جوزى صافى هانى
جوزي جاب أهله الكبار وقعدهم في بيتي وقال بكل برود
خلّي بالك منهم على ما أرجع
وطبعًا مكنش رايح سفرية شغل عادية زي ما فهمني ده كان مسافر برة عشان يقضي أربع سنين بعيد عني ومن غير ما يرجعلي أو يناقشني في القرار
ابتسمت وودعته وفضلت ألوح له بإيدي لحد ما اختفى جوه أمن المطار
وفي اللحظة اللي غاب فيها عن عيني وقفت كل كروت الائتمان بتاعته وقدمت طلب طلاق واتأكدت إنه مش هيلاقي أي حاجة مستنياه لما يرجع البيت
لندن ولمدة أربع سنين
معلقة الفضة اتزحلقت من صوابعي وخبطت في طبق البورسلين بصوت حاد ومزعج
ماهر قرب من الترابيزة وحط إيده فوق إيدي وكان بيبتسم ابتسامة الاعتذار المعتادة بتاعته نفس الابتسامة اللي كانت دايمًا تقنعني أسامحه على قرارات كتير كان بياخدها من غير ما يرجعلي
قال بصوت هادي
الأربع سنين هياخدوا بعضهم ويجروا قبل ما تحسي يا فريدة أنا بعمل كل ده عشان مستقبلنا
وقبل ما ألحق أنطق بكلمة حماتي ميرفت خبطت بكف إيدها على الترابيزة
وقالت بصوت عالي
الحمد لله والشكر لله أخيرًا ابننا جاله الفرصة اللي يستاهلها بجد
وبعدين بصتلي مباشرة ونظرة الغرور الهادي اللي ماليها كانت هي هي نفس النظرة اللي استحملتها طول فترة جوازنا
وكملت بقسوة
وطالما ماهر مسافر أنا وأبوه هننقل نقعد هنا معاكي أهو مبقيتيش لوحدك وأخيرًا هتاخدي الفرصة وتكوني الكنة المطيعة اللي المفروض تكونيها
محدش فيهم كلف خاطره يسألني أنا عايزة إيه
ولا حتى جه على بالهم إن رأيي مهم أو ليه قيمة
كانوا خلاص قرروا وخلصوا إن الأربع سنين الجاية هقضيها جوه بيتي بخدم في والدين ماهر الكبار بينما ميرفت مش هتبطل تنتقد أكلي ولبسي وشغلي في البيت وكل حاجة بعملها
الموضوع مكنش نقاش ولا استشارة
كان قرار جاهز
فضلت باصة لطبق العشاء بتاعي اللي محدش لمسه وفجأة حسيت إن الأكل كله بقى ملوش طعم وعامل زي التراب
قلت بهدوء تام
تمام موافقة
ماهر ابتسم وخد نفسه بارتياح واضح
الصبح بدري وصلته لحد المطار
ودعته بهدوء وتمنيت له السلامة وفضلت واقفة لحد ما دخل بوابات الأمن
أكد عليا إن الأربع سنين دول هيغيروا حياتنا للأبد
شفته وهو بيختفي جوه منطقة التفتيش
رجعت عربيتي وقعدت ورا الطارة وحاولت أقنع نفسي إني أقدر أستحمل اللي مستنيني في البيت
وفجأة تليفوني اهتز برسالة جديدة
إشعار بنكي ظهر على الشاشة منور
عملية سحب ١٥ ألف دولار
المكان مجوهرات لومينا في أتلانتا
نفسي اتسحب واتخطف في لحظة
قريت الرسالة مرة
وتاني مرة
وتالت مرة
خمسة عشر ألف دولار في محل مجوهرات من أرقى محلات أتلانتا
المفروض إن ماهر كان داخل إجراءات السفر
المفروض إنه خلاص في طريقه للرحلة
بس الحقيقة غير كده خالص
هو لسه في أتلانتا
وفي لحظة واحدة كل الحاجات الصغيرة اللي طنشتها وعديتها زمان بدأت تتجمع قدامي زي قطع البازل
التليفون اللي بقى بيحافظ عليه بشكل مبالغ فيه
الغيابات المفاجئة اللي ملهاش تفسير
المصاريف الغريبة
والفترة الطويلة اللي حددها وأمر بيها كأن مفيش أي حق ليا أعترض أو أناقش
ماهر مكنش سايبني عشان أخدم أهله وبس
كان مخطط لحياة جديدة بعيد عني وبيستخدم فلوسنا في ترتيبات أنا مكنتش أعرف عنها حاجة
والأغرب إنه كان عاوز يخليني أتحمل النتيجة وأسكت
الخوف اللي كان جوايا اختفى في ثانية
ومكانه جه إحساس تاني أبرد بكتير
اليقين والوضوح
ركنت على جنب الطريق السريع وطلعت تليفوني واتصلت بمدير حساباتنا في البنك
رد عليا بمهنية
خدمات البنوك المميزة أقدر أساعد حضرتك إزاي يا فندم
قلت بصوت ثابت وهادئ
اسمي فريدة بركات أنا صاحبة الحساب الأساسي وعايزة أبلغ عن نشاط مالي غير مصرح بيه وحالًا
الموظف قال
أهلًا بحضرتك يا مدام فريدة تحبي نعمل إيه بالظبط
بصيت على مطار المدينة في المراية اللي قدامي
وطلبت بصوت صارم
جمّدوا كل الكروت المرتبطة بالحسابات المشتركة
سكت ثانية وكملت
