قبل ما نخرج محمد عبده
قبل ما نخرج من البيت بـ15 دقيقة بس، كانت آخر حاجة ممكن أتوقعها إن بنتي الصغيرة هتكون هي السبب في إني أكتشف سر كان مستخبي ورا ضهري.
كنت واقف عند باب البيت، شنطتي السودا جنب رجلي، ومستعد أسافر للقاهرة علشان اجتماع شغل مهم.
لكن بنتي الصغيرة “ليان”، اللي عندها 6 سنين، جريت ناحيتي حافية، ورمت نفسها في ، وشها في .
قالت بصوت مكسور:
— بابا… متسافرش النهارده.
حاولت أبتسم وأطمنها:
— يا حبيبتي، يومين بس وهكون رجعت.
لكن ليان راسها بعنف.
وبعدين بصت ناحية المطبخ.
النظرة دي لوحدها خلت الابتسامة تختفي من على وشي.
قالت وهي بتشد في هدومي:
— لما بتسافر يا بابا… ماما سارة بتحط نقط في العصير بتاعي.
اتجمدت مكاني.
سارة كانت مراتي بقالها حوالي عشر شهور.
بصيت لبنتي وقلت:
— نقط إيه؟
قالت:
— بتقول إنها فيتامينات… بس بعدها بحس إني مش طبيعية. ببقى مش قادرة أقعد في مكاني، وبعدين هي بتصورني بالموبايل.
نزلت على ركبتي علشان أبقى في نفس مستوى عينيها.
— بتصورك ليه يا ليان؟
فضلت ساكتة ثواني، وبعدين قالت:
— بتقول إنها لازم تورّيك أنا بعمل إيه لما أنت مش موجود.
حسيت ببرودة غريبة بتسري في جسمي.
أنا فقدت زوجتي الأولى “هبة” من أربع سنين بعد مرض قصير وشديد.
ومن يوم وفاتها، كانت ليان هي كل حياتي.
الشغل، المدرسة، الفطار الصبح، العشا البسيط، حكايات قبل النوم… وحتى الأسئلة الصعبة اللي مفيش طفلة عندها ست سنين المفروض تضطر تسألها.
ولما سارة دخلت حياتنا، افتكرت إنها أخيرًا هتكون الشخص اللي يقدر يفهمنا.
عمرها ما طلبت أشيل صور هبة من البيت.
ولا مرة اتضايقت لما ليان كانت تتكلم عن أمها.
وكانت حتى بتروح معاها كل سنة نزور قبر هبة، ونحط ورد.
كنت فاكر إن ده دليل على طيبة قلبها.
لكن في اللحظة دي، كل حاجة بدأت تاخد شكل مختلف.
سألت بنتي بهدوء:
— سارة قالتلك حاجة تانية؟
ليان بصت ناحية المطبخ تاني.
وبصوت واطي قالت:
— قالتلي إن في يوم من الأيام، أنت هتفهم إن لازم أعيش في مكان تاني.
قلبي دق بعنف.
— مكان تاني فين؟
هزت كتفها:
— مش عارفة.
وبعدين قربت مني أكتر وهمست:
— وقالتلي لو حكيتلك عن العصير، هتخليك تشوف الفيديوهات اللي بتصورها وتصدق إني بكذب.
فضلت ساكت.