الطاووس الأبيض بقلم منال سالم ج١
لا تعرف كيف وافقت ببساطة على چنونها المسبب للفت الأنظار وجلست على مقعد بلاستيكي إلى جوار عربة الطعام الجاهز لتراقب بقلق غريزي ما تفعله ابنتاها مع الزبائن في البداية كان الوضع هادئا بالرغم من اختيار الأختين ليوم الخميس لافتتاح مشروعهما حيث بداية العطلة الأسبوعية وخروج المواطنين للاستمتاع بالأجواء الشتوية انزعجت قليلا من شرائط الأنوار الجاذبة للأنظار التي حاوطت مقدمة العربة لتجذب الأعين نحوها أشاحت ببصرها عن إضاءتها لتضم شالها الصوفي على عنقها حتى تستعيد إحساس الدفء المفقود في ذلك المكان الفسيح أعدت همسة السندوتشات الخفيفة وأضافت لها نكهات مميزة لتعطيها مذاقا مختلفا وأيضا حريفا إن طلب أحدهم طعما لاذعا وحارا في حين تولت فيروزة تلقي الطلبات وتغليف الطعام فور الانتهاء منه نهضت آمنة من مكانها لتذهب إلى ابنتيها بعد أن ضجرت من المكوث
مطولا بمفردها دون أن تقوم بشيء مفيد ناهيك عن تيار الهواء البارد الذي أرهق جسدها وقفت تتطلع إلى الاثنتين الواقفتين خلف نافذة موجودة في العربة كلتاهما ترتدي كنزة سوداء ثقيلة مطبوع عليها نقوشات شتوية ويرفعان شعرهما للأعلى ويلفان حوله منديلا للرأس من اللون الأسود يزينه ورودا ملونة حتى لا تتساقط أيا من خصلاته في الطعام أثناء إعداده تأملتهما بابتسامة لطيفة سرعان ما تلاشت لتسألهما بنفاذ صبر
هو احنا هنفضل أعدين كده لحد امتى
ردت عليها فيروزة بملامح جادة
لسه بدري يا ماما الناس بتسهر للصبح
قالت والدتها بتذمر وهي تسحب شالها على كتفيها المرتعشين
بس أنا البرد نخر في عضمي وتعبني
اقترحت عليها همسة بلطف وهي تبتسم لها
تقدري يا ماما تطلعي تريحي كتر خيرك واقفة معانا من بدري واحنا كمان شوية هنقفل ونرجع البيت
اعترضت عليها بشدة
وأسيبكم لوحدكم في الطل
صححت لها فيروزة عبارتها مستخدمة يدها وعينيها في الإشارة
طل إيه بس ده الدنيا زحمة أهي
انكمشت آمنة على نفسها من التيارات الهوائية الباردة التي ټضرب وجهها وقالت في ضيق
أنا مش مرتاحة
استندت فيروزة بكفيها على حافة النافذة لتتمكن من الانحناء نحوها ثم ردت عليها بهدوء علها تخفف من وطأة خۏفها الزائد
يا ماما مټخافيش أديكي موجودة معانا من بدري ومافيش حاجة حصلت الناس رايحة جاية وكل حاجة تمام التمام
حركت رأسها للجانب قبل أن ترد عليها
قلبي متوغوش وبعدين كل فين وفين لما حد يجي ناحيتكم
بررت لها عزوف الزبائن عن القدوم قائلة بمنطقية
ما هما لسه ميعرفوناش بكرة لما الكل يدوق أكلنا هنبقى مش ملاحقين على الطلبات ولا الزباين
أما نشوف
قالتها وهي تجرجر ساقيها نحو مقعدها الموضوع بجوار العربة في حين تساءلت همسة في اهتمام وهي تحاول أن تطل برأسها من النافذة لتنظر إليها أكثر
هاتعملي إيه يا ماما
ألقت بثقل جسدها المنهك على المقعد لتجيبها بعدها
هاقعد في مكاني ما أنا مش هاسيبكم لوحدكم
سألتها مبتسمة
طيب أعملك سندوتش
ردت بوجه متقلص ونظرات متنمرة
لأ مش عاوزة ربنا يسهل وتفضوا المولد ده خلينا نرجع بيتنا
كظمت فيروزة غيظها من أسلوبها المنفر والمثبط للعزائم لتقول بصوت خفيض وهي تكز على أسنانها
شايفة الإحباط
همست لها أختها وهي تسحب السکين من موضعه
احمدي ربنا إنها وافقت أصلا مش أحسن ما كانت حطتلنا العقدة في المنشار ولا عرفنا نعمل حاجة
قالت بتكشيرة جانبية على شفتيها
على رأيك الحكاية مش ناقصة عكوسات!
أمرتها همسة بجدية وهي ترص قطع اللحم في المقلاة المليئة بالزيت المتأجج على النيران
قطعي يالا الطماطم والخس عشان لو حد جه طلب أوردر ما يقفش كتير
رفعت فيروزة يديها للأعلى مرددة بنبرة عالية
ارزقنا من عندك يا رب!