الكروت البلاتينية والكروت السودة وكل الكروت المرتبطة بالحساب
حالًا
صوابعي ضغطت على طارة العربية بقوة
ماهر كان فاكر إنه عامل الخطة الكاملة للسفر
وكان فاكر إني هفضل قاعدة في البيت أتحمل كل المسؤوليات وهو بعيد ويصرف من فلوسنا من غير ما يرجعلي
بس هو مكنش عارف إن أول خطوة في خطته هتكون آخر خطوة في قدرتي على السكوت
وقبل ما العربية تتحرك من مكانها تليفوني رن
رقم غريب ظهر على الشاشة
رديت
جالي صوت راجل رسمي جدًا
مدام فريدة إحنا محتاجين نتأكد من حاجة مهمة جدًا قبل ما نوقف العملية بالكامل
قلبي دق بسرعة
قلت
إيه هي
قال
المبلغ اللي اتسحب النهارده مش أول عملية
سكت
وحسيت إن الطريق كله وقف حواليا
سألته
يعني إيه مش أول عملية
قال
في عمليات تانية اتعملت خلال الشهور اللي فاتت والمشكلة إن كل واحدة منها كانت مرتبطة بترتيبات طويلة المدى
حسيت إن إيدي بردت
قلت
ترتيبات إيه
سكت الموظف ثواني قبل ما يقول
مدام فريدة فيه مستندات اتبعتت للبنك من فترة وإحنا محتاجين توقيع حضرتك عليها
قلت بسرعة
أنا ممضيتش على أي مستندات من النوع ده
رد
وده بالضبط سبب إننا اتصلنا بحضرتك
نزلت من العربية ووقفت على الرصيف وأنا ماسكة التليفون بكل قوتي
قلت
ابعتولي كل المستندات
رد
حاضر
وبعد ثواني وصلتني رسالة على موبايلي
فتحت الملف
وأول ما شفت الورقة الأولى حسيت إن الدنيا كلها اتغيرت
كان اسم ماهر موجود
واسم والدته ميرفت موجود
واسم والده موجود
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر الصفحة
كان فيه اسم رابع
اسمي أنا
وتحته توقيع منسوب ليا
ثبتت عيني على التوقيع
أنا عمري ما شفت الورقة دي
وعمري ما مضيت عليها
لكن التوقيع كان شبه توقيعي لدرجة تخوف
رفعت عيني للسماء وقلت لنفسي
هو الموضوع وصل للدرجة دي
وفجأة فهمت إن الحكاية أكبر من سفر أربع سنين
وأكبر من فلوس اتسحبت من الحساب
وأكبر من بيت أهله اللي كانوا عاوزين يقعدوا فيه
كان فيه سر كبير مستخبي ورا السفر
وسر ممكن يغير كل حاجة
رجعت العربية وقعدت ورا الطارة
وبدل ما أرجع البيت قررت أروح على مكتب المحامي
أنا المرة دي مش هكون الطرف اللي مستني
أنا هكون الطرف اللي بيدور على الحقيقة
وأول ما وصلت المكتب وحطيت الورق قدامه
المحامي فضل ساكت فترة طويلة
وبعدين رفع عينه وقال
فريدة
إنتي متأكدة إنك عايزة تعرفي كل حاجة
بصيتله وقلت
أنا مشيت في حياتي وأنا بثق في ناس كتير
النهارده عايزة أعرف الحقيقة مهما كانت
فتح الملف قدامه
وقلب أول ورقة
وبعدين قال
يبقى لازم تعرفي إن اللي حصل النهارده مش أول خطوة
دي كانت آخر خطوة في خطة بدأت من شهور
سكت لحظة
وبعدين دفع الملف ناحيتي
وقال
والاسم الموجود في آخر مستند هو السبب الحقيقي اللي خلاهم يصروا إنك تفضلي في البيت طول فترة سفر ماهر
فتحت عيني على آخرها
وقلت
ليه
المحامي رد بهدوء
لأن البيت اللي هما عاوزين يقعدوا فيه مش مجرد بيت بالنسبة لهم
ده مفتاح لحاجة أكبر بكتير
بصيتله وأنا حاسة إن قلبي هيخرج من مكانه
وقلت
إيه هي
فتح درج مكتبه وطلع ظرف بني قديم
حطه قدامي وقال
قبل ما نفتح الظرف ده لازم تعرفي إن فيه شخص واحد بس كان عارف الحقيقة من البداية
شخص ماهر نفسه مكنش متوقع إنه يتكلم
بصيت للظرف
وبعدين للمحامي
وقلت
مين
ابتسم المحامي ابتسامة صغيرة وقال
والد ماهر
وفي اللحظة دي تليفوني رن من جديد
بصيت للشاشة
كان الاتصال من والد ماهر نفسه
رديت
وجالي صوته لأول مرة من غير تردد
فريدة
إنتي فين
قلت
عند المحامي
سكت ثواني
وبعدين قال
كويس إنك عرفتي
لأن اللي هقولهولك دلوقتي ممكن يغير كل اللي فاكرة إنك عارفاه عن جوازك وعن البيت وعن سفر ماهر
سألته
إيه اللي حصل
قال
تعالي لوحدك
ومتقوليش لميرفت ولا لماهر إنك عرفتي
وبعدين قفل المكالمة
فضلت باصة للتليفون
وأنا لأول مرة أحس إن الأربع سنين اللي ماهر كان فاكر إنه رسمهم على مزاجه
ممكن يكونوا
