتتطلع إلى من تتركز عيناها عليه سددت همسة نظرة لائمة لخالها الذي كان يرقص محتفلا بانتصاره الرخيص أوصد الأخير النافذة في وجهي كلتيهما ليزداد حنق فيروزة ويندلع ڠضبها أكثر أخفضت رأسها تصيح في وجه أختها
شايفة خالك المفتري عمل فينا إيه
توسلتها بصوت يعبر عن قرب بكائها
اهدي طيب يا فيرو
توعدت فيروزة خالها بعدائية جمة
أنا مش هاسكتله والله ما هاسيب حقي
رجتها همسة من جديد
عشان خاطري اهدي الأول هيجرالك حاجة من العصبية
ردت عليها بحړقة
ربنا يقهره زي ما قهرني
أضافت عليها مؤكدة
ماما لازم تعرف باللي عمله
ده أنا هافضحه مش هاعديها على خير هو ده اللي خاېف على مصلحتنا بدل ما ياخدنا تحت جناحه ويتفاهم معانا بالعقل
ثم كزت على أسنانها مضيفة بحنق أشد
أكيد الحيزبونة مراته ورا اللي حصل
أيدتها في رأسها قائلة
ماتستبعديش ده
ضاقت نظراتها بعزيمة أكبر وهي تعد أختها بما لا يدع مجالا للشك أو التراجع
فكره إنه بكده هيمنعني أعمل اللي في دماغي يبقى غلطان أنا مش هاستسلم!
عادت لتحملق بالأعلى من جديد وصدرها الناهج يضج پغضب أشد قوة لن ينجح في تثبيط همتها أو ټدمير أحلامها ستقف له الند بالند إلى أن يرضخ بالأمر الواقع
تأنقت بعباءة جديدة سوداء اللون تنتهي أكمامها بشرائط مرصعة بالترتر قامت بتضييقها من عند الخصر ليظهر تناسق جسدها وامتلائه بشكل مغر أما فتحة صدرها فمنقوش عليها رسمة لقرص الشمس وأشعتها المتشعبة لتبدو لافتة للأنظار تأبطت ذراعه في تفاخر وزهو وكأنها ملكت الدنيا بأسرها بسيرها معه وسط العامة خلال ساعات الليل الأولى تهادت في مشيتها بثقة ودلال مستشعرة باكتمال أنوثتها في حضرته كم ادعت تعثرها لأكثر من مرة لتشعر بقوة قبضته حينما يمسك بها! كذلك كانت تثرثر بلا توقف تحكي له عن توافه الأمور لتشعره بأهمية مشاطرته لها في كل ما يخصها أما هو فقد اكتفى بهز رأسه من آن لآخر ليوحي لها بأنه متابع جيد للغوها الذي لم يلتقط منه إلا جملا معدودة تنهدت خلود مرددة في بهجة محسوسة
أنا خلاص هاجيب مفرش العرايس بتاع أوضة نومنا وأبقى بكده قفلت كل حاجتي
قال باقتضاب وبوجه خال من التعبيرات
كويس
إنت لو ناقصك حاجة قول لخالتي عشان تجيبهالك مش عايزين نضيع وقت
ربنا يسهل
بأفكر كمان لما العفش يجي أعمل الستاير لونين
نظر لها بفتور وقد بدا نوعا ما منزعجا من تلك التفاصيل المملة عن تأسيس منزل الزوجية سألته خلود من جديد وعيناها تدوران في الطريق المتسع
هانروح فين يا تميم
للحظة انتبه لسؤالها الأخير بعد أن
كان شاردا عنها نسبيا حتى سيره معها كان بلا وجهة محددة احتدت نظراته في الطريق وهو يفكر مليا في المكان الذي سيصطحبها فيه ليقضي سهرته الروتينية معها جال بخاطره فجأة أن يتجه لمنطقة الكورنيش ولما لا فهي فرصة مناسبة للتأكد من وجود العربة استدار برأسه نحوها يقول ببسمة بدت متكلفة
هانقعد على الكورنيش شوية
استغربت من اقتراحه ورددت متسائلة
في السقعة دي
أجابها بحماس عجيب
ده أحسن وقت يا خلود
نظرت له باسترابة فأوضح لها
قصدي يعني هوا البحر مع أعدتنا سوا
ورغم حالة التعجب المسيطرة عليها إلا أنها لم تعترض على فكرته ظنت أنه يريد التودد إليها ويحتاج لحجة زائفة لفعل ذلك والاقتراب منها مستغلا برودة الجو هكذا انطلقت في ذهنها الهواجس الوردية وتدفقت لتغزي عروقها عضت على شفتها السفلى في استحياء مستنكرة جموح خواطرها وأطرقت رأسها لتنظر إلى موضع قدميها وهي تكمل فسحتها الترويحية معه دارت عينا تميم على مدى البصر في الكورنيش بحثا عن تلك العربة لم تكن موجودة مما أصابه بإحباط عجيب جاهد بصعوبة ليبدو طبيعيا في تصرفاته مع خطيبته التي لو كانت منتبهة جيدا له للاحظت التغيير الذي طرأ عليه وتملك منه استنشق بعمق الهواء الجليدي الذي اقتحم رئتيه فأنعشهما أشار بعينيه إلى بقعة ما شبه خالية قائلا
تعالي نقعد هناك
ماشي
قالتها وهي ترفع طرف عباءتها الملامس للطريق قليلا حتى تتمكن من صعود الرصيف والاتجاه إلى المنطقة الحجرية المخصصة لجلوس الأفراد وقبل أن تجلس أخرجت من حقيبتها منديلا ورقيا مسحت به مكانها ثم أعطت تميم واحدا ليفعل مثلها جلست معتقدة أنه سيحاول الالتصاق بها لكنه ترك مسافة تتخطى السنتيمترات كفاصل بينهما مما أزعجها للغاية سألها بصوته الأجش وقد نهض فجأة ليشعل سيجارته
عاوزة تأكلي إيه
أجابته في تردد وهي تهز كتفيها
مش عارفة
أومأ بعينيه نحو عربة قريبة منهما نسبيا قائلا لها
هاجيبلك شاورمة
تطلعت إليه وقد أكمل جملته متسائلا
مش إنتي لسه بتحبيها
ردت بقلب يدق في عڼف لكلماته التي أشعلت أكثر جذوة الحب المتقدة بداخلها
أيوه
تمام
بخفة وسرعة تحرك تميم نحو العربة التي تبعد عدة أمتار ليقف أمام نافذتها أملى على العامل الواقف بها طلبه ومنحه بقشيشا إضافيا ليعد له السندوتشات سريعا الټفت نحو خلود ليراقبها عن كثب ليتأكد من عدم تعرضها للمضايقة من قبل أحدهم ولكن لكونه ذائع الصيت ومعروف لدى أغلب سكان المنطقة فلم يجرؤ أي شخص على الاقتراب منها بل على العكس كان الترحيب الجلي به واضحا طوال سيره أخذ تميم السندوتشات ذات الرائحة الشهية والمحفزة للمعدة من البائع وعاد بها إلى خطيبته ناولها خاصتها وجلس إلى جوارها يقضم قطعة كبيرة وراء الأخرى سكون هادئ ساد بينهما لبعض الوقت حاولت خلود استدراجه للحديث معها حينما طال صمته فقالت
فكرت في الميعاد اللي هنتجوز فيه
صدمها وجعل الطعام يعلق بحلقها فأصبح كالزقوم الحارق في جوفها حينما أجاب دون تفكير وكأنه يبوح بما يدور في مكنونات نفسه
لأ !!!
يتبع
الفصل السادس
غصة جارحة مؤلمة آلمت حلقها وجعلت لقمة الطعام تشق طريقها شقا كما يجرف المحراث الزراعي الأرض الجافة الجرداء إلى أن ابتلعتها بعد كلمته المقتضبة التي حطمت سور الأحلام الوردية وهدمته على رأسها لتشعر بمدى قساوة واقعها المحيط كان الهواء قارصا لكنه لا يقارن ببرودته الممېتة للقلوب في تعامله الجاف معها سبحت عينا خلود سريعا في أبحر من العبرات الدافئة تركتها تنساب في قهر وبؤس فقدت قدرتها على منعها أو الصمود أمامه بدا صدرها وكأنه ينهج من اجتهادها لكتم ألمها عجزت عن تجاوز الأمر وتخطيه فلملمت أشيائها ودست ما تبقى من السندوتش في حقيبة يدها كانت عازمة على تصعيد الخلاف غير المقصود لمداه فإن كان لا يريدها فلن تذل نفسها من أجله لينفصلا في هدوء وتجتر وحدها مرارة الانتظار هبت ناهضة من مكانها قائلة له ببقايا كرامة وبصوت مجروح
أنا عاوزة أمشي!
تطلع إليها تميم في ندم كان غبيا بدرجة كبيرة لينطق برعونة بذلك الرد الفظ الذي أفسد الليلة وأنهاها فجأة لتكون عبارتها التى تعكس ألمها مؤثرة على سمعه ووجدانه أي حماقة دفعته للتصرف هكذا معها دون تفكير مسبق! وهو المشهود عنه ببراعته في إدارة أعمال التجارة وإنهاء الصفقات الكبيرة بمعسول الكلام